; بعد تعيين مالك ومقتل مرباح.. الصراع في الجزائر يدخل مرحلة حاسمة | مجلة المجتمع

العنوان بعد تعيين مالك ومقتل مرباح.. الصراع في الجزائر يدخل مرحلة حاسمة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993

مشاهدات 54

نشر في العدد 1064

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 31-أغسطس-1993

تطورت الأحداث في الجزائر بشكل ينبئ بدخول الصراع مرحلة حاسمة فقد تزامن تصعيد العمليات العسكرية ضد الحكومة مع تصفية حسابات سياسية داخل السلطة «عزل بلعيد عبدالسلام وتعيين رضا مالك رئيس حكومة جديدًا» أو بين السلطة ورموز سياسية «معارضة اغتيال قاصدي مرباح مسؤول حزب الحركة الجزائرية للعدالة والتنمية» في ظل استقطاب فرنسي أمريكي بدرجة أولى.

بوضياف ومرباح

وقد أعاد اغتيال قاصدي مرباح (واسمه الحقيقي عبدالله خلف) إلى الذاكرة عملية اغتيال الرئيس الجزائري السابق محمد بوضياف يوم ٢٩ يونيو من العام الماضي والظروف التي تم فيها. فالرجلان يعتبران من الرموز السياسية التاريخية الذين تابعوا مسيرة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي مع الفارق بأنه إذا بقى بوضياف مغمورًا حتى اعتلائه سدة الحكم على رأس المجلس الأعلى في ١٤ يناير ۱۹۹۲م بصفة مفاجئة، فإن مرباح شارك في الحياة السياسية وبالتحديد على رأس قطاع حساس «الأمن العسكري» في عهد بومدين ثم أمينًا عامًا لوزارة الدفاع وتولى مهام أخرى في عهد الشاذلي بن جديد قبل أن يتولى رئاسة الحكومة بعد الأحداث الدامية في تشرين الثاني عام ۱۹۸۸م. وحتى بعد عزله في أيلول ۱۹۸۹م وتعويضه بمولود حمروش لم ينسحب عن الساحة السياسية بل كون حزبًا معارضًا (الحركة الجزائرية للعدالة والتنمية «مجد»).

من ناحية أخرى فإن الطريقة التي تم بها اغتيال الرجلين «كومندوس محترف» تدل على أن الرجلين محرجان- كل في زاويته- للأطراف الممسكة بزمام اللعبة السياسية في الجزائر والمقصود بذلك قيادة المؤسسة العسكرية والطرف المتشدد في السلطة والذي انتهز ثلاثة عقود من الحكم الفردي وعقلية الحزب الواحد لتكريس مصالحه والإثراء الفاحش على حساب اقتصاد البلاد ونهضتها. لكن إذا كان بوضياف قد فتح جبهة تطهير الحزب الحاكم وهياكل السلطة من الفساد السياسي في نفس الوقت الذي فتح جبهة سحق المعارضة الإسلامية فإن مرباح- كما أوضحت صحيفة ليبراسيون الفرنسية- كان مناصرًا لمسألة المصالحة الوطنية، وناضل بشكل علني من أجل «حوار» مع الإسلاميين من أجل إقامة سلم مدني في الجزائر وعبر عن تحفظاته إزاء إلغاء انتخابات ٢٦ كانون الأول (ديسمبر) ۱۹۹۱م التي فازت خلالها الجبهة الإسلامية «الإنقاذ» التي تم حلها في آذار (مارس) ۱۹۹۲، وفي خطاب أخير دعا مرباح الإسلاميين الذين يشعرون بتضررهم من سلطة اكتسبوها عبر الاقتراع إلى الإيقاف الفوري للصراع الأخوي إذا كانوا متمسكين فعلًا بمبادئ الإسلام، كما دعا الأحزاب إلى عدم «إدراج الجيش في الصراع السياسي».

غلق باب الحوار

ويرى العديد من المراقبين وجود علاقة بين عزله عام ۱۹۸۹م واغتياله أخيرًا فتضايق الأطراف المتشددة من نشاطه السياسي ليس وليد اليوم فبالإضافة إلى إمساكه بأسرار خطيرة بحكم مهمته على رأس المخابرات العسكرية حتى عام ١٩٨٩م فإن تقاربه مع الإسلاميين لم يكن محل رضا هذه الأطراف التي رأت فيه محاولة للوصول إلى رئاسة الجمهورية وبالنظر إلى التطورات السريعة في الوضع الجزائري، فإن كل الاحتمالات واردة واغتيال مرباح بعد ساعات من تعيين «رضا مالك» على رئاسة الحكومة خلفًا لعبدالسلام بلعيد يطرح العديد من الإشكاليات.

