; بعد رحيل نواز.. الفراغ السياسي في باكستان يزداد اتساعًا | مجلة المجتمع

العنوان بعد رحيل نواز.. الفراغ السياسي في باكستان يزداد اتساعًا

الكاتب رأفت يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

القوى الإسلامية أمامها فرصة كبيرة لكن استثمارها يحتاج إلى تغييرات داخلية مهمة

رأفت يحيى

مثل كرات الثلج التي تنهمر فجأة على باكستان في شهر أغسطس المعروف بشمسه الحارقة، بدا المشهد السياسي الباكستاني على هذا النحو من التفرد عقب رحيل أو ترحيل «السجين» رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف فجأة من زنزانته بأحد السجون الباكستانية ترافقه عائلته إلى خارج البلاد، وحصل نواز شريف على عفو قضائي نظير تخليه عن العمل السياسي في بلاده وحتى إشعار آخر، إضافة إلى تنازله للدولة عن حصة معتبرة من ثروته التي تقدر بالمليارات والتي يشكك البعض في أن نواز استخدم سلطاته في تكوين جزء كبير منها.

الأبعاد السياسية لترحيل نواز

شكل هذا الحادث بكل مضامينه وانعكاساته مفصلًا مهمًا في الحياة السياسية الباكستانية، مما قد يؤسس لمرحلة جديدة من العمل السياسي مغايرة لتلك التقليدية التي عرفتها باكستان على مدار الثلاثين عامًا الماضية والممثلة بالأساس في النظام الحزبي ثنائي القطبية أي حزب الرابطة الإسلامية الذي تزعمه نواز شريف، وحزب الشعب الباكستاني الذي تقضي زعيمته بنازير بوتو منفي اختياريًا بعيدًا عن زوجها أصف زرداري الذي يقضي عقوبة السجن بتهمة الفساد والتورط في اغتيال شقيق زوجته مرتضى بوتو، هذا فضلًا عن الطاف حسين زعيم حركة المهاجرين القومية الذي اختار لندن منفي اختياريًا له، ومن ثم فان المسرح السياسي الباكستاني بدا خاليًا من الرموز التقليدية المهمة التي اعتاد عليها رجل الشارع اللهم إلا قادة الجماعات الإسلامية وتحديدًا الجماعة الإسلامية، إضافة إلى بعض القيادات الصاعدة وإن كانت لا تزال في طور التشكيل وتفتقر إلى الكاريزما السياسية كعمران خان.

ومن ثم فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بقوة على المستوى العام والخاص داخل باكستان هو: من يملأ هذا الفراغ السياسي في البلاد؟ وهل هناك ثمة قيادات جديدة يمكن أن يسهم في فرزها وتشكيلها هذا الواقع السياسي بعيدًا عن النعرات القومية والعرقية وسلطة المال؟ وهل حان الوقت لتتقدم القوى الإسلامية إلى المواقع الأمامية في الصفوف أو على الأقل تقترب منها مثلما حصل في بعض الدول العربية والإسلامية أم أن المناخ العام لم يتوافر بعد لإحداث التغيير المطلوب، وأن الواقع السياسي سيظل متقزمًا في بياته الشتوي لعقد آخر، وربما أكثر في ظل سيطرة الجيش على كل الأمور السياسي والعسكري منها على السواء؟ وتقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة الوقوف أولًا على طبيعة النظام السياسي الباكستاني، وموقع الجيش في هذا النظام وكيف فشلت تجربة نواز شريف وبنازير في الاستمرار بالسلطة.

النظام السياسي وموقع العسكر منه

يشبه النظام الباكستاني إلى حد كبير العربة التي تجرها ثلاثة خيول رئيس الوزراء ورئيس الدولة والجيش، وكلما كانت العلاقة بين الأطراف الثلاثة قائمة على الانسجام والتناغم كانت فرصة الاستقرار السياسي مرشحة للاستمرار فترة أطول من الوقت وتظل مكانة الجيش الرقم الصعب والأهم في هذه المعادلة، إذ إن من يحظى بدعم الجيش يكون قد عزز مواقعه أكثر، وهذا يقتضي عدم المساس بميزانية الدفاع، أو الإخلال بالثوابت الوطنية، وأهمها البرنامج النووي، والقضية الكشميرية، والعلاقات مع الجوار الإقليمي، سواء الهند أو أفغانستان، حيث يفضل الجيش علاقات قوية مع طالبان، أما في الشأن الداخلي وعلى العكس من الجيش التركي الذي يدعم العلمانية ويتربص الدوائر بكل ما له صلة بالإسلام فإن الجيش الباكستاني يرى من الضروري الحفاظ على هوية باكستان الإسلامية التي على أساسها قامت البلاد، ويعتقد أن أي تفريط في هذا الجانب يعد تهديدًا للأمن القومي الباكستاني، ولذا لا تستغرب في كثير من الأحيان حالة الانسجام بين الجيش والقوى الإسلامية الباكستانية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بأفغانستان أو كشمير.

صعود وانهيار نواز وبنازير

لو عدنا إلى السنوات العشر الماضية، لبدا لنا أن كلًا من نواز شريف وبنازير بوتو فشل في أن يستمر في السلطة لأكثر من ثلاث سنوات، ولعل تجربة نواز شريف الأخيرة مع الجيش، والتي أفضت إلى سجنه ورحيله عن البلاد مثالًا واضحًا.

ومن الأمور المتعارف عليها أن الجيش الباكستاني في عهد ضياء الحق هو الذي دفع بنواز شريف إلى العمل السياسي ودفع به إلى مقدمة الصفوف في فترة وجيزة حتى أصبح رئيسًا للوزراء عام ١٩٩٠م، وعمره لم يتجاوز ٤٢ عامًا، وعندما اكتسب نواز شريف قدرًا من الخبرة السياسية وحقق فوزًا كاسحًا في انتخابات ٩٧م على منافسته بنازير، حاول أن يغير من قواعد اللعبة السياسية التقليدية بإزاحة رئيس الدولة الذي كان ينتمي لحزب مناوئ، وانتخاب آخر من أتباعه ولم يكتف نواز بذلك، بل دفعه غروره إلى محاولة تجاوز كل الخطوط الحمراء بتهميش دور الجيش  الذي ساهم في صنعه» وإثارة الفرقة بين قادته، والتهاون في الثوابت التي استقر عليها الجيش ومجمل الشعب، خاصة فيما يتعلق بالقضية الكشميرية ومحاولة إبرام صفقة مع بيل كلينتون تضر بطموحات الشعب الكشميري، الأمر الذي لم يقبله الجيش لتتطور الأحداث وتصل ذروتها عندما حاول نواز شریف التخلص من رئيس الأركان وهو على متن طائرته لتؤول الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. 

واقع الأمر بالنسبة لبنازير بوتو لا يختلف كثيرًا، ففي عام ٨٩م حققت فوزًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية، لكنها لم تستمر لأكثر من عام بقليل بعد أن اصطدمت مع الجيش في قضايا تتعلق بالأمن القومي حول كشمير والسلاح النووي والعلاقة مع الهند. وفي عام ٩٣م تهيأت لها فرصة أخرى عندما حققت أغلبية لا بأس بها في البرلمان كما حظيت بتأييد رئيس الدولة باعتباره من حزبها، غير أن غرورها ورغبتها الجامحة في السيطرة على كل الأمور أدخلاها في معارك جانبية مع الجميع بما في ذلك شقيقها الذي اغتيل على يد بعض رجالها وتورط زوجها في عمليات اختلاس واسعة بصورة أسهمت في تدمير شعبيتها، ومن ثم دخولها في معارك قضائية أفضت في النهاية إلى المحصلة التي بلغها نواز شريف ما بين نفي وسجن لها ولزوجها.

من يملأ الفراغ؟

بعد غياب أو تغييب كل من نواز شریف و بنازير بوتو، بدا المسرح السياسي خاليًا من الرموز التقليدية التي ساهمت في بروزها اعتبارات عائلية مثل بنازير بوتو التي اقتحمت العمل السياسي عبر الشخصية الكاريزمية التي تمتع بها والدها ذو الفقار علي بوتو فضلًا عما كان لدى بنازير من مؤهلات شخصية عززت من دورها في الممارسة السياسية، أو اعتبارات لها صلة بالجيش وسلطة رأس المال والبعد العرقي التي ساهمت بشكل فاعل وأساسي في صعود نجم نواز شريف في عالم السياسة وبسرعة مذهلة رغم افتقاره إلى المؤهلات الشخصية، لذلك كما يردد ذلك أكثر المقربين منه حتى بعد توليه منصب رئاسة الوزراء مرتين فقد امتلك نواز ثروة طائلة ووقف الجيش من خلفه في البداية كما ذكرنا، فضلًا عن أنه حظي بدعم غالبية القومية البنجابية التي تمثل أكثر من ٥٠٪ من الشعب الباكستاني. 

هذه الاعتبارات السابقة لا تبدو متوافرة على ما يبدو الآن بين أحد من قيادات الصف الثاني التي حرص قادة الأحزاب الرئيسة على تغييبهم وتهميشهم وعدم تأهيلهم لملء الفراغ في حال غيابهم عن الساحة، ومن ثم نلحظ حالة من التفتت والتآكل التي تمزق الحزبين الكبيرين الشعب والرابطة، لكن البعض يراهن على أن تنفيس حالة الاحتقان السياسي مع رحيل نواز عن البلاد ربما يدفع الحكومة العسكرية إلى تهيئة الأجواء من جديد لعودة الديمقراطية إلى الشارع الباكستاني مما قد يسهم في بروز نموذج جديد من القيادات الوطنية لملء الفراغ السياسي الحاصل في البلاد وهو أمل يبدو غير قريب في الأفق.

أين القوى الإسلامية؟

يبقى سؤال أخير وهو أين تقف القوى الإسلامية مما يجرى؟ وما نصيبها في المعركة السياسية القادمة وخاصة أن الظروف السياسية في باكستان ربما تعد استثناء في العالم الإسلامي، فالقوى الإسلامية مسموح لها بتشكيل أحزاب سياسية فضلًا عن ممارسة نشاطها سواء الدعوي أو السياسي بحرية تبدو كاملة غير منقوصة، ومع ذلك لم تحصل على أكثر من ٣-٤ مقاعد في البرلمان، في الوقت الذي نلحظ فيه قوى إسلامية أخرى تعاني ملاحقة ومطاردة وحرمانًا من أبسط الحقوق السياسية كتشكيل حزب سياسي ومع ذلك باتت تشكل القوة الثانية في بلادها، ومن ثم فإن ما تحتاجه القوى الإسلامية في باكستان هو إعادة النظر في برامجها السياسية والدعوية، والاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المضمار، وإلا فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة نسجتها حول نفسها رغم الفراغ السياسي الكبير المحيط بها والذي إن لم تسمع لملء جزء منه على الأقل، فإن آخرين سيملؤونه حتمًا.

الرابط المختصر :