; بعد ربع قرن من مبادرة السادات.. تساؤلات مشروعة وملحّة | مجلة المجتمع

العنوان بعد ربع قرن من مبادرة السادات.. تساؤلات مشروعة وملحّة

الكاتب حازم غراب

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 36

السبت 30-نوفمبر-2002

مرت يوم التاسع عشر من نوفمبر الذكرى الخامسة والعشرون لما سمي مبادرة السلام مع العدو الصهيوني، تلك الخطوة التي فاجأ بها الرئيس المصري السابق أنور السادات شعبه وأمته العربية والإسلامية عام ١٩٧٧، وقادت إلى توقيعه منفردًا معاهدة كامب ديفيد مع المغتصِب الصهيوني.

وجاءت هذه الذكرى المريرة في ظل انتفاضة الأقصى، لتكشف للأجيال الجديدة ما آلت إليه فعلة أولئك الذين هانوا في ابتغاء مرضاة العدو، بمن فيهم المناضلون السابقون في منظمة التحرير الفلسطينية. لا شك أن الجميع أيقنوا الآن أن الرهان على صدق وعود وعهود اليهود المغتصبين ورعاتهم الأمريكيين لم يثمر إلا دماًء وقتلًا ومزيدًا من الخراب والطغيان.

ترى.. ماذا يقول كل من خططوا ونفذوا عمليات الغسل الإعلامي المكثفة للعقل المصري والعربي، من أجل القبول بما سمي «خداعًا» عملية السلام؟

هل كان الكيان الصهيوني يستطيع أن يعيث في مصر فسادًا، في الزراعة والصناعة والأخلاق والتعليم والتجارة، لولا المبادرة ومن بعدها اتفاقيات التطبيع الست والعشرون المنصوص عليها في معاهدة كامب ديفيد؟

 

هل ينكر أحد أن المعاهدة لم تثمر على المستوى الاستراتيجي العربي، إلا المزيد من تمزيق وإضعاف الأمة طيلة ربع قرن من الزمان، بينما أمّن الكيان الصهيوني بها نفسه واستغلها ومساندوه في التخريب المادي والمعنوي للأمن القومي والشخصية المصرية والعربية؟

أليست كامب ديفيد وقبل أن يجف مدادها هي التي أتاحت للصهاينة ضرب المفاعل النووي العراقي «وكان رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك مناحم بيجن ضيفًا قبيل العملية بساعات على السادات»؟

ألم يشجع الاطمئنان الصهيوني إلى خروج مصر أو إخراجها من صفها العربي على غزو جيش الاحتلال جنوب لبنان واقتراف السفاح شارون أبشع مجزرة لأهلنا في صابرا وشاتيلا عام ١٩٨٢؟

هل كان يمكن بدون مبادرة السادات إقامة علاقات «إسرائيلية» سياسية واقتصادية علنية أو سرية، كاملة أو شبه كاملة، مع عدد غير قليل من الدول العربية في مرحلة لاحقة؟

أما على المستوى الإقليمي، فهل كانت «إسرائيل» تحلم بإقامة علاقات استراتيجية ودبلوماسية في إفريقيا وآسيا وكسر الحصار والقطيعة من جانب معظم دول العالم الثالث المتعاطف والمؤيد لعدالة القضية الفلسطينية؟

وفي فلسطين ذاتها، ألم يتزايد شعور كل أجهزة وقوات الأمن الداخلي الصهيوني بالقوة بعد كامب ديفيد، ومن ثم انفردت بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة وأعملت فيهم أبشع وسائل الضغط والتعذيب، وسمع العالم وشاهد لأول مرة تكسير عظام الشبان والصبية الفلسطينيين في انتفاضة عام ١٩٨٧م؟

ألم يضاعف الاحتلال تحت رايات السلام المزعوم زرع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية؟

ألم تكن كامب ديفيد السبب في جر قيادات منظمة التحرير إلى طريق مدريد وأوسلو عام ١٩٩١م، بمنطق أن التنازل عن الأرض الفلسطينية سيقابله السلام من جانب «إسرائيل»؟!

ألم تتحايل «إسرائيل» منذ إسحاق شامير ومرورًا بنتنياهو ثم باراك وإلى شارون، للتملص من تنفيذ كل تعهداتها واتفاقاتها مع المنظمة، استنادًا إلى كونها أضحت كيانًا متهالكًا وفي الوقت الذي أصبحت فيه بلا ظهر عسكري يسندها؟

هل حصلت القيادة الفلسطينية على دولة بعاصمة في القدس أو حتى في أبو ديس؟ هل سمحت «إسرائيل» مع المقابل الكبير الذي قدم لها، بعودة اللاجئين من مشردي نكبة ١٩٤٨ أو ما تلاها منذ احتلال الضفة وغزة والقدس في نكسة 1967م؟.

هل استرد المسلمون الأقصى الرازح تحت وابل الاعتداءات والحفريات؟ ألم يوضع حجر أساس الهيكل المزعوم في حرم المسجد بحماية حكومة وقوات شارون في صيف عام ٢٠٠١؟

هل ثمة شك في أن ما يقاسيه الفلسطينيون بمن فيهم السُلطة من جرائم العدو حاليًا ثمرة من ثمرات العلقم التي زرعت شجرتها مبادرة السلام المزعوم وما تلاها؟

هل نحن بحاجة إلى التذكير بما تضخه كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرومة منذ أواخر عام ٢٠٠٠ من أخبار وصور دامية للمعاناة الفلسطينية اليومية؟

هل كان يمكن لقوات الاحتلال استخدام طائرات إف ١٥ و١٦ والمروحيات والصواريخ والقنابل والدبابات والجرافات ضد الفلسطينيين لو كانت القوات المسلحة المصرية والسورية والأردنية والعراقية على حالها قبل اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة؟

ترى هل كان من الممكن أن يحدث كل ذلك الذي حدث طيلة ربع القرن المنصرم لو لم يُخرج السادات مصر من حلبة الصراع بتوقيع معاهدة السلام المزعوم؟

إن البعض يرُد ببراءة: وهل كان أمام السادات طريق آخر كي يرفع عن المصريين المأزومين حتى النخاع، بعضًا من معاناتهم الحياتية المستمرة منذ ما قبل هزيمة يونيو ١٩٦٧، في الوقت الذي أدى فيه انتصار 1973 إلى مزيد من ثراء الدول النفطية؟

 

أهمية الديمقراطية

وقبل تناول هذا السؤال بالتحليل أتوقف قليلًا للتذكير بأهمية الديمقراطية كمحور استراتيجي في إنهاء النزاع مع العدو الصهيوني وتحقيق النهضة المنشودة لأمتنا.

فالديمقراطية في رأيي في حجر الزاوية في قضية مبادرة السادات، وفي التعامل العربي مع قضية فلسطين عمومًا منذ اغتصاب اليهود لها. ولست أبالغ إذا قلت: لو أن الشعوب العربية مارست الديمقراطية، لأمكن إنهاء الصراع مع العصابات الصهيونية في بداياته الأولى.

وسأقصر حديثي على التجربة السياسية المصرية، والقياس وارد بالطبع على معظم الدول العربية.

إن الديمقراطية بأضلاعها الثلاثة: حرية تكوين، وتعدد الأحزاب، والانتخابات النزيهة، والإعلام الحر، لو وجدت لكانت كفيلة بكشف ومقاومة وتجنب الاهتراء والإهمال والفساد الذي تمرغت فيه القيادات السياسية والعسكرية وأدى لهزيمة ٦٧، إذ كيف تنتصر عصابات بني صهيون حديثة العهد بالعسكرية والدولة، على جيش وصفه إعلام «ناصر» قبيل النكسة بأيام بأنه أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط؟

لو وجدت الديمقراطية حقًا في مصر في عهد السادات لما أفرغ انتصار أكتوبر ٧٣ من معناه ولما ضیعت آثاره الإيجابية على المصريين والعرب، ولتصدى ممثلو الشعب المنتخبون بحق وبنزاهة، ومعهم الإعلام الحر لأي شطحات -سميت مبادرات- سرعان ما تلقفها الأعداء لتحقيق ما لم ينجحوا فيه بالحرب. هل نذكر كيف تخلص السادات بمنتهى عنف السُلطة من رجالات المعارضة السياسية داخل مجلس الشعب آنذاك ولم يحتمل مناقشاتهم وكتاباتهم ضد المبادرة ثم المعاهدة؟. وهل تذكر كيف طارد الصحافة والصحفيين ممن كتبوا ضد المبادرة والمعاهدة وسلّط عليهم وزير داخليته وأجهزة دعايته؟.

هل تذكر تمثيلية الاستفتاءات واستصدار الفتاوى الدينية من علماء رسميين بالأمر المباشر لتسويغ المبادرة والمعاهدة بتطويع وتأويل فاسد لآيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ؟

وأخيرًا.. لما شعر السادات أن كل ذلك لم يفلح في تجريع الناس عسل المبادرة المسموم المتجسد فيما سمي بتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، لم يتوان في استخدام عصا الأمن الغليظة فأعتقل كل رموز المعارضة المصرية من أقصى اليمين لأقصى اليسار بمن في ذلك علماء الإسلام والصحفيون بل ووزير من وزرائه تجرأ وعارض توجهاته مع العدو؟.

ونأتي إلى أكبر محاولة لغسل دماغ الشعب المصري لتبرير وتمرير المبادرة، أي تصوير الحال بعدها وقد تحول إلى رخاء وثراء يعم البلاد والعباد، فلا ميزانية حرب ولا إنفاق عسكريًا ضخمًا، لأن حرب أكتوبر كما كان يقول السادات في آخر الحروب!!.

الديمقراطية الحقيقية -وهنا نقترب من الإجابة عن السؤال المؤجل- كانت كفيلة بضمان حُسن إدارة الدولة لمواردها الطبيعية والبشرية، وبقطع دابر الفساد والنهب المنظم للثروات في القطاع العام والبنوك والمرافق وسفه الإنفاق البذخي العام.

الديموقراطية كانت وستظل وسيلة لتحقيق استقرار سياسي فعلي يجذب رأس المال العربي والأجنبي للبلاد، بدلًا من الهجرة إلى أوروبا وأمريكا، خشية تقلبات مراكز القوى داخل الحزب الواحد، وأخطار التجارب الشيوعية والاشتراكية الخائبة، والفساد والإتاوات وشبح التأميم وغيره من طبائع حكومات الاستبداد.

 

 

تقصير عربي

لا شك أن العديد من الدول العربية قصر في تأدية واجب التكافل والدعم للشعب المصري عقب انتصارات أكتوبر، وللحق فقد كان للبعض مساهمات لا بأس بها، كما كان البعض معذورًا في تخوفاته من أن كثيرًا مما قد يدفع للحكومة يتسرب إلى جيوب رسمية أو شبه رسمية، لكن ذلك لم يكن ليعفي في رأينا من البحث عن وسائل لإنقاذ أحوال المصريين الذين أنهكتهم الحروب العديدة من أجل فلسطين والأقصى الشريف.

ولا يتصور أحد أنه يتفضل على مصر إن هو أدى واجب التكافل تجاهها في وقت الأزمات، ففي مصر وبشهادة رسول الله ﷺ خير أجناد الأرض، وهي درع المنطقة ضد الغزاة عبر التاريخ، وليتذكر الجميع أن ما يدوم بين الشعوب هو الخبرات الحضارية والعلاقات المبنية على الاحترام المتبادل وقواعد الشرع الإسلامي.

لقد لعب الأمريكيون على وتر الفقر المصري، وكذا لعبت الرأسمالية اليهودية العالمية، وأقنع الطرفان السادات أنه مقابل مبادرته واعترافه بـــ «إسرائيل» وتطبيع العلاقات معها سوف تنهمر على مصر معوناتهم واستثماراتهم، وللأسف لم يتحقق من وعود الأمريكيين إلا النذر اليسير وقد حرصوا على أن يأخذوا باليسار ما قدموه باليمين.

والخلاصة أن طريق المبادرة والتطبيع الذي أختاره السادات للخروج من أزمات مصر الاقتصادية لم ينته بها إلى الرخاء ولا بالمنطقة العربية إلى السلام، بل أسهم في تقوية شوكة «إسرائيل» وها هي تصول وتجول في أوطان العرب سرًا وعلانية وتلغ في دماء الفلسطينيين ليل نهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل