; برنامج لتحرير الدعوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان برنامج لتحرير الدعوة الإسلامية

الكاتب الدكتور عمارة نجيب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 86

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-مارس-1980

إن نجاة الدعوة الإسلامية من الخنق يحتاج إلى التحرر من مرتبات الحكومة ومناصبها.

واضح أن الدعوة الإسلامية تعاني من أمراض تهدد باختناقها، ومن أعراض تبدد جهود العاملين في ميدانها، وتحاصرهم، وتندد بهم، وتقتلهم في كثير من الأحيان من هذه الأعراض وتلك الأمراض ما هو ظاهر للعالم كله كضيق التنفس، وبلادة الأعضاء العاملة في ميدان الدعوة، وكسلهم، وتراخيهم، وبأسهم، وصراعهم مع بعضهم، ومنها ما هو ظاهر للمسلمين خاصة، من حصر برامج الدعوة وقصر حدودها وفصلها عن ميادين الحياة العملية، وتحميلها لفئة دون بقية فئات المسلمين ... إلخ.

ولمن يطلع على هذه الأمراض والأعراض، في الوقت الذي يستمع فيه للدعايات الحكومية الخاصة بتشجيع الدعوة الإسلامية، ورصد الأموال الكثيرة لها، ووقوف الحكومات العربية والإسلامية بجانبها في النشرات الرسمية، أن يظن الظنون بهذه الدعوة وبالأعضاء العاملين فيها، وله أن يشك، في وجود ظاهرة مرضية غريبة يفسرها أو تفسرها له وسائل الإعلام تفسيرًا مناقضًا للحقيقة، مغايرًا للواقع كالقول بوجود ظاهرة عشق من الدعوة والدعاة للدنيا والمادة ومظاهر المدنية الحديثة، أو القول بوجود تنافر بين الدعوة والتقدم أو بين الدعاة وفهم قوانين العصر والحضارة.

ولكن الحاذق المدقق الذي لا يهتم بما يشاع بقدر ما يهتم بالتحري والبحث، ولا يجري وراء الظنون والشكوك، بقدر ما يجري وراء الفحوص والتجارب، يرى ما يراه غيره وتتجلى له الحقائق وتتكشف وعندئذ يظهر الداء ويبقى البحث عن الدواء وعلى أي حال فالداء رغم خطورته لن يصيب الدعوة في عناصرها وذاتيتها لأن الله حافظ لها بحفظ مرجعها قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).

تشخيص الداء

ولا ريب أن تشخيص الداء هو أقل الطريق إلى العلاج، والمهتم بالدعوة الإسلامية وبظروفها الراهنة، يدرك بعد التحري والبحث والتدقيق والتمحيص، أن الداء قد أصاب المسلمين، فانعكس على دعوتهم، وأن اجتياح هذا الداء للحياة الإسلامية العملية، هو الذي يظهر خطورة المرض وشدته، وضرورة علاجه بأقصى سرعة ممكنة أي المرض- على العموم «حالة نفسية» انعكست على الحياة العضوية المادية والمعنوية للمسلمين فكان هذا الوباء الظاهر، في السلبية، والارتخاء، والانصراف عن العدو الحقيقي بالصراع الداخلي.

أسباب المرض

والأسباب متعددة يمكن إجمالها في الأمور الآتية:

أولًا: تبني الحكام للوسائل الحديثة بمضمونها المخالف للإسلام.

ثانيًا: التحكم في موارد الدعوة الإسلامية المادية والثقافية.

ثالثًا: إقامة حاجز وهمي بين الدعوة والإعلام.

وذلك كله لما صحب الطفرة الصناعية الحديثة، من قدرات تقنية أعطت للوسائل الحديثة فرصة التأثير على فكر الإنسان وسلوكه، وفرصة التقديم والتكريم، لما للجديد من لذة، لكن التقديم والتكريم والترحيب بالضيف الجديد كشف عن طبيعة هذه الوسائل، وإمكانيات استضافتها إلى ما شاء الله، دون أن يمل المضيف، بشرط أن يكون متولي أمور الضيافة المستمرة هو: السلطة والسلاطين- وقد كان- خاصة في بلاد الإسلام.

وتم هذا على حساب الدعوة الإسلامية بوسائلها التقليدية لأمور أظهرها:

1- تمثيل الوسائل الحديثة للسلطة بكل أحلامها ورغباتها وأهوائها الدنيوية دون اعتراض أو مراجعة من هذه الوسائل الإعلامية التقنية، وهذا التمثيل لا تقوم به الوسائل التقليدية للدعوة إلا نادرًا، وبعد جهد جهيد، وصراع وبذل مستميت، ووقت قد يطول.

2- جماهيرية الوسائل الحديثة، مما يسهل مهام التلقي والإلقاء، بصرف النظر عن زيادة التأثير والتأثر اللذين تتميز بهما الوسائل التقليدية، لأن الأهم لدى السلطة هو الكم لا الكيف.

3- سهولة السيطرة على الوسائل الحديثة، والتحكم في كل مضامينها، ومراقبة كل ما يصدر عنها، بعكس الدعوة بالوسائل الاتصالية الشخصية؛ كل هذا وغيره جعل الحكام يتبنون الوسائل الإعلامية الحديثة من صحافة وإذاعة مسموعة ومرئية وسينما ومسرح وغيرها، وكان الترويج من خلالها لأنواع خاصة من الكتاب والكتاب، وكذلك كان الترويج لأشخاص وأشياء تخدم اتجاه السلطة، وكان الاختيار لرجال الإعلام، ولمضمون هذه الوسائل محكومًا بنفس الأغراض.

فكانت الحال كما نرى، من لين، واستجابة وتلبية لرغبات الحكام، من جانب الوسائل الحديثة، ومقاومة، ومخاصمة، من جانب الدعوة الإسلامية الحقيقية، ودعاتها المخلصين وكانت فرصة للصنائع والعملاء، كما كانت فرصة لأعداء الإسلام والمسلمين، للتأليب على الدعوة والدعاة، وللنيل منهما، فكان الصدام، وكانت الغلبة لجبهة الباطل على جبهة الحق، ولم يجد المنافقون إلا الانضمام إلى الغالبين كما هو شأنهم دائمًا فكانت الفتاوى منهم لصالح الباطل، وكان الترويج لها ولأصحابها من جانب الوسائل الإعلامية الحديثة، وكان تقريب الحكام للمنافقين، وخلع الخلع والمناصب عليهم. لتتكون وتقوى بذلك جبهة العداء للدعوة الإسلامية الصحيحة، ودعاتها المخلصين، «وبقيت الدعوة بوسائلها القديمة، وعلى رأسها وسيلة الاتصال الشخصي التي أكد الإسلام فعاليتها، وأثبت الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته قدرتها، بتفضيلها على ما أتيح في زمانهم من تمثيل مسرحي، يدعي بعض الجهلة أفضليته على هذه الوسيلة التي اختارها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته، ثم أكد فعاليتها المحدثون من علماء الاتصال»، بقيت الدعوة بوسيلة رسول الله تواجه الحرب المعلنة ضدها من جبهة الإعلام بالوسائل الحديثة، ومن جبهة الحكام الذين تألبوا عليها بفعل أعداء الإسلام وبدس الصنائع والعملاء، ومن قوى المنافقين الذين اختاروا الميل مع الهوى والقوة الباطلة.

بقت الدعوة مع كل هذا تؤرق بتأثيرها وفعاليتها الجبهة المتحدة الأخرى من الإعلام والحكام والمنافقين فكان البحث وكان التحري عن سر هذه القوة المؤثرة وعن سبب هذه الفعالية المستمرة للدعوة بوسائلها النمطية القديمة، حتى تنبه حكام السوء إلى خطر الاتصال الشخصي الذي هو وسيلة الدعوة الإسلامية، وما يترتب عليه من تقويض لنتائج حملاتهم ضد الدعوة والدعاة، فاصطنعوا حيلة الشيطان لدس السم في هذا الغذاء المؤثر، فكان الاستيلاء على الأوقاف وغيرها من أسباب تحرر الدعوة، واستبدالها بالمرتبات والمخصصات الحكومية، وليوجد سبب جديد لزيادة المرض.

السبب الثاني

وكان التحكم في المرتبات ومخصصات الحكومة للدعوة، ضمانًا لتنفيذ القيود التي تفرضها جبهة العطاء والمنح، وأصبح المنح والمنع مرهونين بالولاء وعدم الولاء، وخضعت الترقيات والمناصب لجبهة العطاء، كما خضعت الألسن لأوامر وتوجيهات السلطة وقد نجح هذا العمل على يد كمال أتاتورك فاستطاع به أن يضمن وأن يحصل على الفتاوى والتشريعات التي أتاحت له ضرب كل ما هو إسلامي في تركيا، وفي دولة الخلافة على العموم.

وكذلك فعلت جميع النظم الاشتراكية، وفعلها عبد الناصر ضد الأزهر ومؤسساته، فخفت صوت الأزهر إلا عند تأييده، واطمأن الحكام إلى ولاء الخائفين على سمعتهم من الإعلام المتربص، والخائفين على حياتهم من المنافقين ودسهم، والخائفين على مرتباتهم ومناصبهم حتى أصبح الطريق ممهدًا لتعليم الولاء ذاته من خلال مؤسسات الدولة فكان السبب الثالث من أسباب مرض الدعوة.

السبب الثالث

نظام التعليم الذي وضعه القس الإنجليزي «دنلوب» أفضل الأنظمة التي تعلم وتدرب على الولاء والإخلاص للجاهلية وللحضارة المادية الغازية، وهو ما يؤدي إلى مناوأة الدعوة الإسلامية، ومحاربتها، باعتبارها ضد التقدم والحضارة كما يدعي هذا النظام التبشيري، ولعلنا لم ننس «قاسم أمين» و«طه حسين» و«علي عبد الرازق» وغيرهم ممن تغذوا بلبان العداء للدعوة الإسلامية بعد انبعاثهم إلى أوروبا، وقد تبنت الحكومات في البلاد الإسلامية هذا النظام بعد الثورات والانقلابات التي ادعت الإصلاح، فلم تصلح من نظام التعليم غير إضافة الولاء للنظم الاشتراكية الجديدة وزيادة العداء للدعوة الإسلامية، ومن خلال هذا النظام التعليمي تم الإيهام بضرورة فصل الدين عن الدولة، كما تم في الواقع إقامة الحاجز الوهمي بين الدعوة والإعلام، حتى أصبح رجل الدعوة عملة رديئة، ورجل الإعلام عملة جيدة وصعبة، لأن الأول يدعو إلى طاعة الله، والثاني يدعو إلى طاعة الحكام والولاء لهم مهما كانت أخطاؤهم.

الدواء

وما دام الداء قد عرف، وما دامت أسبابه قد اتضحت، فإن الدواء يبدأ بإزالة أسباب الداء أو بالعمل على إزالتها.

وإذا كان التغيير التام للنظم ليس واردًا الآن، فإن نجاة الدعوة الإسلامية من الملاحقة والخنق يحتاج إلى التحرر من مرتبات الحكومات ومناصبها وترقياتها، كما يحتاج إلى التحرر من سلطة الإعلام والتعليم والمخالفين للإسلام، مما يتطلب تحضير الدواء على النحو التالي:

1- قيام هيئة تأسيسية من المتطوعين لخدمة الدعوة سواء كان التطوع بالعمل والمال معًا أو بأحدهما بتبني عملية إنشاء نقابة أو مؤسسة حرة، تسهر على الدعوة في العالم، وتهتم بأمور الدعاة.

2- تطبيق هذه الهيئة ومن بعدها النقابة أو المؤسسة لنظام الإسلام في تجارة التجار، وفي صناعة الصناع منهم، وفي جميع أعمال العاملين معه على العموم ليكونوا قدوة عملية لغيرهم، وليجد رأس المال المستثمر لديهم فرصة النمو التي يضمنها نظام الإسلام.

3- تقوم هذه الهيئة بإنشاء وتمويل مشروعات استثمارية باسم الدعوة ولحسابها، حتى توجد لكل متخصص في كل ميدان فرصة العمل، وإثبات إمكانيات نجاح اللقاء بين الدعوة وجميع التخصصات العلمية المشروعة.

ولا ريب في ضرورة إحسان اختيار العاملين في كل موقع تابع لاستثمارات الهيئة أو النقابة حتى يضرب المثل من نفسه فكرًا وسلوكًا.

4- أن يكون من بين المشروعات الاستثمارية إنشاء المدارس الأهلية الإسلامية، والإشراف على بعض المدارس الأخرى حسب استعداد أصحابها، على أن يوجد البرنامج الإسلامي الشامل، بحيث تلتقي أهداف جميع مواد الدراسة مع أهداف الدعوة الإسلامية، وبحيث تلتقي جميع نظم وقواعد الدراسة والالتحاق بالمدرسة مع نظام الإسلام الشامل لجميع جوانب الحياة البشرية المادية والمعنوية، على أن ينتهي هذا إلى إنشاء جامعة أهلية إسلامية حرة في إدارتها وميزانيتها، وبرامجها.

