; بعد أربعة عشر عامًا.. اتفاقية "وادي عربة" في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان بعد أربعة عشر عامًا.. اتفاقية "وادي عربة" في الميزان

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008

مشاهدات 49

نشر في العدد 1826

نشر في الصفحة 20

السبت 08-نوفمبر-2008

بعض من خدعتهم الأماني ظلوا ينتظرون ثمار السلام، فما وجدوا في نهاية السرداب نورًا ولا في السراب ماءً.

نجح العدو الصهيوني في إيصال عدد من الأطراف العربية إلى ضرورة الإسراع والمبادرة في عقد معاهدة معه، قبل أن تسبقه دولة أخرى وتحوز قصب السبق وتذهب بالنصيب الأوفر من غنائم السلام، وأطلعت بعض الدول العربية على ما يجري سرًا بينها وبين دول أخرى، وهذا ما جرى في "كامب ديفيد"، و"أوسلو" و"وادي عربة"، فدخل الجميع رغبًا ورهبًا حتى قال أحدهم: "إنما جُلِبنا لمدريد جلبا". 

في 26/10/1994م جاء دور الأردن تاليًا بعد أن وقعت السلطة الفلسطينية اتفاقية حجبتها في البداية عن الشعب الفلسطيني، وكانت تدور في الكواليس، فوقع الأردن معاهدة "وادي عربة" بعد إعلان واشنطن خوفها من أن تفوت آخر عربة من قطار التسوية السريع، تحت ذرائع كثيرة منها:

  1. القضاء على فكرة الوطن البديل التي تهدد الدولة الأردنية.
  2. إعلان حدود رسمية لـ "إسرائيل" مع الأردن، وهذا يوقف تمددها على حسابه.
  3.  تعويض الأردن عن مياهه المسلوبة والمنهوبة من نهر الأردن ومن مياهه الجوفية في وادي عربة.
  4.  استرجاع الأراضي الأردنية المحتلة.
  5. حل المشكلة الاقتصادية والمعيشية الأردنية التي هددت كل بيت أردني.

وفي ظل معارضة شعبية منزوعة الإرادة في إطار مجلس نيابي أعد له أن يكون ضعيفًا، وغير ممثل تمثيلًا حقيقيًا للشعب؛ حيث أفرزه قانون انتخابي فريد ليس له مثيل في العالم على الإطلاق؛ إذ يحرم الناخب من اختيار سوى نائب واحد عن دائرته التي فيها عدد من المقاعد قد يصل إلى ثمانية مقاعد، مما حجم التمثيل السياسي وبخاصة الإسلامي. 

 استعدادًا لهذه الحالة شرعت قوانين مؤقتة للحد من حرية التعبير والاجتماع والتظاهر، وتجرّع الأحرار المر والآلآم وهم يعلمون مكر الصهاينة وكيدهم، ويعلمون كذبهم ونقضهم للعهود، ويعلمون أنهم استطاعوا تفريق الأمة شذر مذر، وعقد معاهدات فردية مع دول عربية كل على انفراد، وقد هلل الإعلام وكبّر، وسوّغ وبرّر لهذه الاتفاقية، واعدًا الناس بالسمن والعسل والأمن والاستقرار، وألا بديل سوى هذه الخطوة، وعليكم أن تعطوا السلام فرصة لتجنوا ثماره.

وسهلت الحكومة سبل التطبيع وحسّنته ودافعت عنه، حتى كان من أول ثمار الاتفاقية، بل هو من صلبها- تأجير الأردن جزءًا من أرضه المحررة لـ "إسرائيل" في الباقورة؛ حيث تكون السيادة أردنية بطلاسم لا يستطيع حلها عفريت لديه علم من الكتاب، والتي عبر عنها ضمير المواطن الأردني بعامة من خلال رصاصات الجندي الأردني البطل "أحمد الدقامسة"، التي أفرغها في صدور صهاينة كانوا يتجولون في تلك المنطقة، مستهزئين بالصلاة وبالأردن، وهو لا يزال يقبع في سجن "سواقة" (جنوب عمان)، نسأل الله أن يفك الله أسره.

