; بريطانيا.. التعددية السياسية لا تكتمل إلا بوجود حزب إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان بريطانيا.. التعددية السياسية لا تكتمل إلا بوجود حزب إسلامي

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 936

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

 

في الثالث عشر من سبتمبر المنصرم، وافقت سلطات البرلمان البريطاني على تأسيس حزب سياسي إسلامي ليصبح ناطقًا ومعبرًا عن التوجه السياسي لـ مليون ونصف مليون بريطاني مسلم، وهو حدث قد لا يبدو غريبًا في إطار التعددية السياسية السائدة وفي بلد هو أعرق بلدان الديمقراطية الليبرالية، غير أن الغرابة تظل شاخصة إذا ما أجرينا المقارنة مع النهج الأعم في البلدان الإسلامية؛ فبريطانيا التي لا تتجاوز نسبة المسلمين فيها 2.5% تقدر ضرورة إنشاء حزب سياسي إسلامي، في حين أن الدول الإسلامية تأبى -في أكثرها- السماح للمسلمين بمثل ذلك الامتياز.

والغرابة تظل قائمة حينما تتسع علمانية النظام السياسي في بريطانيا بقبول تشكيل يمازج بين الدين والسياسة وبصيغة شمولية. ناهيك عن التوجه المجتمعي ثقافة وتاريخًا للشعوب البريطانية تجاه الإسلام ومؤسساته. وبالرغم من ذلك، برزت دستورية البرلمان التعددية لتفسح المجال لعضوية سياسية تحمل نواة متميزة ومتفردة في آن واحد من جذريات التركيبة السياسية البريطانية. وبالطبع يجسد هذا الموقف عملية النظم الغربية بالرغم من تبنيها لفلسفة علمانية مغايرة جذريًا عن التوجه الإسلامي في مقابل عجز الساحة السياسية ذات النهج التعددي في سماحتها مع الأحزاب الإسلامية. ويبقى أن الحزب في بريطانيا أمر هام وصعب، وتبقى مهامه مهام فوق العادة. فهل العناصر البيئية تساعد على إنضاج ذلك؟ ربما!

حزب وحزبيون

هناك أسباب عديدة دفعت بالمسلمين البريطانيين إلى السعي لتكوين حزب سياسي، وربما آخرها مواجهة التناقض بين توجهات المسلمين وسلوك حزب العمال الذي يحظى بتبني مطالب المسلمين؛ فالمسلمون بثقلهم السكاني المكثف في بعض المناطق البريطانية يستطيعون إيصال عدة نواب مسلمين إلى البرلمان مما يتيح للصوت الإسلامي حضورًا محققًا يتمكن معه من إبراز القضايا الإسلامية بالشكل الذي يتواءم والتركيبة الاجتماعية البريطانية. فالمسلمون يتمركزون في مناطق بيرمنغهام وبرادفورد ومانشستر ووست يوركشاير ولندن وغلاسكو، وغيرها.

وتتوقع الأوساط الانتخابية البريطانية أن يكون الحضور البرلماني للمسلمين في هذه المناطق مؤثرًا للغاية مما يترتب عليه خسارة فادحة لحزب العمال، وينسحب ذات التوقع على الانتخابات للمجالس المحلية في أكثر تلك المدن والمناطق. بالإضافة إلى أن المسلمين لهم بعض الوجود في مراكز مؤثرة، كما أن اللورد عادل هامیلتون يعد عضوًا بارزًا في مجلس اللوردات، وسبق للسيد محمد عجيب أحد مرشحي الحزب أن تبوأ منصب عمدة برادفورد لدورات سابقة.

وعلى العموم، فقد سجل كشف العضوية في الفترة الماضية 9000 عضو، وتتطلع قيادة الحزب إلى ارتفاع مؤشر العضوية ليبلغ ربع مليون في غضون الخمس سنوات القادمة. ويرأس الحزب الإسلامي داود موسى بيد كوك الذي اتخذ الإسلام دينًا منذ عدة سنوات، ويضم الحزب جمهرة مرموقة من ذوي الثقافة الرفيعة والشخصيات المرموقة، ويغلب على القيادة عنصر المسلمين البريطانيين الأصل -أي غير المهاجرين- بالإضافة لبعض المسلمين ذوي الأصول الأوروبية -كصاحب مستقيم بلهير ذي الأصول الألمانية-. ومن قيادات الحزب ومؤسسيه يوسف إسلام - كات إستيفنز المغني المشهور سابقًا، وعبد الرحيم غرين، ومحمد عجيب عمدة برادفورد السابق، وغيرهم.

ويداعب كثير من المسلمين الفأل بأن يحتل حزبهم المركز الثاني بين الأحزاب البريطانية وهو على ما يبدو منطلقًا تحفيزيًا أكثر منه توقعًا موضوعيًا؛ إذ إن البنية السياسية في بريطانيا ودول الديمقراطية التقليدية عصية التحول. غير أن الحزب الإسلامي مهيأ لأداء دور سياسي رائد إذا ما استطاع توحيد الوجهة السياسية للمسلمين البريطانيين واستوعب الجمعيات الإسلامية العديدة التي تضم مئات الآلاف، ولعل هذا ما يمثل التحدي الأولي أمام قيادة الحزب.

