; بعد ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي.. المخاض العسير لم يبدأ بعد | مجلة المجتمع

العنوان بعد ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي.. المخاض العسير لم يبدأ بعد

الكاتب خدمة وكالة جهان للأنباء

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1382

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

في اليوم العاشر من هذا الشهر تمت الموافقة في اجتماع قمة هلسنكي على ترشيح تركيا للاتحاد الأوروبي في ظل تساؤلات كبيرة في الشارع التركي عن فائدة هذا الترشيح، بل مخاوف من تأثيره السلبي، أو بالأصح غلبة الجانب السلبي على الجانب الإيجابي، فماذا ينتظر تركيا بعد ذلك القرار؟

قبول تركيا كمرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي يعني تغيير الحياة في تركيا في المجالات جميعًا، ومن الطبيعي أن بعض التغييرات المقبلة تبعث على قلق الأوساط الشعبية، وقلق السياسيين والمفكرين والمحللين السياسيين. 

ويفترض أن تقوم تركيا باستكمال نواقصها في العديد من المجالات لكي توفي جميع التزاماتها وتطبق جميع شروط ومعايير كوبنهاجن قبل قبولها عضوة كاملة في الاتحاد الأوروبي إن هناك «31» مجالًا على تركيا القيام بتغييرها حسب مواصفات دول الاتحاد الأوروبي المؤلفة من قرابة ١۲۰ ألف صفحة أي أن أمام تركيا امتحانًا صعبًا يجب أن تتهيأ له. 

يقول المحللون السياسيون بأن الحياة في تركيا ستتغير من الألف إلى الياء فلم تعد هناك تركيا المنطوية على نفسها، ولم يعد أمامها القول بأنها حرة في قضايا داخلية مثل حقوق الإنسان إلى ميزانية الحكومة ولا يمكن بعد اليوم التساهل في موضوع التعذيب، كما لم تعد الأحزاب حرة تمامًا في وضع برامجها الحزبية.. يجب أن يجري كل شيء أمام أنظار الدول الأوروبية وأن تكون متوافقة ومتلائمة مع المعايير الجديدة، أسلوب جديد وطراز جديد للحياة على تركيا أن تستعد له.

أما أهم المجالات التي ستشهد تغييرات كبيرة في تركيا حسب الوضع الجديد فهي:

أ- على تركيا أن تتقدم أكثر في مجال الديمقراطية، وأول شروط هذا التقدم تقليل بل إزالة تأثير المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وإلغاء مجلس الأمن القومي الذي يشغل القادة العسكريون نصف أعضائه تقريبًا، ولكن وزنهم في اتخاذ القرارات فيه هو الوزن الأرجح في الغالب. 

ب- إلغاء جميع القوانين التي تحد من الحرية الفكرية وحرية التعبير، أو من حرية الاجتماعات والاضرابات ولا سيما القوانين التي سنت بعد الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠م.

ج- رعاية حقوق الأقليات وضمان هذه الحقوق- والمقصود هنا الأقلية الكردية- ومنحهم حرية التعبير عن هويتهم وثقافتهم القومية.

د- إلغاء أحكام الإعدام أسوة بالدول الأوروبية الأخرى، إلا في حالة الحرب- والمقصود من هذا الشرط إنقاذ عبد الله أوجلان من الإعدام.

هـ- رعاية حقوق الإنسان بشكل أكثر وأفضل.

و- تطبيق قوانين السوق الحرة في الحياة الاقتصادية، وزيادة الخصخصة وابتعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية. 

ز- الحد من التضخم المالي العالي الموجود في تركيا حاليًا وخفضه إلى مستوى أقل من ١٠٪ بينما تقترب هذه النسبة حاليًا من ٧٪، وكذلك السيطرة على العجز الدائم في الميزانية بين الواردات والمصروفات.

وليس هناك أحد يناقش هذه الإصلاحات وضرورتها ولزومها لتركيا. 

إذن فما الداعي إلى قلق الشعب وبعض السياسيين والمحلين السياسيين من بعض شروط دول الاتحاد الأوروبي؟

المشكلة مع قبرص واليونان

إنها الشروط المتعلقة بالسياسة الخارجية لتركيا، ولا سيما القرارات المتخذة من قبل دول الاتحاد الأوروبي فيما يخص مسألتين اعتبرتهما الحكومات التركية المتعاقبة والشعب التركي أيضًا مسألتين حيويتين، وهما: 

  1. القضية القبرصية.
  2. مشكلة الحدود مع اليونان في بحر إيجه، إن القرارات التي صدرت عن اجتماع هلسنكي حول هاتين المسألتين كانت ضربة لسياسة تركيا وفوزًا لا شك فيه لليونان والقسم الجنوبي اليوناني لجزيرة قبرص.

وبسبب هذه القرارات الأخيرة المتخذة في قمة هلسنكي زادت الصعوبات أمام السياسة التركية في هاتين القضيتين ففي مسألة قبرص صدر القرار بالبدء بالتفاوض مع القسم الجنوبي لجزيرة قبرص للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإذا تم هذا فمعناه أن القسم الجنوبي يمثل الجزيرة كلها. وإضافة إلى ذلك فإن القوة العسكرية التركية الموجودة في الجزيرة تعد آنذاك، وكأنها تحتل أرضًا أوروبية.

وإضافة إلى هذا فتركيا ستجد تجاهها في الاتحاد الأوروبي دولتين بدلاً من دولة واحدة فسابقًا كانت اليونان حجر عثرة أمام قبول تركيا وتقوم باستعمال حق الفيتو، أما الآن فسينضم القسم الجنوبي- بعد قبولها في الاتحاد- إلى اليونان في مواجهة تركيا.

وكانت تركيا تهدد في السابق أن دول الاتحاد الأوروبي إن قبلت الشطر اليوناني من الجزيرة في الاتحاد الأوروبي فستقوم والقسم الشمالي التركي من الجزيرة بإعلان الاتحاد فيما بينهما، فهل تستطيع تركيا بعد الآن توجيه هذا التهديد؟ وهل سينفع؟ 

والقضية الثانية هي مسألة الحدود في بحر إيجه مع اليونان التي تريد زيادة مياهها الإقليمية إلى ثمانية أميال، ونظرًا لكثرة الجزر اليونانية فإن هذا الطلب لو تحقق فسيعني أن بحر إيجه سيتحول الى بحر يوناني، وكانت تركيا قد رفضت هذا الطلب واعتبرته سببًا لإعلان الحرب. 

قمة هلسنكي طلبت حل الموضوع سلميًا وإجراء المباحثات بين البلدين، فإن لم يتم الاتفاق بينهما حتى عام ٢٠٠٤م يجب آنذاك رفع هذا النزاع إلى محكمة لاهاي الدولية، وكان هذا انتصارًا كبيرًا للسياسة اليونانية، لأن اليونان كانت تقترح الاحتكام إلى هذه المحكمة منذ سنوات وتركيا تعارض هذا الاقتراح لعلمها بقوة اللوبي اليوناني وتأثيره في أوروبا وفي الولايات المتحدة أيضًا.

وهذا هو السبب في أن حزب الفضيلة- وهو حزب المعارضة الأم في تركيا- وجه للحكومة انتقادات عنيفة في هذا الموضوع واتهم حكومة أجاويد الائتلافية بقبول ضياع قبرص وتسليمها فريسة سهلة لليونان.

وأشار حزب الفضيلة أيضًا إلى أن تركيا لم تحصل على مكاسب حقيقية وإنما على وعد بقبولها في الاتحاد بعد سنوات عديدة لا يعلم مقدارها إلا الله.

وقد ترددت الحكومة التركية الحالية في قبول هذا القرار وعقدت اجتماعًا استغرق حوالي ثماني ساعات وفكرت الحكومة برفض قرار هلسنكي في ما يخص تركيا، وتم إجراء اتصالات عديدة مع وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وفنلندا ومع الرئيس الأمريكي، وإزاء هذا الموقف أرسلت توضيحات للحكومة التركية بشأن بعض القرارات وأخيرًا أعلنت تركيا قبولها للقرار، وتوجه رئيس الوزراء أجاويد إلى هلسنكي لحضور الاحتفال الختامي للاجتماع.

هذا ما يظهر حاليًا من مسألة عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي وهي مرحلة طويلة وعسيرة كما وصفها وزير الخارجية إسماعيل جيم، فهل ستجتاز تركيا هذه المرحلة بسلام أم ستتناقض قيمها وممارساتها مع قيم ومبادئ الاتحاد الأوروبي ولا سيما أن شعبها سيكون الشعب المسلم الوحيد في النادي الأوروبي؟

الرابط المختصر :