العنوان بعد أن أثبتت حكومة اليوسفي عجزها خلال عامين من الحكم- تعديل حكومي على صورة العهد الجديد
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-يوليو-2000
هل تشارك الحركة الإسلامية في حكومة جديدة؟.. هناك مؤشرات حول ذلك بعد المشاورات التي أجراها الملك محمد السادس مع د. عبد الكريم الخطيب
تشير التوقعات إلى احتمال وقوع تعديل في حكومة التناوب المغربية التي أكملت عامين من عمرها علا فيها الكثير من الضجيج والنقد، والقليل من الإنجازات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فقبل أسابيع عدة أجرى الملك محمد السادس مباحثات مع زعماء بعض الأحزاب السياسية من داخل الفريق الحكومي وخارجه، تطرقت إلى قضية التعديل، ومنذ تلك المباحثات نشطت الخلايا الحزبية سواء للاستعداد للدخول إلى الحكومة أو للتقليص من عدد الحقائب التي تعود إليها داخل الجهاز الحكومي، لكن الحديث عن التعديل خفت نسبيًّا ليعود من جديد بعد أن أكدت مصادر وثيقة إمكان حدوثه خلال شهر يوليو الجاري أو بعده بقليل، غير أن طبيعة وحجم التعديلات التي يمكن أن تدخل على الحكومة تثير الكثير من اللبس والغموض، لأسباب عدة من بينها على الخصوص شخصية الملك محمد السادس الذي تولى الحكم قبل اثني عشر شهرًا وتصوره للحكم وللعمل الحكومي وأسلوبه في تسيير دفة الأمور.
الظروف التي جاءت فيها الحكومة الحالية
جاءت الحكومة الحالية قبل عامين في ظروف دفعت الملك الحسن الثاني آنذاك إلى القول إن المغرب مهدد بالسكتة القلبية، فأرقام العاملين خريجي الجامعات كانت قد وصلت حدًّا عبرت عنه طوابير العاطلين التي خرجت في تظاهرات في شوارع العاصمة، مطالبة بالشغل، والعجز الاقتصادي ازداد مع تراجع معدلات الاستثمار الداخلي والأجنبي، ووصل الفساد الإداري ذروته مرفوقًا بإهدار المال العام وتوزيع الامتيازات، بالإضافة إلى ثقل خدمة الديون الخارجية على ميزانية البلاد، والشروط القاسية للمؤسسات المالية الدولية المانحة، إلى جانب التراجع الكبير في الثقة التي كان الناس يضعونها في الحكومة السابقة وفي الانتخابات عمومًا، ذلك كله رسم لوحة قائمة في المغرب جعلت الكثيرين يتحدثون عن انفجار وشيك للأوضاع.
وكان مجيء الحكومة الحالية التي يقودها الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي بمثابة الفرصة الوحيدة المتاحة لإخراج المغرب من المأزق ومنح أفراد الشعب أملًا في حدوث التغيير، وقد عهد الملك الراحل بتشكيل الحكومة إلى وزير أول من المعارضة، بعد أن فقد الناس الثقة فيما يطلق عليه الأحزاب الإدارية أو أحزاب اليمين التي قادت الحكومات السابقة منذ الستينيات، وفعلًا ضحت الحكومة الجديدة المزيد من الأمل في الإصلاح لا بسبب سمعة اليوسفي الذي لم يكن المغاربة يعرفونه لكونه قضى جزءً كبيرًا من حياته في الخارج، وكذلك بسبب كون أغلبية أحزاب المعارضة ظلت أكثر من ثلاثين عامًا خارج المسؤولية، واتسم خطابها السياسي خلال هذه المدة الطويلة بالنقد والمعارضة الجذرية وتصوير نفسها حاملة البديل الحقيقي للإنقاذ، وأسهم في هذا الوضع الإعلام القوي لأحزاب الحكومة الجديدة، من خلال تلميع صورة اليوسفي بشكل كبير ووصف الحكومة بأنها حكومة التغيير والإصلاح والتحريض على الصبر والتفاؤل، ولأول مرة أصبح هناك تقليد جديد في الصحافة المغربية، وهو القيام بجردة حساب لمنجزات الحكومة خلال مائة يوم ثم خلال ستة أشهر.. ثم عام.
