; بعد تدهور حالته الصحية: مَن سيخلف ياسر عرفات؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد تدهور حالته الصحية: مَن سيخلف ياسر عرفات؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996

مشاهدات 80

نشر في العدد 1209

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-يوليو-1996

• «أبو مازن» أقوى المرشحين لخلافة عرفات، وإسرائيل تعتبره الأقرب والأكثر تفاهمًا معها 

• تقارير تشير إلى إصابة عرفات بجلطة وارتجاج في الدماغ والمرشحون لخلافته يدخلون حلبة المنافسة 

•إسرائيل سربت تقريرًا زعمت أنه سري حول خططها لمرحلة ما بعد عرفات 

وأخيرا اعترف بنيامين نتنياهو بياسر عرفات واعتبره «العنوان الوحيد والزعيم الأوحد للشارع الفلسطيني» على حد وصف سمدار بيري- الكاتبة الصحفية الإسرائيلية المتخصصة في الشؤون العربية في صحيفة يديعوت أحرونوت، وهي تشير بذلك إلى التغير النسبي الذي طرأ على موقف نتنياهو الذي أعلن -أكثر من مرة- عدم استعداده لمصافحة عرفات أو اللقاء به لبحث شؤون المفاوضات. 

نتنياهو كان يدرك تماما وهو يطلق تصريحاته المتشددة تجاه عرفات أثناء حملته الانتخابية وعقب فوزه برئاسة الحكومة، أن على حكومته التعامل مع عرفات خلال المرحلة القادمة التي قد تطول أو تقصر تبعا لعدة نقاط أهمها القرار والتوجه الإسرائيلي، وهو- أي نتنياهو- حينما كان يؤكد باستمرار عدم رغبته في التفاوض مع عرفات كان يهدف من وراء ذلك إلى ممارسة أكبر قدرا من الضغوط عليه ليصبح مجرد اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد هدفا يسعى إليه عرفات الذي يوسط أطرافا متعددة لإقناع نتنياهو بالجلوس معه. 

وإذا كان عرفات يواجه مشكلة في التعامل مع المستجدات على الساحة الإسرائيلية والناجمة عن تسلم نتنياهو واليمين الإسرائيلي لمقاليد الحكم. فإن ثمة مجموعة صعوبات وتحديات تواجهه على أكثر من صعيد وفي نفس الوقت. فهو إضافة إلى خسارته لحليفه في الساحة الإسرائيلية شيمون بيريز، خسر علاقاته مع الدول العربية والتي يسعى جاهدا لترميمها دون جدوى وفي نفس الوقت فإن شعبية عرفات قد تراجعت وتدهورت بشكل كبير في أوساط الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين بعد أن كان يعتبر القائد والرمز في أوساط غالبية الفلسطينيين. 

لقد حاول عرفات خلال السنوات الماضية إقناع الشعب الفلسطيني بصحة المسار الذي اختطه ومضى فيه، وبأن اتفاقات أوسلو ستقود إلى قيام دولة عاصمتها القدس، وبأن ملايين الفلسطينيين في الشتات ستشرع أمامهم أبواب العودة، وأن الأوضاع المعاشية والاقتصادية في ظل السلطة الوطنية، ستكون على أحسن حال، ولكن الفلسطينيين اكتشفوا أن وعود عرفات لم تكن سوى وهم وسراب ومحاولات تضليل التحرير مشروع أوسلو، ونتيجة الإخفاقات وتبين حقيقة الوعود خسر عرفات تأييد الفلسطينيين في الداخل والخارج.

تحديات من نوع آخر:

إلى جانب التحديات والتراجعات السابقة يواجه عرفات هذه الأيام تحد من نوع آخر يتعلق بتدهور حالته الصحية التي ثارت حولها الكثير من التساؤلات خلال الشهرين الماضيين. وقد بدأ اهتمام الأطراف المعنية بالوضع الصحي لعرفات يتزايد إثر الوعكة الصحية التي ألمت به في القاهرة الشهر قبل الماضي خلال القمة الثلاثية التي جمعته مع الرئيس المصري وملك الأردن. وعلى الرغم من محاولات أطبائه الخاصين تأكيد أن صحته جيدة، وأن ما أصابه مجرد حالة من الزكام والإنفلونزا، وقليل من الإجهاد والإعياء إلا أن شكوكا كبيرة ثارت حول حقيقة الوضع الصحي العرفات، والذي أكدت تقارير إسرائيلية أنه أصيب بجلطة وارتجاج في الدماغ. 

الكاتب الصحفي الإسرائيلي غيء باخور قال في صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية إن هناك رغبة في إخفاء حقيقة عرض عرفات ونقل عن مصادر فلسطينية أن عرفات يتناول ٢٤ قرص دواء يومي منذ الإصابة الأولى التي تعرض لها عام ۱۹۹۲نتيجة سقوط طائرته في الصحراء الليبية، حيث أجريت له في حينه عملية جراحية في المدينة الطبية في عمان تم خلالها إحداث ثقب دائري في جمجمته لاستخراج كمية من الدماء المتجلطة قرب الدماغ، ومنذ ذلك الحين يعاني عرفات من رجفة في جسمه نتيجة خلل في تركيبة السائل الدماغي كما أشارت مصادر فلسطينية رجحت أن تكون الوعكة الصحية الأخيرة التي أصابته تتعلق بمضاعفات العملية الجراحية القديمة، وكان العامل الأردني قد عرض على عرفات زيارة عمان لإجراء الفحوصات الطبية، وتلقي العلاج اللازم بعد تدهور حالته الصحية قبل شهرين، غير أنه فضل حضور طبيبه الخاص الذي أشرف على إجراء العملية الجراحية له من الأردن. 

وأشارت مصادر إسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين لاحظ خلال لقاءاته مع عرفات قبل اغتياله أنه يعاني من مشاكل صحية، وأضافت هذه المصادر أن رابين حرص في اللقاءات اللاحقة مع عرفات على اصطحاب بعض الأطباء لتقدير الوضع الصحي العرفات. 

تدهور صحة عرفات والبحث عن بديل:

الشكوك التي أحاطت بحقيقة الوضع الصحي العرفات أثارت بعض التساؤلات التي كان أهمها:

- من هو الخليفة المتوقع ليحل مكان عرفات في حال غيابه؟

- وما هي التأثيرات والانعكاسات التي ستترتب على غياب عرفات عن الساحة الفلسطينية، لا سيما ما يتعلق بالعملية السلمية.

- إسرائيل في خطوة أثارت الشكوك والتساؤلات قامت بعد مرض عرفات الأخير قبل شهرين بتسريب تقرير وصف بأنه سري يتحدث عن الشخصيات المطروحة لخلافة عرفات، وقد قامت عدة صحف وبخاصة في العاصمة الأردنية بنشر هذا التقرير الذي وصلها عبر شخصيات فلسطينية حصلت عليه من مصادر إسرائيلية، وعلقت مصادر على قيام إسرائيل بتسريب التقرير المذكور بأنها أرادت من خلال ذلك دفع الشخصيات الطامحة والطامعة إلى الدخول في سباق على خلافة عرفات ويبدو أن تلك الشخصيات تلقفت مغزى الدراسة الإسرائيلية وأدركت مرماها، فبدأ البعض بعد نفسه ليكون البديل القادم. ورغم أن جهود تلك الشخصيات تتم في الخفاء تجنبا لغضب عرفات، إلا أن ذلك لم يمنع من كشف بعض تلك الجهود كما حصل مع مسؤول الشرطة الفلسطينية نصر يوسف الذي قام عرفات بتقليص صلاحياته قبل عدة أسابيع بعد أن أكتشف أنه يسعى لعرض على بعض الجهات في الإدارة الأمريكية ليكون بديل عرفات وقد أكد مصدر من داخل حكومة السلطة لـ "المجتمع" صحة الأنباء التي تم تناقلها بشكل غير رسمي حول إجراءات عرفات ضد نصر يوسف وإلى جانب محمود عباس «أبي مازن» يعد المرشح الأقوى لخلافة عرفات يجري تداول عدة أسماء أخرى مرشحة لدخول حلبة المنافسة على الخلافة، ومن بين هذه الأسماء رئيس مجلس الحكم الذاتي المنتخب أحمد قريع «أبي العلاء»، وفيصل الحسيني أحد الرموز البارزة والذي على ملف القدس في السلطة الفلسطينية، وفاروق القدومي أحد رموز منظمة التحرير والذي أعلن معارضته لاتفاق أوسلو إضافة إلى عدد من قادة الأجهزة الأمنية في السلطة والذين يأتي في مقدمتهم مسؤولا الأمن الوقائي في الضفة الغربية وقطاع غزة جبريل الرجوب، ومحمد دحلان. 

التقرير الإسرائيلي المذكور والذي جرى تسريبه من قبل أوساط إسرائيلية رشح «أبو مازن» لخلافة عرفات، ووصفه بأنه واقعي ومدافع متحمس عن اتفاقات أوسلو، ولديه استعداد للتعامل مع الوقائع التي تفرضها إسرائيل، وأنه القيادي الفلسطيني الأكثر تفاهمًا مع القيادة الإسرائيلية، ويشير التقرير إلى أن «أبو مازن»، لم يتردد في تبرير الحصار الذي فرضته السلطات الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب العمليات الاستشهادية قبل عدة أشهر. ويعتبر أبو مازن (٦٥ عامًا)، مهندس اتفاق أوسلو الذي جرى التوصل إليه عام ١٩٩٣م بعد مفاوضات سرية مكثفة قادها وأشرف عليها «أبو مازن» عن الجانب الفلسطيني. 

وعلى الرغم من إشارة التقرير المذكور إلى بعض نقاط الضعف عند «أبو مازن»، من حيث تدني شعبيته في أوساط الشعب الفلسطيني، وكذلك ضعف نفوذه في الأجهزة الأمنية للسلطة التي تتمتع بصلاحيات واسعة، وتدير في حقيقة الأمر الأوضاع في مناطق السلطة، إلا أن التقرير يعتبر «أبو مازن» المرشح الأفضل من وجهة النظر الإسرائيلية لأن نقاط الضعف هذه يمكن التعامل معها وتجاوزها في حال إذا ما قررت إسرائيل اعتماد «أبو مازن» بديلًا لعرفات. 

وقد رأى بعض المراقبين في قيام مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد بالاتصال مع «أبو مازن» واللقاء معه في أول اتصال بين الحكومة الإسرائيلية الجديدة وبين الجانب الفلسطيني مؤشرًا على رغبة إسرائيلية في تلميع «أبو مازن» والضغط على عرفات الذي يشعر منذ فترة ليست قصيرة بالقلق بسبب تزايد نفوذ «أبو مازن» الذي تلكا في البداية وتأخر في الدخول إلى مناطق السلطة ورفض تسلم موقع وزاري داخلها. 

رئيس الوفد الفلسطيني السابق للمفاوضات حيدر عبد الشافي علق على محاولات طرح «أبو مازن» بديلًا لعرفات بقوله: «إن هذا الأخير بالنسبة لإسرائيل هو الرجل الداعية للسلام، وربما يتصور قادة الليكود أن التعامل معه سيكون أسهل من التعامل مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات». 

وقد تجنب عرفات الذي كان يدرك باستمرار وجود منافسين له يسعون لوراثته، تعيين نائب له منذ عدة سنوات رغم الإلحاح والمطالبات الكثيرة من قبل الفصائل والشخصيات الفلسطينية، والتي بلغت أوجها بعد حادث سقوط طائرة عرفات في الصحراء الليبية، حيث حصل إرباك شديد خلال الساعات العشر التي اختفى فيها عرفات قبل العثور عليه. 

ويفسر المحلل الإسرائيلي غيء باخور تجنب عرفات وكثير من الزعماء العرب تعيين نواب لهم بخشية هؤلاء القادة من قيام النائب ببناء قاعدة تأييد له بشكل يمكنه من إزاحتهم قبل الأوان ويذكر أن القياديين الفلسطينيين البارزين خليل الوزير أبو جهاد وصلاح خلف أبو إياد كان يشغلان موقع النائب العرفات قبل اغتيالهما. 

غياب عرفات والاحتمالات المتوقعة:

وفي ظل الحديث عن احتمالات غياب عرفات بسبب المرض أو لأسباب أخرى، فإن تداعيات هذا الغياب باتت تشغل اهتمام الأوساط المعنية. المحلل الإسرائيلي غيء باخور تساءل عما إذا كان اختفاء عرفات عن الحلبة السياسية «سيؤدي إلى القضاء على العملية التاريخية التي بدأت بقيادته بين إسرائيل والمنظمة.. وهل ستنهار إنجازات السلام أو السلطة الفلسطينية في حالة غياب عرفات شخصيًا؟». 

عرفات الذي يهيمن على كل مؤسسات المنظمة والسلطة، يشرف على جميع التفاصيل، ويتفرد بجميع القرارات، ولا يسمح لأحد بأن ينافسه أو ينازعه في اتخاذ القرار أو الإشراف على إدارة الأوضاع داخل السلطة والمنظمة وحركة فتح ولا شك أن غيابه في ظل هذا التفرد وهذه الهيمنة والصلاحيات غير المحدودة التي يتولاها بصورة مباشرة، سيترك فراغًا هائلًا ليس سهلًا، وسيؤدي إلى اختلالات وإرباكات قد تحتاج لفترة طويلة من أجل تجاوزها. كما يمكن أن يؤدي غياب عرفات إلى نشوب صراعات داخل حركة فتح التي باتت تتشكل من تيارات وأجنحة متنازعة لا يربط بينها رابط ويسيطر عليها عرفات بالترهيب والإغراءات، حيث لا توجد شخصية بديلة مؤهلة يمكنها أن تمسك بزمام الأمور داخل الحركة، خاصة وأن عرفات نفسه بدأ يواجه مصاعب جمة في ضبط حالة التململ التي تسود داخل صفوف الحركة. 

كما يتوقع أن يؤدي غياب عرفات إلى حالة من الفوضى الشاملة في صفوف منظمة التحرير ومؤسساتها، وكذلك في صفوف الأجهزة الأمنية المتعددة متداخلة الصلاحيات والمهام والتي تتنافس حتى في ظل وجود عرفات، ولا يستبعد المراقبون أن تنشب صراعات عنيفة بين هذه الأجهزة التي سيسعى كل واحد منها للاستئثار بأكبر قدر من السلطة والنفوذ كذلك تطرح تساؤلات مهمة حول مصير ميزانية وأموال منظمة التحرير التي يستأثر بها عرفات، ويرفض أن يشاركه أحد في الإشراف عليها، وبالتالي فلا يعلم أحد شيئًا عنها. أما فيما يتعلق بالعملية السلمية واتفاقات أوسلو وهي القضية التي تعني الأطراف الخارجية فإنها قد تشهد اهتزازات معينة بسبب هيمنة عرفات على القرار السياسي في المفاوضات التي تدار وفق عقلية وتوجهات عرفات، وليس وفق توجهات مؤسسات تصنع القرار ولا شك في أن أية شخصية بديلة ستخلف عرفات ستواجه صعوبات كبيرة في تمرير تنازلات جديدة نظرًا لافتقادها للشعبية النسبية التي كان يتمتع بها عرفات التي كانت تؤهله لاتخاذ قرارات خطيرة. 

ولكن ما هو مؤكد أن شوطًا واسعًا قطعته المفاوضات على المسار الفلسطيني الإسرائيلي وهناك الآن حقائق جديدة نشأت على الأرض يصعب التراجع عنها، وبالتالي فإن الاحتمال الأرجح هو أن تتواصل العملية التفاوضية، خاصة وأن غالبية رموز السلطة واللجنة التنفيذية الجديدة لمنظمة التحرير التي تم انتخابها مؤخرًا تؤيد الاستمرار في المفاوضات بسقفها المتدني الحالي.

الرابط المختصر :