فوزير الحكومة الجديد معروف بتشدده ضد الإسلاميين وتعيينه في هذا المنصب بعد زيارته الأخيرة لباريس يؤكد مضي السلطة بمساعدة وتشجيع غربي- فرنسي بالخصوص- في المواجهة مع المعارضة الإسلامية المسلحة وفي مزيد من قطع الطريق أمام الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإذا تم الربط بين مواقف مرباح ودعوته للمصالحة والحوار واغتياله فإن الاحتمال القوي هو أن تصفية زعيم حزب «مجد» المعارض سيزيل عقبة رئيسية أمام مرحلة الحسم مع الإسلاميين في خطة النظام الجديدة المملاة من المتابعين عن قرب للشؤون الجزائرية.

ومعلوم أن وفدًا من مجلس الشيوخ الفرنسي زار أخيرًا الجزائر ورجع متشائمًا من الوضع هناك ثم إن تصريح وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه إلى إذاعة «أوروبا»، كشف بوضوح عن طبيعة سياسة فرنسا تجاه الجزائر حيث قال: «إن الوضع الراهن غير محتمل وإنه مقلق للغاية»، وأضاف: «إن موقف فرنسا واضح للغاية ليست هناك مكاسب من التطرف الديني» وعلق على اغتيال بعض الصحفيين والمثقفين الفرنكفونيين بقوله: «إننا لا نسمح بعمليات اغتيال هذه النخبة من حملة الثقافة الفرنسية الذين درسوا ثقافتنا ومبادئنا وقيمنا الحضارية ويدافعون عنها». وهو نفس الموقف لوزير الثقافة الفرنكفونية «تويون» ولموقف وزير الداخلية «باسكوا» الذي صرح بأنه مستعد لأن يتكفل بإيواء كل المثقفين الفرنكفونيين المهددين بالقتل هم وعائلاتهم في فرنسا.

من جهة أخرى صرح «رضا مالك» بعد زيارته لباريس بصفته وزيرًا للخارجية في ذلك الوقت بأن فرنسا ستدعمنا في حربنا ضد الإرهاب والتطرف الديني وأن هناك تنسيقًا كبيرًا بيننا من أجل القضاء على العدو المشترك.

كل هذه المعطيات توضح أن المعركة ضد الإسلاميين دخلت مرحلة حاسمة وأن الطرف المتشدد في السلطة الجزائرية المدعوم من قيادة المؤسسة العسكرية ومن القوى الخارجية قد راهن على تصعيد الحل الأمني وبدون شك فإن هذا الحلف الثلاثي يجتهد في الإسراع بتحقيق الضربة القاضية- حسب زعمه- للمعارضة الإسلامية المسلحة على عكس ما يوحي به الواقع الجزائري «تمرد عسكري في العديد من الثكنات- تصاعد العمليات الجهادية- انضمام الشباب إلى المجموعات المسلحة في المدن والجبال».

وقد تكون التخوفات من احتمال نشر أسرار عن المؤسسة العسكرية- الحاكم الفعلي في الجزائر- وراء عملية الاغتيال، ثم إن الظروف الحالية المتسمة بانفلات الأمن وتوتر الأوضاع على كل المستويات تساعد على تصفية الحسابات بين الأطراف المتصارعة داخل السلطة وبين السلطة ورموز المعارضة وإلقاء المسؤولية على المعارضة الإسلامية، وتعكس قراءة بعض الصحف المحلية أو الدولية هذا التوجه عن طريق اتهام الجاني بتورط الإسلاميين في عملية اغتيال مرباح مثلما حصل في اغتيال بوضياف الذي تم بعد يومين من محاكمة سبع قيادات من الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مدينة بليدة.

بيد أن هذا الاهتمام الإعلامي ومن ورائه الانشغال السياسي بتطور الأوضاع في الجزائر مؤشر لتهيؤ منطقة المغرب الإسلامي لتحولات كبيرة انطلاقًا من التغيير المتوقع في أكبر قطر يقع في قلب المنطقة.


اقرأ أيضًا:

الجزائر: الموقف الأمريكي تجاه الجزائر هل يتغير؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل