; بعد بيروت: طرابلس في فوهة المدفعية | مجلة المجتمع

العنوان بعد بيروت: طرابلس في فوهة المدفعية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 603

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 11-يناير-1983

-سياسي عربي كبير يملك وثائق تشير إلى اشتراك النصيرية والصليبية والصهيونية في المخطط المرسوم للبنان.

-هل هناك مذبحة جديدة للمسلمين والفلسطينيين في طرابلس؟

-المخطط الرهيب يتم تنفيذه مرحلة إثر مرحلة!

في الوقت الذي كانت فيه «إسرائيل» تفجر صراعًا مسلحًا بين الدروز والموارنة في جبل لبنان كان هناك صراع آخر يتفجر في طرابلس بشمال لبنان فما هي طبيعة هذا الصراع الطرابلسي؟ ومن يقف وراءه؟ 

ومن يصب الزيت على ناره؟ وما هي أطرافه؟ ثم ما هي الغاية المقصودة منه؟ 

وقبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد من القول بإن إحدى الشخصيات العربية الكبيرة. فقد ذكر أنها تملك من الوثائق- التي لا بد وأن يأتي يوم تنشر فيه- ما يفيد بأن هنالك مخططًا مارونيًا نصيريًا صهيونيًا مشتركًا يدور الآن في لبنان. 

لذا فإنه لا يستبعد أبدًا أن يكون هناك تفاهم بين هذه الأطراف ليس على لبنان فقط.. وإنما على مناطق أخرى من البلاد العربية.

وإزاء هذه الحقيقة يمكن القول إن ما يجري.. في لبنان.. وما يحصل من تمهيد لإحراق مدينة طرابلس وتدميرها وإلحاقها ببيروت الغربية المدمرة لهو أمر خطير ومدروس ومتفق عليه.. أما بالنسبة لطرابلس.. فإن الصراع الدائر فيها.. والذي سقطت بسببه مئات الضحايا في الأسابيع الأخيرة فهو صراع قديم. لكن تصعيده لم يكن إلا بعد أن فرغت أطراف المؤامرة من بيروت. وقد بدأ التصعيد قبل أسابيع عندما فرضت القوات السورية حصارها على مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين ومنعتهم من الانتقال إلى طرابلس واحتجزت سيارة عسكرية لهم. ويبدو أن هذا الإجراء السوري كان ضغطًا على قيادة منظمة التحرير بسبب خلاف معها لا تخفى معالمه، فمنظمة التحرير ومنذ الخروج من بيروت تحاول أن تستقل بقرارها السياسي وأن تنفض عن كاهلها أعباء الوصاية التي يفرضها النظام السوري عليها، كما شهدت بذلك جميع صحافتنا المحلية والنظام السوري من جهته يضغط ليعيدها إلى حظيرته لما يحقق ذلك بالنسبة له من مكاسب مادية وسياسية، ثم أن هنالك حلولًا تباشرها الآن أمريكا في لبنان وتريد بعد ذلك أن تفرضها على المنطقة لصالح العدو اليهودي، وهذه الحلول لا يمكن أن تتم إلا  بتطويع منظمة التحرير أو تركيعها، فإن استعصت على  التطويع أو التركيع فلا بد من تصفيتها عسكريًا وتقطيع أوصالها تنظيميًا وإبادة جماهيرها وتيئيسهم، وهذا الهدف يتصل بهدف أعم وأشمل وهو التصدي للإسلام والمسلمين في لبنان ولا سيما في طرابلس معقل مسلمي لبنان، وكسر شوكتهم كلما حاولوا أن «يلملموا» أنفسهم في شكل حركة منظمة ذات عقيدة واضحة. 

ولذلك أشعلت النار، وصبت الزيت عليها بدءًا من حصار مخيم البداوي.. وهنا اشتعلت طرابلس من جديد بين حركة المقاومة الشعبية في طرابلس وتضم:

حركة ٢٤ تشرين الديمقراطية وكذلك التيار الإسلامي الذي يضم الجماعة الإسلامية وتنظيمها العسكري «المجاهدون» ومجموعة «جند الله» فضلًا عن اتباع حزب البعث الذي يتبع العراق. وهذا التحالف تسانده عناصر فلسطينية.

أما التحالف الآخر فيضم: حزب البعث السوري، والحزب العربي الديمقراطي، وعصابة نصيرية يتبعها تنظيم مسلح يسمى «الفرسان الحمر».

ويتركز التحالف الأول في «باب التبانة» كما يتركز التحالف الثاني في «بعل محسن» وتدور المعارك سجالًا بين المنطقتين، وبينما يطالب التحالف الأول بجلاء القوات السورية عن منطقة طرابلس ودخول قوات الأمن اللبنانية يرى الفريق الثاني أن الوقت غير مناسب لذلك في الوقت الحاضر.

