; بروز الحركات القومية وسط حضارات جامعة كالحضارة الإسلامية. | مجلة المجتمع

العنوان بروز الحركات القومية وسط حضارات جامعة كالحضارة الإسلامية.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

مشاهدات 63

نشر في العدد 120

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

انشقاق همجي عن روح الحضارة. وكما لا تلد الطفرات غير الطبيعية إلا طفرات مضادة اندفاعية، هكذا تحولت أرض خراسان منذ أن ابتدع فيها سنة الانفصال عن العباسيين بنو طاهر، ولئن كان بنو طاهر قد أفلتوا من العقاب المضاد، لأنهم لم يكونوا حركة ثورية عنيفة، وإنما كانت انفصالًا هادئًا في حدود السلطة الرسمية المشروعة سلطة الخلافة العباسية الأم لئن كان هذا قد تم لهم فإن الأمور قد استفحلت من بعدهم وأصبح الشذوذ هو القاعدة وانقلبت الأرض الخراسانية إلى أرض للثورات المذهبية والجنسية، ولعل هذا كان من أكبر عوامل القضاء على الدور التاريخي الذي كان يمكن أن يلعبه العنصر الخراساني في صنع الحضارة الإسلامية الإنسانية. فحيثما حل العنف واللا مشروعية وانساقت الجماهير دون تعقل خلف رايات متعددة، وخلف كلمات مبهمة فقدت بالتالي قدرتها على الرؤية وقدرتها على العطاء الحضاري وأصبحت لعبة في يد كل ناعق سواء كان ذا صوت طبيعي أو مصطنع. وهكذا شرب الطاهريون الانفصاليون من نفس الكأس التي أذاقوها العباسيين، فقام الصفاريون عليهم، واستولوا على حكم خراسان سنة (٢٦١ه‍) بقيادة يعقوب بن الليث الصفاري. وكان بنو سامان الذين يرجع نسبهم إلى سامان أحد نبلاء بلخ قد نشأوا عمالًا مسلمين لبنى طاهر ثم لم يلبثوا أن استأثروا بفارس وما وراء النهر من (٨٧٤) إلى سنة (٩٩٩م) وكان ذلك على أشلاء الانقلابيين الانفصاليين: الطاهربين الصفاريين وكان مؤسس دولتهم الأول هو نصر بن أحمد، إلا أن موطد الدولة هو إسماعيل الذي قدر له أن يهزم يعقوب بن الليث الزعيم الصفاري وأن يصيبه بجروح قاتلة. وفي عهد ملكهم نصر الثاني بن أحمد «9١٣-٩٤٣» وهو الرابع من ملوكهم وسعوا ملكهم إلى أعظم حدود وصلوا إليها فاستولوا على سجستان وكرمان وجرجان وما وراء النهر وخراسان وتمتعوا بسلطة مستقلة، وإن كانوا لم يقطعوا الصلة الرسمية الاسمية بالخليفة العباسي في بغداد. وقد قدمت هذه الدولة بعض مظاهر التقدم العلمي والأدبي سواء من ناحية اللغة أو الأدب شعرًا ونثرًا وكانت النهضة الفارسية فيها أبرز من النهضة العربية من ناحية فكرها وطابعها العام باعتبارها دولة فارسية، ففيها ظهر الرازي الشهير، وقدم كتابه المنصوري في الطب إلى أحد ملوكها وكان ابن سينا أحد المترددين على مكتبات بخارى عاصمة الدولة ووضع الفردوسي أشعاره بالفارسية لإمرائها. على أن أسلوب الطفرات غير الطبيعية التي لا بد لها أن تلد طفرات مضادة انفعالية، لم يلبث أن ظهر كقانون حضاري لا بد له من أن يؤدي دوره مع الدولة السامانية، كما أداه مع الطاهرين ومع الصفاريين، ومع الطولونيين والإخشيد فلم تنج الدولة بالتالي من عناصر التهديم والفوضى التي قضت على سواها من الحركات الانقلابية في ذلك العصر. وبالإضافة إلى المشاكل الخارجية التي كانت تسببها الخلافة للدولة كلما أتيح لها ذلك، وفضلًا عن سرعة توالي الأمراء على الحكم بتأثير الصراع الداخلي بين الأسرة الحاكمة، وبتأثير مطامع الكبراء العسكريين الذين يظنون أنفسهم أولى بالحكم، لأنه لا يوجد من يفوقهم في حكم البلاد فكلهم أصحاب حق في غُنْم الانقلاب الانفصالي. بالإضافة إلى هذا وذاك ظهر خطر جديد يهدد كيان السامانيين ويُؤذِنُ بأفول شمسهم، ولقد بدا أنهم يكادون يشربون من نفس ما أذاقوه للخلافة تمامًا كما شرب غيرهم من الانفصاليين. وقد ظهرت القبائل التركية البدوية وارتفع نجمها في الدولة، وسيطرت على الشئون الداخلية للدولة، وتحولت القوة تدريجيًّا من أيدي السامانيين إلى أيدي الأتراك الموالي وحتى قصورهم كان الأتراك يتمتعون بنفوذ كبير فيها. وقد نجح الغزنويون الذين كانوا من الموالي الأتراك في انتزاع الجنوب، كما وقعت المنطقة الشمالية من نهر جيحون في أيدي خانات ترکستان «الايلاق» الذين قدر لهم أن يستولوا على عاصمة السامانيين «بخارى». ثم لم يلبثوا بعد تسع سنوات أن يلتهموا الدولة السامانية. ولم تكن الدولة السامانية أكثر من حركة قومية غرقت في إحياء تراثها الخاص، كما أنها لم تكن أكثر من حركة انقلابية قامت بأسلوب الطفرة غير الطبيعية وانتهت كذلك بأسلوب الطفرة غير الطبيعية سنة (۳۰٨ه‍) بعد أن عاشت في ظل حماية «وضعف الخلافة» قرنًا من الزمان.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 496

127

الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

عرض كتاب بين العقيدة والقيادة