5- تعطي الهيئة ومن بعدها النقابة أو المؤسسة فرصة للتبرعات المخلصة والاشتراكات والمساهمات الاستثمارية حسب نظام الإسلام الاقتصادي، حتى يتم إنجاز عدد من المشروعات التي تخدم الدعوة نظريًّا وعمليًّا.

6- توضع خطة لمد هذه المشروعات عبر الدول الإسلامية الراغبة في مثل هذه المساهمات على أن تقدم الضمانات الكافية والمعلنة بعدم الغدر بهذه المشروعات ولا بأصحابها ولا بالعاملين فيها.

7- يوضع في الاعتبار غضب الحكومة المضيفة للمشروع، أو استجابتها لغضب حكومة أخرى، وذلك بالاستعداد للتنقل، والتصرف في الممتلكات الموجودة وبفضل دراسة هذه النقطة على ضوء استخدام المباني الجاهزة والخيام وغيرها مما يسهل نقله ونقل تكلفته.

8- ينظر إلى احتياجات كل منطقة فيوضح لها من المنشآت ما يناسبها على أن تكون البداية تجربة متواضعة، تخضع للنمو والتطور، كما تخضع للتصفية والانتقال إذا طلب إليها ذلك.

9- التفكير في إنشاء صحف ومحاولة جمع شمل الصحف والمجلات الإسلامية الموجودة بحيث تصدر في شكل مشرف يقبل عليه القراء، مما يدعو إلى التفكير في تعاون مثمر.

10- تستصدر الهيئة سماحًا من دولة إسلامية للسماح بالعمل الإسلامي الاستثماري والتدريبي على الدعوة التطبيقية، على أن يتضمن هذا السماح قانونًا بجوار تنقل الأعضاء والهيئات والأجهزة عبر مدنها وقراها وحدودها الدولية مع الدول الأخرى التي تقبل بمد المشروع إليها.

11- نشر قرار إنشاء الهيئة في الجرائد الرسمية على أن ينص على حريتها الكاملة في اختيار النظام الاقتصادي والتعليمي والإعلامي في ضوء الإسلام، ويطرح كل مشروع تنشئه الهيئة لخدمة الدعوة في مناقشة علنية أو منشورة، لمساهمة كل مسلم في إنجاح المشروع بالمعونة المادية والمعنوية.

12- يطرح هذا الاقتراح بجملته للمناقشة وإبداء الرأي حتى يتبلور بشكل علمي قابل للإنجاز في إطار الأهداف الأساسية التالية:

أولًا: تحقيق التحرر الاقتصادي للدعوة الإسلامية ودعاتها بحيث لا تحكم السلطات ولا غيرها في حياة الدعاة والعاملين في مشروعات الدعوة، أو توجيههم إلى غير الاتجاه الإسلامي.

ثانيًا: مراعاة توجيه هذا التحرر لخدمة الدعوة الإسلامية وعمليًّا بحيث تظهر الآثار السريعة في أنشطة ومشروعات إنتاجية مثمرة وفعالة في ميدان الدعوة النظرية والعملية.

ثالثًا: رفض اتجاه الزهد والجمود، والتواكل، مهما كانت التبريرات بمعنى أنه يجب أن يكون مدرس مدرسة المشروع الإسلامي أعلى مرتبًا من زملائه في المدارس الأخرى، وأن يكون أنشط منه، وأكثر حركة، ودأبًا وكذلك غيره من العاملين في مشروعات الدعوة إلا أن يتطوع.

رابعًا: مراعاة التحرر من كل الأفكار المستوردة في ميادين التعليم والإعلام والإدارة، والعلوم، إلا التي أقرها أو يقرها الشرع الإسلامي.

خامسًا: العمل على تحقيق هدف، وهو بناء الإنسان الحر الراشد فكرًا وسلوكًا في كل ميادين الحياة.

سادسًا: يوضع في الاعتبار تاريخ الأزهر ومواقفه، أثناء حريته في ميزانيته، وفي اختيار شيخه، مقارنًا بتاريخ الأزهر الحديث ومواقفه بعد التحكم في ميزانيته والتحكم في اختيار شيخه.

وبالله التوفيق والسداد

د/ عمارة نجيب

الرابط المختصر :