إنجاز ضعيف
عامان من الأداء لحكومة اليوسفي بينت للرأي العام المغربي أن البرنامج الذي سطرته لنفسها خلال تنصيبها أمام البرلمان بقي على الرفوف، ولم تخرج إلى الواقع الوعود التي قدمتها، وكانت الخيبة كبيرة في حكومة بنى عليها الناس آمالًا عريضة، فالملفات الاجتماعية بقيت مطروحة بدون حلول، وزاد تسريح العاملين من العمل، كما أن شعار ترشيد النفقات وإصلاح الإدارة لم يتحول إلى حقيقة، وكان الأمين العام لحزب الاستقلال الحليف الرئيس لحزب اليوسفي في الحكومة وداخل «الكتلة الديمقراطية»، محمد بوستة قد أعلن عن أن الحكومة الجديدة لديها ٣١٤ إجراءً عمليًّا ستشرع في تنفيذها مباشرة بعد استلام مهامها، لكن تلك الإجراءات غطاها النسيان ولم يعد أحد يتحدث عنها، وأمام استمرار الأوضاع وعجز الحكومة عن تنفيذ برنامجها، بدأت هذه الأخيرة في الحديث عن «جيوب مقاومة التغيير» داخل الحكومة نفسها، في إشارة واضحة إلى وزير الداخلية السابق إدريس البصري وروج إعلام الحكومة القوي هذا الخطاب الذي ينسب عدم قدرتها على إحداث الإصلاح إلى جهات نافذة داخل الفريق الحكومي، ثم شاع الحديث عن عدم انسجام أعضاء الحكومة نظرًا لوجود البصري، وبدا أن الحكومة تسير بسرعتين: الاشتغال البطيء، والدعاية القوية في صفحاتها، ففي الوقت الذي يشهد عملها بطئًا شديدًا، وعجزًا واضحًا عن مباشرة الملفات الكبرى العالقة، يقوم إعلامها بتضخيم عمل الوزراء حسب كل حزب على حدة، ثم انتقل الكلام إلى كون الحكومة الحالية لم تأت لتحقيق التغيير المنشود، ولكن لوضع الإطار الطبيعي والقانوني والسياسي لإنجازه، من خلال إجراء تعديلات في القانون الانتخابي وغير ذلك، مما كشف عن أن الأحزاب المشاركة في الحكومة تريد كسب رهان السلطة وفي الوقت نفسه تغطية عجزها وكسب جولة الانتخابات المقبلة.
فريق حكومي هش
هاجس كسب الانتخابات المقبلة وتحمل المسؤولية معًا ظل حاضرًا حتى في العلاقات بين الأحزاب السبعة المشاركة في الحكومة الحالية، وعلى الخصوص بين حزب اليوسفي «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، وحزب الاستقلال ست حقائب وزارية، المتصارعين باستمرار على الزعامة، إذ خرج الحزب الأخير بانتقادات قوية لعمل الحكومة واتهمها بالتقصير والبطء في التنفيذ، ووجه زعيم الحزب عباس الفاسي رسالة إلى اليوسفي تعمد الحزب تعميمها على تسريع وتيرة العمل، وحدد له المحاور المستعجلة لإنجازها حتى تتأكد ثقة الشعب في الحكومة، لكن ذلك جر حربًا كلامية قوية في صحف الحزبين وتراشقًا إعلاميًّا، إذ اتهم حزب اليوسفي حزب الاستقلال بالتهرب من المسؤولية والرغبة في ربح الانتخابات المقبلة على حسابه وتعليق الخسائر كلها عليه، وأعلن اليوسفي نفسه، أن اتخاذ موقفين متناقضين موقف المشاركة في الحكومة، وموقف نقدها يعبر عن تناقض ازدواجية في الخطاب السياسي.
وتعود أسباب الموقف الذي اتخذه حزب الاستقلال إلى كونه يشعر بأن اليوسفي أراد توريطه بإسناد الوزارات التي تشهد أكبر المشكلات، وأقل الوزارات شهرة لدى الرأي العام، كالإعلام والصحة، ثم عين اليوسفي ناطقًا باسم الحكومة من حزبه، بحيث إن هذا الأخير غطى على صورة وزير الاتصال «الإعلام»، وقد أعلن الأمين العام لحزب الاستقلال مؤخرًا في برنامج تلفازي أن وزير الاتصال العربي اليساري، كاد يستقيل بسبب المشكلات التي تعترضه في أداء مهمته، لكن عباس الفاسي طلب منه الاستمرار في منصبه.
تحولات جديدة
بعد رحيل الحسن الثاني، تغيرت الحالة السياسية في المغرب، وتراجعت صورة الحكومة، لتحل محلها صورة الملك الجديد، وقد قام العهد بالملف الاجتماعي في ظرف أشهر فقط، وبإيقاع سريع جعل الأنظار تتجه إليه عوض الحكومة التي تحولت إلى مجرد صورة باهتة، وكانت الخطوة التي أقدم عليها الملك بإعفاء وزير الداخلية السابق من مهامه آخر ورقة كشفت العجز الحقيقي للحكومة، إذ لم يعد هناك ما تتذرع به من وجود أعداء للإصلاح من داخلها.
الخطوات التي أقدم عليها محمد السادس أكدت وجود قناعة لدى العهد الجديد بإنجاز إصلاح عام للأوضاع، ودخول مرحلة جديدة يأخذ فيها العمل السياسي والحكومي أبعادًا أكثر التصاقًا بهموم الناس، وقد أوضح الملك هذه القناعات من خلال تأكيده على المفهوم الجديد لمعنى السلطة، وسطر للحكومة الخطوط التي ينبغي السير عليها فيما تبقى من ولايتها، كما أن التغييرات التي أحدثها على مستويات السلطة والإدارة كان من الطبيعي أن تتبعها تغييرات أخرى تمس تركيبة الحكومة وطريقة عملها.
أي صورة للتعديل الحكومي؟: يرى كثيرون أن إجراء تعديل في الحكومة بات ضرورة مؤكدة بعد سنتين من العمل البطيء، والتعثر في الإنجاز، ويرد البعض هذا التعثر إلى كثرة الوزراء الذين يصل عددهم إلى اثنين وأربعين وزيرًا، مما ينشأ عنه تضارب المهام، وبذل جهد أكبر للتنسيق بين المؤسسات الحكومية وطول الإجراءات.
وهذا العدد الكبير من الوزراء جاء نتاج حساسيات سياسية متعارضة حاول الوزير الأول اليوسفي مراعاتها في أثناء مشاوراته قبل اقتراح لائحة الوزراء على الملك، من أجل إحلال التوازن بين الأحزاب وترضية قياداتها وتجنب المصادمات التي يمكن أن تعترض حكومته، لكن الرغبة في إحداث التوازن تحولت إلى قيود تعطل عمل الحكومة، وتحول التوافق إلى منافسات حزبية داخل الجهاز الحكومي نفسه.
المفارقة أن أحزاب الحكومة هي التي تتزعم الدعوة إلى إجراء التعديل، فحزب التقدم والاشتراكية مثلاً «شيوعي» يرى أن التعديل ينبغي أن يمس عدد الوزراء بتقليص عدد الحقائب الوزارية، بينما يدعو حزب الاستقلال إلى تعديل يأتي بثورة جديدة في التقرير والتسيير، في الوقت الذي دعا فيه زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تعديل يخرج الحكومة «من حالة الشلل والجمود»، أما منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي تساند الحكومة ولا تشارك فيها فهي ترى أن ضرورة التعديل نابعة من كون الحكومة «من مخلفات الماضي، أفرزتها انتخابات فاسدة ومزورة».
سيناريوهات التعديل الوزاري تدور حول ثلاث صور ممكنة:
الأولى: أن يتم تشكيل حكومة تنحصر وظيفتها في: تنفيذ محدد وتحضير الشروط
المناسبة لإجراء الانتخابات المقبلة في أفق السنتين القادمتين.
والثانية: أن يتركز التعديل على تقليص عدد الوزراء دون أن يمس بالتوازنات بين الأحزاب السبعة المشكلة للحكومة.
أما الصورة الثالثة فهي تنصيب حكومة من ثلاثة أو أربعة أحزاب فقط لتحصيل الانسجام بين أعضائها.
والملاحظ أن الحكومة الحالية تضم خليطًا من المشارب السياسية الوسط واليسار واليمين الليبرالي.
ويبقى هناك احتمال آخر وهو إشراك أحزاب من خارج الحكومة، وفي هذا الإطار تذكر أن الملك قد تباحث مع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية «الإسلامي» الدكتور عبد الكريم الخطيب في سلسلة لقاءاته مع قيادات الأحزاب حول التعديل، مما يفيد أن الملك راغب في أخذ موقف الإسلاميين الموجودين في البرلمان من هذا التعديل، وإعطاء الحكومة المقبلة طابعًا جديدًا بإدخال وجوه جديدة تعطي للحكومة صورة نظيفة.