العنوان بريطانيا لا تزال في خدمة الصهيونية
الكاتب عبدالله خليل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 50
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
• لتعوض بريطانيا شعب فلسطين كما عوضت ألمانيا اليهود
• قانونهم يقول: كل ألماني مجرم حتى تثبت براءته
• حتى يستيقظ الضمير البريطاني على المآسي التي سببها الإنجليز لشعب فلسطين وشعوب المنطقة
لا يجهل أحد دور بريطانيا في صنع مأساة فلسطين وشعبها.. فالإمبراطورية البريطانيا هي المسئولة الأولى عن هذه الجريمة.. وهي الأم غير الشرعية للقيط الصهيوني الذي طرحته في أرض فلسطين ورعته -أيام مجدها وجبروتها- حتى ترعرع وصار له عصابات مسلحة، وتركته كيانًا مسخًا مشوهًا يحمل كل الصفات الوراثية السيئة للحقد الاستعماري والأفكار الاستعمارية التوسعية والعدوانية والاستغلالية.. ووسائلها في التآمر والدس والكيد والتفريق ونشر التخلف والفساد بمختلف الأنواع والوسائل وعلى كافة المستويات.. يخلط ذلك كله بموروثات الصهيونية العفنة الحاقدة وطبائع اليهود الحقيرة المدمرة.
ولقد عبر الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان عن تحالف الاستعمار البريطاني القمعي مع الأحقاد الصهيونية المتآمرة خلال فترة الاحتلال الإنجليزي وتمهيده للكيان اليهودي تنفيذًا لوعد بلفور.. قال إبراهيم طوقان رحمه الله:
لنا خصمان: ذو حول وطول وآخر ذو احتيال واقتناص
تواصلو بينهم فأتى وبالًا وإذلالًا لنا ذاك التواصي
ومعلوم أيضًا أن الولايات المتحدة ورثت بريطانيا في رعاية ودعم الكيان اليهودي «اللقيط»، وإذا كانت بريطانيا مسئولة عن ولادته وتربيته على الشر.. فإن أمريكا مسئولة عن جعله محور الشر والعدوان والمشاكل في المنطقة.. فبفضلها أصبح مدججًا بالسلاح والنفوذ.. وصار كيانًا يهدد من حوله بل يتعدى شره للعالم وما دوره -الذي كشف صدفة- في جرائم المخدرات والقتل والسلاح في كولومبيا وغيرها إلا عينة من شروره المصدرة لكثير من دول العالم.. والتي تعني المزيد من الفساد والشقاق والتدمير وإسالة أنهار الدماء.
بل لقد أصبحت دولة اليهود بفضل الرعاية الأمريكية في الدرجة الأولى وبمساعدة «الإجرام الدولى» لها ماديًّا ومعنويًّا وخصوصًا أوربا.. أصبحت تهددة بصواريخها حاملة الرءوس النووية حتى عمق الاتحاد السوفيتي كإشارة أنه لن يستعصي عليها تدمير أية عاصمة عربية من المحيط إلى الخليج.. وأصبح لها أنياب ذرية، وقدمت عينات «عملية» عن «طول ذراعها الإجرامي» في عمليات عدة كضرب المفاعل العراقي وضرب مقر منظمة التحرير الفلسطينية بتونس وقتل خليل الوزير بتونس أيضًا... إلخ.
وهذا كله وغيره تحت سمع العالم وبصره وبدون حياء أو وجل.. وبدعم مطلق من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وغفلة من الخصوم قاتلة، وعجز مقعد، ولا مبالاة مهلكة!
ولقد كانت براعة يهودية واستعمارية معًا للمحافظة على تخلف المنطقة العربية الإسلامية وتفرقها أن تغير الصهيونية مطيتها «الأساسية» من بريطانيا بعد زوال مجدها وبدء عجزها وحتى «تخلفها» نسبيًّا.. إلى أمريكا زعيمة ما يسمى «بالعالم الحر».. ووارثة الاستعمار القديم في مناطق نفوذه وبأساليب جديدة.
لقد ظن الكثيرون أن دور بريطانيا «الصهيوني» قد انتهى وزال.. وكنا ننتظر أن يستيقظ الضمير البريطاني على صرخات أطفال فلسطين وأمهاتهم الثكالى وعلى صوت تكسير العظام وهدم المنازل وحصد الشعب الأعزل بالسلاح الغربي والدبابات الأمريكية.. كما كنا نتوقع أن تكون هناك جهود لإيقاظ الضمير البريطاني وتحميله وزر ما حصل للفلسطينيين من مآس مروعة وتشريد ومذابح ومصائب سببها الأساسي بريطانيا نفسها.
وكان يجب أن نستغل هذه الأوضاع بشكل مشابه لاستغلال اليهود المذابح النازية، حيث استدروا -ولا يزالون- عطف أوربا وأمريكا وابتزوها أيما ابتزاز ولا يزالون كذلك.
وكان من الواجب أن تقوم بريطانيا «الديمقراطية وصديقة العرب» بدور فعال في معالجة المأساة الفلسطينية جذريًّا والتعويض عن جرائمها «بريطانيا» ضد الإنسانية بصناعتها هذه المأساة وتسببها في معظم أو كل ما ترتب عليها من آلام ومصائب.
لقد ارتفعت بعض الأصوات البريطانية بعد أن شاهدت جرائم اليهود ضد الانتفاضة والشعب الأعزل.. فاحتج بعض المسئولين والأفراد.. لكنهم ما لبثوا أن أخرسوا وضاعت أصواتهم في زحام التأييد الأعمى للصهيونية.. والتعصب الأعمى ضد العرب والمسلمين.