وقبل شهر تقريبًا تم تكوين لجنة للتنسيق حاولت تصفية الخلافات فعقدت اجتماعًا في منزل النائب عبد المجيد الرافعي وهو من القيادة القطرية لحزب البعث، حضر الاجتماع مندوبون عن التحالف الإسلامي اللبناني الفلسطيني ولم يحضر مندوبو التحالف الآخر. كما عقد اجتماع في بيت رشيد كرامي حضره مندوبو التحالف النصيري ولم يحضره مندوبو التحالف الأول، وهذا يدل على اتساع شقة الخلاف بينهما. ثم أرسلت لجنة التنسيق وفدًا إلى دمشق لمقابلة عبد الحليم خدام ولكن الوفد لم يستقبل، مما يدل على أن النظام السوري له مآرب في تصعيد التوتر الذي اندلع بعد ذلك عنيفًا ورافقه إضراب عام مفتوح في طرابلس دعا إليه التجمع الإسلامي ودارت بعد ذلك حرب شوارع وكان القتال يجري من بيت إلى بيت وتصاعد عدد الضحايا ولم تتمكن سيارات الإسعاف من أداء واجبها بسبب تعرضها للقصف والاحتجاز ورافق ذلك حركة نزوح باتجاه المناطق الآمنة، هذا الوضع الذي بدأ قبل شهر ما زال مستمرًا حتى هذا الأسبوع، وكلما هدأت المناوشات.. صب بعض الدخلاء الزيت عليها لتشب من جديد.

تفجير الصراع في طرابلس.. لماذا؟ 

في طرابلس يوجد المسلمون اللبنانيون الذين يتعاطفون مع مسلمي سوريا ومع الفلسطينيين والذين توسموا خيرًا بدخول الردع إلى لبنان في البداية معتقدين أنه سيقف معهم ضد إرهاب الصليبيين الكتائبيين وإجرامهم ولكن أملهم خاب حين وجدوا ردع الدولة المجاورة يقوم بتصفية المسلمين من لبنانيين وفلسطينيين ويسهم مع الصليبيين الكتائبيين في مذبحة تل الزعتر ويدخل المناطق الإسلامية ولا يدخل المناطق المسيحية. 

وفي طرابلس يوجد الفلسطينيون الذين تريدهم سورية أن يكونوا ورقة رابحة في يدها تحركهم كيف تشاء وتتصرف في قضيتهم كيفما تريد، وما عليهم إلا أن يكونوا أتباعًا أو يلقوا ما لقي إخوانهم في تل الزعتر وفي صبرا وشاتيلا. ومعلوم لو أن أي نظام عربي أخذ زمام المبادرة لقيادة هذه الأمة إلى العزة والنصر لسلم له الفلسطينيون العنان، أما وأن التجارب المريرة قد أثبتت عكس ذلك تمامًا حيث لا يوجد من يتبنى قضية تحرير فلسطين أو يطلق العنان للفلسطينيين ليعملوا في منطقة نفوذه بحرية، إنه كلما كان النظام مبالغًا في ثوريته كلما كان تفريطه- إن لم نقل تآمره- أكثر على القضية الفلسطينية، ولذلك لا يملك الفلسطينيون في طرابلس إلا أن يقفوا مع المسلمين والإسلاميين ضد أعدائهم.

وفي طرابلس توجد قوات سورية وتوابعها، ونحن لا نريد أن نظلم الجيش السوري الذي هو في غالبيته من المسلمين الذين قاتلوا اليهود في بيروت الغربية وغيرها والذي يتعاطف مع الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين ولكن المشكلة في النزعة الطائفية التي لا تريد التصدي لليهود وحلفائهم، في الوقت التي كرست كل جهودها من أجل محاربة جند الله وإخوانهم. 

وكلما ازداد ضغط هذه النزعة على المسلمين في طرابلس كلما ازدادت مطالبة المسلمين بخروج القوات السورية ودخول القوات اللبنانية، أما لماذا تدخل القوات اللبنانية ومعروف عنها أنها في مجملها كتائبية صليبية حاقدة فذلك في نظر المسلمين أهون الشرين على أمل أن يحدث توازن بين المسلمين والمسيحيين وتصبح لبنان لكل اللبنانيين. ومع أن هذه المطالب فيها مخاطرة غير محمودة العواقب إلا أن التهديد بوصول اليهود أو استمرار زمرة «علي عيد» وهو نصيري وأتباعهم في إجرامهم بأفتك أنواع الأسلحة جعل بعض المسلمين في طرابلس يطالب باستحياء بخروج الفلسطينيين أيضًا حتى لا يكون هنالك مبرر للنصيريين ولا لليهود للسيطرة على طرابلس. 

ولكن لماذا لا يرفض المسلمون دخول الجيش اللبناني أيضًا؟ والجواب: لأن رفض دخول الجيش اللبناني إلى طرابلس يعني الانفصال والتجزئة وهذا ما يخطط له الصهاينة، إنهم يريدون دولًا للطوائف تحيط "بإسرائيل" وتخضع لها وهذا ما تنبه له المسلمون في لبنان ورفضوه بالرغم من أنهم يدفعون إليه دفعًا.. فهم بين اختيارين: أحلاهما مر، الأول سيطرة الصليبيين الموارنة عليهم واحتمال تصفيتهم جسديًا وتذويبهم سياسيًا وتحطيمهم اقتصاديًا والاختيار الثاني إنشاء كيان طائفي لا يحمل مقومات الاستقلال والبقاء ويخدم في النهاية أهداف الصهاينة. وهناك اختيار ثالث مستور لا يقل خطرًا عن الاختيارين السابقين ظاهره الرحمة وباطنه العذاب وهو ضم الجزء الإسلامي من لبنان- البقاع والشمال- إلى سوريا. ومعنى ذلك ترك الجنوب لليهود وبقية لبنان للموارنة. وفي إطار هذه الاختيارات- والمخفي أعظم- تدور المؤامرات وراء الكواليس وتوضع الخطط وربما اكتشف بعض العقلاء من الموارنة- إن كان بينهم عقلاء- أن استعانتهم باليهود لتأمين سيطرتهم على كل لبنان كان كالمستجير من الرمضاء بالنار.