مهام وأهداف

في عالم السياسة لا تعدو مهام الحزب أطر البرنامج العام المعبر عن وجهة النظر السياسية، ومهما امتدت بالحزب أنشطته الأخرى فإنها تبقى محدودة، وربما لا تختلف تلك المهام من حزب لآخر إلا في قضايا تفصيلية، غير أن قيام حزب سياسي إسلامي في بريطانيا يعني أكثر من ذلك.

فالمسلمون هناك يعيشون مرحلة التكيف المجتمعي وسط أنماط حياتية تصطدم مباشرة مع كثير من قناعاتهم وهو ما يوحي بإحساس الاغتراب داخل المجتمع. فالحياة الغربية صيغت وفق فلسفة تؤمن بالفردية المطلقة وتجعل هدفها الرئيسي هو تحقيق أكبر قدر من اللذة، وفي إطار تلك المفاهيم يندرج سلوك المجتمع الغربي وما نظرية الغرب في تقديس العمل وإتقانه إلا لتحقيق الهدف المتناسق معه وهو شخصانية اللذة.

وبالطبع، إن محددات تلك الفلسفة لا تتواءم والشخصية الإسلامية، والمفاهيم والسلوك المنبثقة عنها؛ ولذا فإن الحزب يجد نفسه يحمل مهام تغييرية جذرية وإن لم يفصح عنها تصريحًا فإنها تبقى نتائج ماثلة ومعبرة عن العقيدة الإسلامية، ولهذا فالحزب يعد إطارًا مرجعيًا لسلوك المسلم السياسي، وهو بهذا التحديد يمكن أن يصنف دورًا معرفيًا يقدمه الحزب للمجتمع البريطاني.

أما في إطار الخصوصية الإشكالية للمسلمين، فإن الحزب يتطلع إلى الدور التجميع السياسي للمسلمين البريطانيين حتى يكافح كم المظالم التي لحقت بهم عبر عهود الشتات الماضية؛ فالمسلمون يعانون من تمايز الهوية ويعاملون خارج المنظومة المجتمعية. فمشكلة التعليم "في إطار الهوية" مثلًا لا تجد المؤسسات البريطانية لها عنوانًا محددًا تصنف تحته، فالتعليم البريطاني مثله مثل غيره في المفاهيم التي سادت في أعقاب الثورة الفرنسية يرفض التعبد التوحيدي لله ويصطدم مباشرة بجمهرة العقائد والتصورات الإسلامية، وما ينطبق على التعليم ينسحب على السلوك الاجتماعي والحرية غير المحدودة للفتيات وينسحب أيضًا على قضايا التزاوج والطلاق والإرث وما إلى ذلك. فلا بد أن يحمل الحزب كل تلك المهام وينطلق ليعبر عنها في قاعة البرلمان والمؤسسات الدستورية البريطانية. ولن يُكتب له كسب توفيقي ما لم ينتصر على دوائر التشرذم داخل التجمعات المنظمة للمسلمين في بريطانيا.

تجربة ورجاء

إن تجربة العمل السياسي في بلدان الشرق الإسلامية مع اختلاف أنظمتها تكاد تتطبع بسلوكيات متشابهة، كما أن تلك التجارب بلا استثناء تحاورت مع التجربة السياسية الغربية وخرجت من الحوار بنتائج متباينة، وفي أكثرها تمت عمليات جراحية تساير الأنظمة الغربية، كما أغرق بعضها في التبعية والاستلاب ليلبس الصيغة الغربية دونما تحرج مما تمثله من غرابة وشذوذ.

فلهذا، فإن الدول التي انساقت وراء العلمانية الغربية وتبنت نهجًا سياسيًا تعدديًا رفضت التجاوب مع تأسيس أحزاب إسلامية، هذا في الوقت الذي سمحت فيه دول الغرب الأوروبي بالأحزاب المسيحية؛ ولهذا فإن تجربة العمل السياسي المنقولة في مجتمع متباين المشرب لم تكن تجربة ناجحة، كما أن درجة النضج فيها تبقى منقوصة طالما أن البيئة الاجتماعية لم تفرز التعددية السياسية كتطور مجتمعي فرضته مرحلية العمل السياسي.

أما وقد نشأ الحزب الإسلامي في مجتمع صاغ الفلسفة الديمقراطية كمتطلب ذاتي، فإن التجربة الحزبية الإسلامية ربما تجد بيئتها السياسية، غير أن الإشكالية تنقلب هنا فالمجتمع الذي تجري فيه التجربة قد سبقت صياغته وفق فلسفة مغايرة للنهج الإسلامي، وهنا تأتي قضية التكييف العقدي؛ فالحزب الإسلامي لا بد أن ينهج بصورة تتحمل أعباء الدعوة بحثًا عن التوافق مع المجتمع وفي ذات الوقت يرتقي بالسلوك السياسي لتقديم تجربة سياسية جامعة توحد التجمعات الإسلامية المختلفة تحت منطلقات لا يختلف عليها كثيرًا.

فهل تصل جهود الحزب إلى صياغة التجربة بهدفيها الدعوي والسياسي؟ الاحتمال قائم، إلا أنه من المؤكد أن قيام الحزب سيضع كثيرًا من الإشكالات المؤرقة للمسلمين البريطانيين في محك الحلول الدستورية.

 

 

 

الرابط المختصر :