لكن يبدو أن دور بريطانيا في خدمة الصهيونية لم ينته بعد.. لقد استقبلت بريطانيا في السابق عدة «مجرمي حرب» من اليهود مثل بيغن وشامير وابن غوريون وغيرهم.. وكان أكثرهم -مطلوبًا للعدالة- حتى من بريطانيا نفسها.. وبدلًا من أن تحاكمهم كمجرمي حرب -كما حاكموا هم إيخمان وغيره- استقبلتهم استقبال الفاتحين.
بل إن بريطانيا -وإثباتًا لولائها للصهيونية- حتى ولو على حساب الشعوب الأوربية «المسيحية والبيضاء والديمقراطية!» سنت قانونًا عجيبًا أقل ما يقال عنه: إنه همجي وعنصري وغير إنساني بالمرة».
فخلال الصيف أصدرت الحكومة البرطانية قانونًا يقضي بمتابعة الألمان المقيمين على أرض بريطانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتقديمهم إلى المحاكمة بتهمة تعذيب اليهود، «وقتلهم جماعيًّا» في مذابح مثل مذبحتي أشوتز وداخاو أو غيرهما.. أو محاكمتهم -أي الألمان- بأي تهمة أخرى سببت أذى أو ألمًا لليهود في المناطق التي سيطر عليها النازيون خلال توسعهم في الأقاليم الأوربية خلال الحرب العالمية الثانية.
العجيب أن هذا القانون «العجيب» لم تشر إليه الصحافة العربية -فيما أعلم- إلا في مقال للدكتور علي سعود عطية في الأنباء بتاريخ 4/ 9/ 1989.
والغريب كذلك أن بعض الدول الأكثر ديمقراطية وتحضرًا -على حد زعمهم- كالولايات المتحدة وكندا وأستراليا قد أيدت هذا القانون الجائر بدلًا من أن تحتج عليه وتعترض.. مما يعني أنها توافق على أن تمتد أذرع هذا القانون «الإجرامي الصهيوني» لتطال الألمان على أراضي تلك الدول.. أو أنها -أي تلك الدول- تتجه لإصدار قوانين «قرقوشية» مشابهة!
إن هذا القانون البريطاني «الذي أصدر بضغط ووحي صهيوني ولا شك» يذكرنا بالسيئ الذكر مكارثي وإجراءاته الإرهابية.. وأن كل «ألماني» -هنا- مجرم حتى تثبت براءته! كما يذكرنا بقانون أصدرته إحدى النظم القمعية الحزبية يجرم كل من يعتنق فكرًا معينًا ويحكم مباشرة بالإعدام كل من ينتمي إلى جماعة معارضة معينة!
إن الذين سيعاقبهم ذلك القانون «البريطاني المتوحش» من الألمان الذين يعيشون في بريطانيا منذ نحو خمسين عامًا؛ أي أنهم جميعًا عجائز ناهزوا السبعين ومنهم من تجاوزها بكثير حتى أصبح لا يعي شيئًا وقد لا يبصر أو يسمع ولا يعرف طريقه إلا أن يقوده كلبه إليها.
ثم إن أكثرهم كان قد جاء إلى بريطانيا طلبًا لرزق أو فرار من خراب ألمانيا خلال الحرب وضيق الحياة واضطهاد النازية وبعضهم معتقلون سابقون خلال الحرب، أنهوا مدة محكوميتهم وأفرج عنهم.
فأية إنسانية أو عدل أو منطق في محاكمة هؤلاء الشيوخ الفانين، واتهامهم عشوائيًّا، وعقابهم جماعيًّا... ومن في مثل سنهم أولى بالتسامح والرعاية حتى ولو سبقت منهم أية جناية؟!
إن مثل هذا القانون له عدة دلالات:
1- قوة السيطرة الصهيونية على بريطانيا والدول الاستعمارية وتغلغلها في صنع القرار.
ولذا لا يرجى من أمثال هؤلاء أي خير لقضايانا.
2- العمى السياسي أمام المطامع والمصالح الصهيونية.
3- محاولة الصهيونية وبريطانيا افتعال «فرقعات» تثير الغبار والضجيج لتصرف أنظار الناس عن جرائم اليهود ضد الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت تعري حقيقتهم البشعة.
4- لا بد من وعي عربي لهذه المعطيات.. للقيام بالردود المناسبة المدروسة وملاحقة المكائد الصهيونية في أوكارها ومواجهتها في عقر دارها، واستعمال الإمكانات المتاحة -وما أكثرها- لو شئنا لإحداث ضغط مقابل لا يترك مجالًا لمثل هذا العبث الصهيوني أن يأخذ مداه، وليحسب الآخرون حسابات أخرى وهم يفكرون في الرضوخ للضغوط الصهيونية.
5- تكثيف الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية لتوضيح وتأكيد دور بريطانيا المباشر في مأساة الشعب الفلسطيني ومشاكل المنطقة.. وإلزام بريطانيا أدبيًّا وعمليًّا بالتكفير عن خطاياها وتعويض ما تسببت فيه من دمار وخسائر ودماء ومذابح.. ويتضامن معها في ذلك شركاؤها في السوق الأوربية وحلفاؤها في الأطلنطي.
وكما عوضوا اليهود عن جرائم النازية المزعومة «وأكثرها كذب وافتراء وتزوير وتهويل مقصود» فليعوضوا شعب فلسطين عن بعض ما قاسى خلال العقود الماضية.
وكما نصروا اليهود -وهم ضحايا غيرهم- فلينصروا الفلسطينيين وهم ضحاياهم المباشرة...
6- لا بد من توعية الشعب الألماني بما يراد به وبرجاله وكباره ليدركهم وينقذهم ويقف موقفًا عزيزًا في وجه الصهيونية وأنصاره -إن استطاع- وهو المكبل حتى الآن بقوات الاحتلال وقواعدها.