ولذلك نجد المسلمين يرفضون التقسيم والموارنة أيضًا يرفضون التقسيم، ولكن من منطلقين مختلفين، فالمسلمون يريدون المساواة والعدالة في وطنهم وهذا حق من حقوقهم، والموارنة يريدون الاستئثار بالسلطة والثروة، بل يريدون «تنصير» لبنان كما «هود» اليهود فلسطين، وهذا هو الذي جلب على لبنان الدمار، ولا بد أن يكتشف الموارنة أن عاجلًا أو أجلًا أن اليهود هم الأعداء الحقيقيون لهم وللمسلمين وللإنسانية جمعاء.

وقد أتقن اليهود هذه اللعبة التي هي من صميم فلسفتهم الإجرامية فورطوا الدول والجماعات والأفراد لتقف معهم وهي تعلم أنهم على باطل، ولكن ماذا يفعل من كانت الأفعى الصهيونية تلتف حول رقبته إلا أن يطيعها أو يموت!! وفي الحالتين هو الخاسر.

وحين يصل وفد سوري إلى طرابلس فجأة يوم 15/ 12/ 82 يضم من ضمن من يضم وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام ووزير الدفاع مصطفى طلاس فمعنى ذلك أن أمرًا جللًا قد حدث. وبالفعل فمع غروب يوم الثلاثاء 14/ 12/ 82 حدثت اشتباكات بالغة العنف في طرابلس وامتدت الاشتباكات العنيفة لتشمل كافة أرجاء المدينة ولم تقتصر على منطقتي التبانة التي تسيطر عليها القوات الإسلامية- لبنانية وفلسطينية- ومنطقة بعل محسن التي يسيطر عليها الحزب العربي الديمقراطي ذو الأغلبية والمدعوم من سوريا، وقد استخدمت المدفعية الثقيلة وصواريخ ستالين في هذه الاشتباكات وهي أسلحة جديدة ومتطورة فاشتعلت الحرائق في كافة أرجاء المدينة وسقط خلال الليل وصباح اليوم التالي حسبما نشرته وكالات الأنباء ۲۱ قتيلًا و٥٧ جريحًا وبذلك ارتفع عدد ضحايا معارك طرابلس إلى ۷۲ قتيلًا و۲۱۰ جرحى خلال تسعة أيام، وما زالت أرقام الضحايا تزداد يومًا بعد يوم.

لماذا القوات السورية في لبنان 

نحن نعرف الأهداف التي من أجلها غزت القوات اليهودية لبنان والتي من أجلها تبقى الآن في لبنان، وهي تنحصر في واحد من الأهداف الثلاثة التالية أو فيها مجتمعة وهي: 

  1. التوسع الصهيوني 

  2. تجزئة لبنان وإنشاء دويلات طائفية 

  3. السيطرة على لبنان و«تطبيع» العلاقات معه.

ونحن نعرف أيضًا أسباب تواجد الفلسطينيين- نقصد المسلحين- في لبنان، إنهم يريدون أن يجدوا لهم قاعدة ينطلقون منها لمحاربة اليهود في فلسطين فوجدوا في ضعف لبنان قوة لهم. 

أما لماذا دخلت القوات السورية إلى لبنان؟ وتبقى فيه حتى الآن؟

-هل دخلت القوات السورية إلى لبنان لتحميه من «إسرائيل»؟ 

إن الشعوب العربية تعرف جواب هذا السؤال:

-وأخيرًا.. ما الذي يجري الآن في طرابلس؟ ولماذا هذه الاشتباكات بين الأهالي المسلمين ومعهم الفلسطينيون وبين النصيريين اللبنانيين ومعهم النصيريون الوافدون من القطر المجاور؟ 

لا شك أن المخطط الذي يجري تنفيذه الآن على الساحة العربية مخطط رهيب. والمسلمون، كل المسلمين عليهم أن يستيقظوا، وأن يكونوا يدًا على من سواهم، ونحن نطالب جميع الأنظمة في العالم الإسلامي أن تفضح أطراف المؤامرة أولًا. وأن تكشف زيف أدعياء التحرير ومن ثم فإن دول الخليج مطالبة بقطع المعونات المادية نهائيًا عن أولئك الذين اشتركوا مع الصهاينة في رسم المخطط للقضاء على لبنان كمرحلة ينتقلون بعدها إلى مناطق عربية أخرى.

الرابط المختصر :