العنوان برنامج المديونيات الصعبة أمام الاختبار
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 791
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
- مجموعة من 200 شخص من كبار المدينين تحتكر ۹۷% من أزمة المديونية
- البرنامج يخدم كبار المدينين بصورة أساسية لأن أصولهم لن تغطي أبدًا مديونياتهم الضخمة
- دعم حكومي كامل للبنوك أمام أي عجز يصيبها خلال تطبيق البرنامج وعلى حساب المشاريع المستقبلية للدولة
- البرنامج لا يفرق بين العجز الصغير في الدين وبين العجز الكامل. ويظلم ذوي المديونيات القابلة للتحسن
- حجر الزاوية في البرنامج: استخدام المال العام في إنقاذ المرابين الخاسرين
لعل أزمة المديونية التي تستحوذ الآن على معظم الاهتمام الحكومي هي واحدة من أسوأ تفريعات أزمة سوق المناخ وأكثرها إقلاقًا للحكومة والبنوك والمتورطين فيها من عملاء البنوك.
وأسوأ ما في أزمة المديونية أنها تتفاقم مع كل يوم يمر عليها وكانت كذلك خلال السنوات الماضية والسبب في ذلك كونها تتضمن خطين متوازيين ومتعاكسين في آن واحد يتمثل أحدهما في الأصول المرهونة على الديون والتي تنهار قيمتها السوقية بمرور الوقت، ويتمثل الآخر بأن الديون -كما هي في شريعة البنوك الربوية- تتعاظم مع الزمن بسبب الفائدة المحسوبة عليها؛ ولذلك يزداد العجز مع الزمن ويسوء حال المديونيات.
ووفقا لتقديرات المطلعين على الأزمة فإن حجم المديونيات الصعبة في الوسط المصرفي يقدر م بـ 2000 مليون دينار كويتي مع نسبة عجز كبيرة لمعظم الديون الهامة، وأما عملاء البنوك من الذين تشملهم الأزمة فيقدرون بعشرات الألوف، وهذه الآلاف من المدينين تستحوذ على 3% من حجم المشكلة، أما الجزء الأعظم من المشكلة ۹۷% فتحتكره مجموعة من كبار المدينين لا يزيد عددهم عن 200 شخص!!
البنك المركزي وهو المعني الأول بهذه المشكلة حاول الشروع بمعالجتها في شهر فبراير الماضي عندما أصدر تعليماته بشأن كيفية عمل تسوية للمديونية عن طريق «البنك القائد» ولم تكن هذه التعليمات ملزمة وذلك بسبب عدم الاتفاق على دمج المديونيات المباشرة وغير المباشرة، وكانت بعض البنوك تقوم طبقًا للبرنامج القديم برفع الدعاوى على المدينين متى ما وجدت أن الفرصة مع العميل غير مواتية وخاصة إذا كانت من بنوك الفائض، ولم يكن ذلك يساعد على حل الأزمة، وقد جاء البنك المركزي في برنامجه الجديد ليغل يد البنوك عن اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المدينين إلا بعد الرجوع إليه.
البرنامج الجديد:
في 10/8/1986 اعتمد مجلس الوزراء مشروع البنك المركزي بشأن «برنامج تسوية التسهيلات الائتمانية الصعبة» وذلك: «بعد أن بلغت مشكلة التسهيلات الائتمانية الصعبة ما بلغت، وبعد أن أفسح المجال للبنوك ومدينيهم للقيام بالتسويات الودية ودون أن يؤدي ذلك إلى نتيجة محسوسة»... كما جاء في مقدمة مذكرة البنك المركزي.
وعلى أساس البرنامج المعتمد تلتزم البنوك الكويتية ومدينوها بالبدء فورًا بتسوية المديونيات الصعبة ويقصد بها التسهيلات الائتمانية غير المنتظمة للعملاء المقيمين الذين لديهم عجز في مراكزهم المالية حسب قدراتهم الحقيقية والتي تكشفها ممتلكاتهم في الداخل والخارج وإيراداتهم الجارية. على أن يحافظ للمدين على السكن المناسب والدخل الذي يكفل له ولأسرته العيش الكريم.
والمديونيات التي يشير إليها البرنامج هي تلك التي تمت قبل العمل بقواعد هذا البرنامج أي حتى 10/8/1986، وتسوية المديونيات لن تشمل المدين فقط بل الكفيل في حالة وجوده.
ووفقا للبرنامج فإن البنك الدائن يقوم بإخطار المدين برغبته في إجراء التسوية ويقوم الأخير بتزويد البنك بكافة المعلومات والبيانات حول ممتلكاته وموارده المالية وذلك في نماذج ورقية محددة، ويقوم البنك بدراسة هذه المعلومات وإعداد المركز المالي للمدين بحيث تقيم الأسهم والسندات غير المدرجة في البورصة وحصص المساهمات في الشركات طبقًا لأحدث البيانات الموجودة عن قيم هذه الأصول، وتقيم العقارات وأية أصول أخرى من قبل جهة مقبولة من البنك المركزي، أما الأسهم والسندات المدرجة فتقيم وفقًا لأسعار السوق.
وعلى ضوء ذلك المركز المالي وكشف التدفقات النقدية يضع البنك برنامج تسوية للمدين ويقوم بعرض البرنامج عليه، وعلى المدين إبداء الرأي النهائي خلال أسبوعين وبعد موافقة المدين على برنامج التسوية الذي يشتمل على الجدولة يقوم البنك بمتابعة الأوضاع المالية للمدين عن طريق طلب بيانات مالية دورية وذلك للتأكد من سلامة سير أعماله وتزويده بالإرشادات اللازمة مع الإحاطة بحق البنك في اتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية في حالة امتناع المدين عن تقديم البيانات للبنك أو تقديم بيانات مضللة أو رفض المدين لبرنامج التسوية المعروض عليه أو امتناعه عن الوفاء بالتزاماته في حال الاتفاق على تسوية معينة معه.
ومشتملات التسوية ترتكز في الأساس على إنشاء «أداة سداد مؤجلة» مسحوبة على المدين وذلك لمعالجة العجز في المديونية أينما ظهر، مع اختلاف معالجة الجزء المغطى من الدين حسب حالات مختلفة.. أو بصورة موجزة كما يلي:
مدينون ليس لهم إيرادات نقدية: ينشأ قرض بدون فائدة بقيمة الأصول وتنشأ أداة سداد مؤجلة بدون فائدة كذلك تستحق بعد عشر سنوات من تاريخ اعتماد التسوية لتغطية الفرق بين أصل الدين وقيمة الأصول.
ولمن ليس لديهم أصول فإنه تنشأ أداة سداد مؤجلة بقيمة الدين كله ولعشر سنوات كذلك.
مدينون لديهم إيرادات نقدية:
ينشأ قرض بقيمة الأصول على أن يتم جدولة هذا القرض لمدة لا تزيد على 15 عامًا وتستخدم الإيرادات النقدية في السداد وتحتسب على هذا القرض فائدة تتراوح بين صفر و7% حسب الحالة وتكون الأولوية لسداد القرض الأصلي.
وتنشأ أداة سداد مؤجلة كذلك لبقية قيمة الدين وتستحق هذه في تاريخ الانتهاء من تسديد الجزء المجدول. وفي حال استمرار الإيرادات فإنها تستخدم لسداد الدين كاملا.
وأداة السداد المؤجلة الدفع والمشار إليها سابقًا هي ورقة تجارية في صورة سند لأمر يسحبه البنك على المدين، وتقوم البنوك -طبقًا لتعليمات البنك المركزي- بإنشاء مخصصات لمواجهة هلاك هذه الأدوات بعد 10 سنوات بالنسبة للمدينين الذين لا تتوفر لديهم وقتئذ أية أموال للتنفيذ عليها.
مع التنويه إلى أن مشتملات التسوية تتضمن الكثير من التفاصيل التي لا يتسع المقام لذكرها هنا.
الدعم الذي ستتمتع به البنوك:
ولما كانت تسوية المديونيات كما سبق شرحها ستنعكس بشكل حاد على المراكز المالية للبنوك فإن الحكومة تعهدت بتقديم دعم كامل للبنوك، ومن صور هذا الدعم:
تلتزم الدولة بالمحافظة على سلامة المراكز المالية للبنوك الكويتية وبما يتضمن عدم المساس بحقوق المساهمين المعلنة في تاريخ 31/12/1985، كما تكفل الدولة الوفاء بحقوق المودعين لدى البنوك.
يصدر البنك المركزي نيابة عن الحكومة شهادة بضمان العجز الموجود لدى أي بنك كويتي في المخصصات اللازمة التي ينشئها لمقابلة أدوات السداد المؤجلة (شهادة ملاءة).
تدعم الدولة البنوك من خلال البنك المركزي بمختلف الوسائل كأن تقوم بالإيداع لدى البنوك بفوائد ميسرة مع منحها امتيازات عديدة وقد نقل عن بعضهم أن الحكومة قد تقوم سحب فوائد ودائعها في الخارج وتدفعها إلى البنوك.
ملاحظات حول البرنامج:
من المبكر حتى الآن الحكم على مدى نجاح البرنامج الذي دخل طور التطبيق فعلًا، ولكن الحماس الرسمي للبرنامج يقابله فتور وتململ من قبل المدينين ويلاحظ أن كثيرًا منهم -وخاصة النشطون في التجارة-يجدون أنفسهم مترددين في تسليم أعناقهم للبنوك الدائنة وتحكيمها في كل شاردة وواردة في نشاطهم المالي طوال السنوات التي تستغرقها التسوية، وبالطبع فإن الخيارات محدودة أمامهم لأن البرنامج ملزم للجميع.
ولكن المتفحص للبرنامج يستطيع أن يتلمس بعض النقاط الهامة التي أغفلها البرنامج أو تركها دون إجابة.. ومن هذه:
البرنامج تعهد بمعالجة العجز أينما ظهر ولم يحدد له قاعًا، فإذا كانت أصول المدين تغطي 99% من قيمة الدين فإن معالجتها لن تختلف جوهريًّا عما إذا كانت الأصول تغطي 1% فقط من الدين.
وهذه المساواة في معاملة المدينين سوف تشجع بعضهم على تهريب أموالهم للخارج والظهور بمظهر المديونية الصعبة جدًّا، لا سيما وأن العجز أيا كانت نسبته سيتلاشى في النهاية بفضل الدعم الحكومي.
يريد البرنامج جدولة الدين لمدة 15 عامًا إذا كانت أصول المدين تدر عائدًا، فلو كانت هذه الأصول عبارة عن شركات ومؤسسات عاملة في السوق، وكان البنك سيستولي أولًا وأخيًرا على أي ريع من هذه المنشآت فإن هذا سيقتل الحافز الشخصي للمدين ويترك معظم المدينين شركاتهم ومؤسساتهم عرضة للإهمال، ولا يخفى أثر ذلك على قدرة البنك على التحصيل وأثره على السوق من ناحية أخرى.
يرى البعض أن البرنامج لا يعالج حالة الكفلاء بصورة عادلة، فكل أموال الكفيل عرضة للخطر بسبب التدهور في قيمة أصول المدين الأصلي، وبخاصة أعضاء مجالس إدارات الشركات المساهمة الذين كانوا يقومون عادة بكفالة القروض الممنوحة لشركاتهم.. ويرى هؤلاء أن مطالبتهم بقيمة هذه القروض يجب أن تكون بحدود نسبة مساهمتهم برأس مال الشركة.
ماذا بشأن البنوك الأجنبية التي قد لا توافق على الدخول في برنامج التسوية وتريد اتخاذ الإجراءات القانونية للحفاظ على حقوقها؟
هل يضمن البرنامج أن تكون الودائع الشخصية في البنوك الأجنبية أو الممتلكات الأخرى في الخارج ضمن الأصول التي يراد رهنها في عملية التسوية؟
-لجأ كثير من المدينين إلى تحويل أصولهم وممتلكاتهم إلى الأبناء والأقرباء عن طريق بيوع صورية وليس عن طريق الهبات بالضرورة بينما البرنامج عندما يطالب المدينين بذكر جميع التصرفات منذ 1/1/1982 يشير إلى الهبات ويغفل ذكر البيوع.
إذا طرأ تحسن في المركز المالي للمدين خلال خضوعه لمراقبة البنك الدائن فإن للبنك الحق في تمديد مدة البرنامج وهذا يشكل إحباطًا للمدين الذي سيضطر للعمل لصالح البنك سنوات إضافية.
وهذه بعض الملاحظات فقط؛ إذ إن الاستمرار في التطبيق قد يكشف المزيد منها وقد صرح بعض المدينين بأن البرنامج بدأ منذ الآن يواجه صعوبات فنية وأن المستقبل القريب سيظهر ما إذا كان البرنامج سيلقى بعض النجاح أو يكون كباقي المحاولات التي نفذت في السابق لمواجهة الأزمة الاقتصادية عمومًا.
حجر الزاوية المال العام:
وإذا تجاوزنا عن الذي سبق من ملاحظات فلا شك في أن الخطيئة الأولى والأهم في البرنامج المطبق أنه في النهاية عبارة عن ضخ لكمية طائلة من الأموال الحكومية لمواجهة خسائر المدينين.
وإذا علم أن المديونية تقدر بـ 2000 مليون دينار وأن نسبة العجز فيها كبيرة وأن حلم ارتفاع الأصول الذي يعول عليه البرنامج هو أمر غير مضمون أصبح واضحًا وعلى ضوء الضمانات الحكومية القوية للبنوك أن مئات الملايين من المال العام سوف تذهب في هذا البرنامج.
إن إباحة المال العام في غير موضعه ولمن لا يستحقونه هي حجر الزاوية في برنامج البنك المركزي لحل المديونية، وهو المال الذي تحتاجه الكويت بصورة ماسة وفي ظروف الأسعار المنخفضة لصادرات النفط وذلك لتمويل العديد من المشاريع الإنشائية والإسكانية والتنموية والبرنامج المذكور يريد إنفاقه في جيوب المدينين المرابين.
ولكي لا يفترض البعض أننا نرفض مساعدة آلاف المواطنين المدينين على حل مشاكلهم المالية فإننا نؤكد بأن البرنامج المذكور يقصد به -في الأساس- كبار المدينين ممن تتجاوز مديونياتهم ال ـ100 مليون دينار لأنهم الأكثر استفادة من البرنامج حيث إن أصولهم لن تصل أبدا إلى مستوى سداد القروض.
ولأنه لا توجد وسيلة قانونية لإنقاذ هؤلاء من توقيع العقوبات عليهم وإحالتهم للقضاء يأتي البرنامج وقد تم تفصيله لكي يتلاءم والحالة الصعبة التي وصلوا إليها.
وكما ذكر في صدر هذا المقال فإن 97٪ من المشكلة يتركز في 200 من المدينين، وهناك كثير منهم مارسوا تهريب الأموال للخارج تهربًا من سداد الديون اعتمادًا على برنامج كهذا يجعل المال العام مسؤولًا عن حل مشاكل المرابين والمغامرين بالأموال.
وفوق كل ما سبق ذكره فإن أزمة المديونية على اختلاف التفسيرات لها وكذا الحلول المقترحة من أجلها هي أزمة ناتجة من طبيعة النظام المصرفي الربوي الذي يزعم خلق الأموال من ذات الأموال والاعتماد على الفائدة الربوية كنشاط إنتاجي أساسي.
وإذا أجهد المحللون الماليون أنفسهم في التماس العلة من وراء هذه الأزمات فإنهم لن يدركوا أن ما يحصل ما هو إلا بعض من الحرب التي بشر الله بها المرابين وأنه سبحانه يمحق الربا في النهاية مهما اجتهد المرابون في جمع الأموال والاستحواذ عليها.
ولا شك أن نظامًا اقتصاديًّا يرتكز على الربا هو نظام معرض للهزات والأزمات، وإذا كان البنكيون الكويتيون قد عجلوا بهذه الأزمة بسبب التجاوزات الخطيرة في منح القروض أبان انتعاش المناخ، فإن غيرهم في دول أخرى كانوا أكثر حرصًا في إدارتهم لبنوكهم ولم يوفر ذلك عنهم الأزمات المالية ما داموا قد اتخذوا الربا تجارة وسبيلًا.