     وبقي بعض الناس ينتظرون ثمار السلام وتلك الأماني، فما وجدوا في نهاية السرداب نورًا، ولا في السراب ماءً.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (سورة النور: 39)

وحصاد الاتفاقية المرّ ظهرت بوادره اليوم فيما يلي:

  1.  ازداد عيش الناس ضنكًا يومًا بعد يوم، ولم يجدوا تشابهًا مع نمور آسيا إلا في المكر الصهيوني والأمريكي، واستفاد الصهاينة وحدهم من المدن الصناعية الأردنية لإقامة مصانع بأيد عاملة رخيصة، تصدر منتجاتها لأمريكا، مستفيدة من التسهيلات الأمريكية وحدها.
  2.  لم يدفن الوطن البديل، وإنما ازداد الحديث عنه، مثل الأطروحات "الإسرائيلية" والأمريكية التي تتوالى على ألسنة كبار المسؤولين "الإسرائيليين" والأمريكيين.
  3.  لم تعد الحدود "الإسرائيلية" مع الأردن حدودًا سياسية معلنة، إنما هي حدود أمنية مؤقتة.
  4.  لم توافق "إسرائيل" إلا على خمسين مليون متر مكعب من مياه بحيرة طبرية الملوثة، التي تبث تلوثها المتعمد بمياه المجاري، وقد توقف ضخها لهذا السبب في سنوات سابقة، وهم مستمرون في نهب المياه الجوفية، وبخاصة من جنوب الأردن.
  5.  لم تغير "إسرائيل"، ولا الإدارة الأمريكية إستراتيجيتها تجاه الأردن، ولم يتحقق إلا سيادة "إسرائيلية" على المنطقة كلها، وأدخلوا المنطقة في فوضى، واضطراب وانهيارات اقتصادية وغيرها.

    وهذا الذي حصد من اتفاقية "وادي عربة" هو الحصاد نفسه، وأسوأ منه ما كان من حقل "كامب ديفيد"، و"أوسلو" و"واي ريفر"، و"شرم الشيخ"، و"خارطة الطريق" فقد ازداد المواطن المصري فقرًا وقهرًا ومصادرة للحريات؛ لئلا يعكر صفو المعاهدة المشؤومة، وشُنت الحرب على القوى السياسية المبصرة، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين. 

 وأدخلت الآفات الفتاكة "الإسرائيلية" للزراعة المصرية، وقد كشفت حالات كثيرة، كما قامت مشاريع صهيونية لإدخال الإيدز للشباب المصري. 

وأما السلطة و"أوسلو" فتلكم الطامة الكبرى؛ فما زادتها "أوسلو" إلا مستوطنات (مغتصبات) ومصادرة للأراضي الفلسطينية، واقتلاعًا للأشجار المثمرة، وبناءً للجدار العازل العنصري، وازدادت الاغتيالات لأبناء الشعب الفلسطيني حتى اغتيل الرئيس "ياسر عرفات"، والشيخ "أحمد ياسين" والآلآف الكرام، وتضاعفت الاعتقالات حتى طالت الوزراء والنواب الذين يخالفون منهج "أوسلو"، وتجاوزت الأحد عشر ألف معتقل.

وازدادت الشقة بين التنظيمات الفلسطينية، وبخاصة بين "فتح"، و"حماس"، وبين "غزة"، و"الضفة"، وحوصر شعب غزة حصارًا قاتلًا تحت سمع العالم وبصره، وبموافقة بعض الفلسطينيين، ومما يزيد الطين بلة والجرح عمقًا التصريحات المتبادلة بين الأطراف التي كانت تنظر لـ"أوسلو"، و"وادي عربة".

 إن هذه الاتفاقية ماتت ودفنت إلا أنهم يحافظون عليها (ميتة)، ومن طرف واحد، ولا يكلف العرب أنفسهم أن يضعوا هذه التجربة في الميزان، والحقيقة أنها لا تستحق الدخول في الميزان لتهافتها، فقد ولدت ميتة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الرابط المختصر :