العنوان بر الوالدين.. وحياتي الزوجية
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013
مشاهدات 67
نشر في العدد 2043
نشر في الصفحة 60
السبت 09-مارس-2013
أستاذي الكريم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. تحية تقدير إلى مجلتكم الغراء على ما تتحفنا به من بوتقة معرفية قيمة في مجالات متعددة، وبعد.. أكتب لكم وقد أعيتني السبل واحترت في أمري.
أستاذي، أنا في صراع مرير منذ ثلاث سنوات مع أحب وأقرب الناس إلى قلبي مع والدي وحتى لا أضيع وقتك، نشأت في أسرة طيبة يبذل الوالد جل جهده لتوفير متطلبات الحياة، وأم فاضلة لا تدخر جهدًا للعناية بنا .
تخرجت في الجامعة منذ ست سنوات، وبذلت الجهد حتى وفقني الله للعمل في وظيفة مرموقة مقابل دخل متميز.
أود أن أوضح أن والدي الفاضل لديه مشكلة أدركتها بعد تخرجي، وهي سوء إدارة موارده المالية، فهو يقترض للدخول في مشروعات دون دراسة لمدى جدواها أو قدرته على إنجاحها، ثم يقترض السداد الدين، وهكذا فهو يعيش ويعيشنا معه في شبكة معقدة من الشراكات والالتزامات المالية، لذا فإنني لم أدخر أي مال منذ تخرجي لدعمه ماليًا في محاولة يائسة لإخراجه من هذا التيه المالي، فقد طلبت منه عدة مرات معرفة ديونه والتزامي بسدادها مع تعهده بعدم التورط في أي شراكات جديدة.
والتزمت بتوفير متطلبات الحياة للأسرة، إلا أنني أفاجأ بأن هناك ديونًا جديدة، وهكذا دوامة لا تنتهي.
أنا أقر أن والدي حنون وكريم معنا لدرجة تجعله يقترض للظهور بمظهر فوق طاقتنا الاجتماعية.. على الجانب الآخر من حياتي رغم أن لي خمسًا من الخالات فإن أصغرهن كانت الأقرب إلى أمي، وكانت أسرتها تقطن في نفس المنطقة التي نعيش فيها، وكانت لخالتي هذه ابنة تصغرني بعام تقريبًا، وبحكم التقارب العائلي والمكاني كنا نلعب معًا في الصغر ومع بدايات سن المراهقة نما حبها في قلبي، حيث كنا متوافقين في كثير من الصفات الطيبة بفضل الله مقارنة بباقي أقراننا من العائلة، ورغم وجود الكثير من الفتيات في العائلة فإنني كنت أزداد إعجابًا وتقديرًا وحبًا لرفيقة طفولتي، حتى بعد دخولي الجامعة، وتعرفي على العديد من الزميلات.. وقررت أن أصارحها بحبي وكم كانت سعادتي عندما أخبرتني أنها كانت تتوقع مني ذلك؛ لأنها كانت تدعو الله كثيرًا بأن أكون زوجًا لها.. ظل هذا الحديث سرًا بيننا، إلى أن تقدم إليها خاطب وهي في السنة الثالثة بالجامعة، وأنا مازلت طالبًا بالسنة النهائية، وبعد مناقشة الموضوع بيننا اتفقنا أن نطلع خالتي على الأمر حتى تساعدنا، وكم كانت فرحتي عندما هللت خالتي فرحًا بذلك، وتعهدت هي بالتصرف.
الحمد لله تخرجت، واتفقت مع خالتي على تأجيل الإعلان حتى أسدد ديون والدي، ومر عام واثنان وثالث، ووجدتني مضطرًا إلى أن أفاتح والدي بشأن رغبتي في الارتباط بابنة خالتي! وكانت الصدمة الكبرى بالرفض وتعليلات واهية، وفجأة تحولت أقرب خالاتي إلى الأخت التي خانت أختها، واتفقت في الخفاء على سرقة ابنها، وتحولت أنا إلى الابن العاق الذي يتخلى عن أسرته، ويتزوج على هواه.
وعلى مدى ثلاث سنوات من الإلحاح والتوسل تم الارتباط ووصلنا إلى نقطة مفصلية، وهي حتى يتم عقد الزواج اشترط أبي أن أقيم معهم في المنزل، وإلا فلن يحضر أحد من عائلتي معي، وهددتني والدتي بأنها ستغضب علي.
أنا مقتنع بوجهة نظر زوج خالتي «أنه لن تستقيم حياتي الزوجية بالإقامة في منزل العائلة»، وقد تعهدت له بأنني سأستقل بشقة خاصة.
أنا في حيرة من أمري هل أنسحب من أجل أن يرضى والداي وأضحي بحبي وحياتي والإنسانة التي تعاهدنا معًا على الزواج، وضحت بالعديد من الرجال من أجلي، ومازالت تنتظرني؟ أم أذهب للزواج بمفردي بعد أن هدد والداي بعدم مصاحبتي والتنبيه على إخوتي كذلك.. ماذا أفعل جزاكم الله خيرًا؟
التحليل
من المؤكد أن قدسية حقوق بر الوالدين غير قابلة للمناقشة حتى ولو كانوا كافرين بعد قول المولى عز وجل: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ (لقمان: 15).
إن معيار نجاح الوالدين في تربية أبنائهما هو اعتمادهم على أنفسهم، وقدرتهم على إدارة حياتهم بما يرضي الله.. لذا فمن أهم مسؤوليات الوالدين التربوية هي تدريب الأبناء على اتخاذ قراراتهم منذ مرحلة الطفولة، ورفع الوصاية عنهم تدريجيًا لتنمية مداركهم الحياتية.
إن الحب المرضي والذي ينتاب بعض الآباء والأمهات والذي يؤدي إلى أن يسيطروا على أبنائهم، ويديرون حياتهم بناء على خبراتهم ورؤيتهم هم لما هو مناسب أو غير مناسب لأبنائهم، هذا يؤدي إلى تدمير حياة الأبناء ويجعلهم مسخًا لشخصية الوالدين.
إن من الطبيعي أن تشعر الأم ببعض الغيرة عند زواج ابنها، وقد يستشعر بعض الآباء لحد ما بغيرة عند زواج بناتهم، ولكن سرعان ما يتغلب العقل وتسير الأمور في مسارها الطبيعي.
ولكن قد تتحول هذه الغيرة الطبيعية إلى مرض حب الاستئثار والتملك خاصة من جانب الأم، وإن لم يتم كبح جماح تلك المشاعر السلبية بالقيم الدينية، فهي تدمر حياتها وأبناءها.. وقد يساهم في تأجيج هذه المشاعر السلبية تجاه الأبناء، الاحتياجات المادية أو النفسية للوالدين، كأن يكون هذا هو الابن البار دون إخوته، أو إنه هو الوحيد القادر على مساعدة والديه ماديًا.. وقد يساهم الابن في تأجيج تلك المشاعر السلبية، فيتحول بمراحل زواجه من الابن البار إلى المتناسي والمتجاهل الحقوق والديه، ويرجع أهله ذلك إلى التأثير السلبي الزوجته وأهلها مما يزيد الأمور تعقيدًا.
طبعًا للأسف للموروث الثقافي آثاره السلبية، وكذلك ما تتناوله الدراما من التركيز على نماذج متطرفة في سلبياتها لعلاقة أهل الزوجين معًا، وتأثيراتها على علاقة الزوج بأهله.
وفي حالتك أيها الابن العزيز، فقد ضاعف من المشكلة الاضطرابات المالية للوالد، وبالتالي اعتماد الأسرة ماليًا عليك، كما أن إحساس الأهل أنهم قد غيبوا، وأنهم لم يشاركوك في اتخاذ قرار زواجك جعلهم رافضين لمشروع زواجك.
الآثار
إن موافقتك على العيش في بيت الأهل سيسبب لك ولزوجتك ولأهلك العديد من المشكلات.
الحل
دعني في البداية أؤكد أنه ليس من حق الوالدين التدخل في حياة أبنائهما الزوجية، وأن لكل زوجين الحق في صياغة حياتهما الزوجية بما يتوافق مع سماتهما الشخصية والنفسية، ولا علاقة بين الفرض المقدس لبر الوالدين واستقلالية بل وخصوصية الحياة الزوجية، والتي يجب الحفاظ عليها وصيانتها من أي تأثير خارجي.
1- ابذل الجهد وتودد لوالديك واستثر في قلبهما حبهما لك بالكلمة الطيبة ولمسة الحب والحنان والهدية، وحاول إقناعهما بأن سكنك المستقل لن يفرقك عنهما، وأنك ستظل تحت جناحهما، وأنك ستزورهما يوميًا للاطمئنان عليهما، مع الابتهال والتضرع إلى الله أن يوفقك في رضائهما.
2- حاول أن تستشيرهما في بعض الموضوعات الخاصة بزواجك، والتي لا تمثل أساسيات تم الاتفاق عليها مع زوجتك، وأن تأخذ ببعض آرائهما.
3- إن شعرت أن الأمر مازال معقدًا حاول أن يساعدك أقرب أعمامك أو عماتك إلى قلب أبيك، أو بعض الصالحين كإمام المسجد الذي يصلي فيه الوالد مثلًا، وكذلك أقرب الخالات أو الأخوال إلى قلب أمك.
4- حاول أن تقنع خالتك وخطيبتك بتفهم موقف والديك، وأن تبذل خالتك الجهد الطيب وتستغل العلاقة الأخوية مع والدتك لإزالة ما قد يكون علق بنفسيتها من نزغ شياطين الإنس والجن، وأن تطيب خاطرها، ولا يكون هذا الزواج سببًا لقطيعة الرحم بينهما، فتزداد الأمور تعقيدًا .
5- إن لم يستجب والداك، بلغهما بأنك ستذهب منفردًا، وأخبرهما بالموعد المحدد لإتمام زواجك، وأوصيك ألا تستمر فقط في برهما بل تضاعف من برك ورعايتك لهما.
وأهمس في أذن كل والدين: هل أنتم قد أحسنتم تربية أبنائكم؟
إن كنتم لم تحسنوا تربية أبنائكم وبالتالي فهم محتاجون لكم حتى تديروا لهم حياتهم! فاستغفروا ربكم عن تقصيركم في هذه الأمانة العظيمة، وتحملوا عنهم تبعات زواجهم وعيشوا معهم مشكلاتهم، وتولوا أمرهم وأزواجهم.
أما إن كنتم قد أحسنتم تربية أبنائكم فجزاكم الله خيرًا، فهم قادرون على إدارة حياتهم، ومن حقهم أن يعيشوا حياتهم، كما يتناسب وشخصياتهم وعصرهم، ولا يمكن من منطلق الحب -وأنا كوالد مدرك جيدًا طيب مشاعركم- أن نطمس شخصيتهم بفرض نتائج تجاربنا ورؤيتنا للحياة الأفضل عليهم بحجة ألا يعانوا مما عانينا منه! ولنعلم أنه كما أن بصمات الأصابع لا تتطابق، فإن أيضًا لأبنائنا سمات نفسية وشخصية لا يمكن أن تتطابق معنا، لذا فما كان مناسبًا لنا كأسلوب الإدارة حياتنا الزوجية، فمن المؤكد أن لأبنائنا ما يناسبهم الإدارة حياتهم الزوجية.
طبعًا هناك قيم يجب أن نحرص على تأكيدها لهم، لكن يظل لكل منهم الأسلوب الذي يناسبه ويتوافق مع زوجه.
رجاء دعوهم يتمتعون بطعم الاستقلالية والحرية في صياغة أسلوب الحياة الذي يتواءم مع سماتهم الشخصية وأزواجهم وطبيعة العصر الذي يعيشون فيه، كما تمنيتم أنتم في بداية حياتكم الزوجية أن تعيشوا حياتكم باستقلالية عن والديكم، فإن كان قد تحقق لكم ما تمنيتم، فلا تحرموا أبناءكم بما من الله عليكم به، وإن كنتم قد عانيتم من تدخل والديكم في حياتكم، فجنبوا أبناءكم معاناتكم، جزاكم الله خيرًا.
أرسل مشكلتك أو أسئلتك باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على:
moshkelty1@gmail.com ستجد الحل على هذه الصفحة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل