العنوان بعد عامين على الاحتلال الأمريكي.. بلاد الرافدين غارقة في كل صنوف الجريمة
الكاتب د. أكرم المشهداني
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1983
مشاهدات 67
نشر في العدد 643
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-نوفمبر-1983
• السرقات ازدادت بنسبة250%، وجرائم القتل اختلطت بحوادث الانتقام والثأر والتصفيات.
• 50 جثة تستقبلها مشرحة بغداد يوميا من جراء جرائم القتل التي ارتفعت عشرة أضعاف.
عامان مرا على احتلال العراق، وأحوال المجتمع العراقي المعيشية - وبخاصة الأمنية منها - تشكو من جملة أزمات، وفشل سلطة الاحتلال «سواء عن عمد أو عن خطأ في الحسابات! فكلاهما سيئ ومر» في ضبط الحالة الأمنية في البلاد، فانتشرت الفوضى وأعمال النهب والسلب والتخريب وجرائم القتل والاغتيال، ومع تأخر وتقصير سلطة الاحتلال عن تحمل مسؤولياتها كقوة احتلال بموجب اتفاقيات جنيف في اتخاذ إجراءات جادة حقيقية لحفظ الأمن، فقد تنامت الجرائم، وشاعت الفوضى.
كانت الحالة أكبر من قدرة أي جهاز أمنًا على حفظ الأمن والنظام في البلاد التي مزقها الاحتلال، ودخول مليشيات متنوعة من خلف الحدود المستباحة، وانفلات الأمور عن السيطرة، فاختلطت الجريمة العادية بالجريمة الإرهابية والسبع الانفلات الأمني جغرافيا ليشمل معظم مدن العراق، وأتى على الممتلكات العامة والخاصة وحصد أرواح كثير من الناس، ولم تسلم على الآثار من السرقة والتدمير تحت بصر قوات الاحتلال التي انشغلت بحماية وزارة النفط، وتأمين مواقعها الجديدة، فتغافلت عن حماية المرافق العامة أو بسط الأمن في الشارع العراقي وتركته نهبًا للصوص، وللعصابات المنظمة التي تم تشكيلها وسط هذه الظروف وتمتلك أسلحة تهاجم بها من يعترض طريقها، فأخذت السرقات والجرائم طابعًا منظمًا.
الخلل الكبير!
وشهدت الأشهر التالية للاحتلال تصاعدًا مطردًا في الجرائم، حتى اضطر الحاكم الأمريكي بول بريمر في ١٧ أكتوبر ٢٠٠٣م إلى توجيه رسالة إلى العراقيين أقر فيها بتصاعد الجرائم وتدهور الأمن العام، وعزا انتشار الجريمة إلى ما قام به النظام السابق من إطلاق سراح مئة ألف مجرم، لكن هذا الإقرار لم يقترن بإجراءات جدية للحد من تنامي الجرائم. وبالرغم من أن الأجهزة الحكومية العراقية «من شرطة وقضاء» تبذل جهودًا مضنية في سبيل تحجيم الجريمة والانحرافات السلوكية في المجتمع العراقي. إلا أن الخلل الكبير الذي أحدثه الغزو الأمريكي لا يمكن أن يزال إلا برحيل الاحتلال وممارسة السلطات العراقية مهامها في حفظ الأمن دون تدخل أو عرقلة من الاحتلال أو الجهات الغربية الأخرى التي تلعب وتنفذ أجنداتها في الساحة العراقية.
الانفلات الأمني!
ويمكننا أن نحصر أهم أسباب انتشار الجريمة في ظل الاحتلال بحالة الانفلات الأمني المقصود وعدم ممارسة قوات الاحتلال مسؤولياتها القانونية الدولية كقوة احتلال في اتخاذ إجراءات جدية لضبط الأمن في المدن العراقية، بل إنها منعت الشرطة من مزاولة عملها، وحتى حين اضطرت لإعادتها فبإمكانات ضئيلة ومنعتها من حمل السلاح وعدم توفير مستلزمات عملها وصار المجرم أكبر إمكانية من رجل الشرطة، إضافة إلى خلية الشرطة من سطوة المجرمين وعدم وجود غطاء جدي حقيقي لحماية رجل الشرطة في الشارع، وضعف فاعلية الجهاز القضائي نتيجة أعمال الاغتيال والتصفيات الجسدية، مما أدى إلى تردد القضاة في إصدار القرارات الرادعة بحق المجرمين، وتدخل سلطات الاحتلال في إدارة المعتقلات العراقية وإطلاق سراح أعداد كبيرة من المجرمين أو الموقوفين عن قضايا جنائية وبخاصة بعد فضيحة سجن أبو غريب، وهذا ما المشتكى منه رئيس محكمة جنايات الكرخ صراحة، وكذلك انفلات الحدود واستباحتها من كل الجهات دخولًا وخروجًا وسهولة إدخال العناصر الإجرامية، وكانت القوات الأمريكية تتفرج.
بالتأكيد إن قيام النظام السابق بإطلاق سراح ألوف المجرمين من السجون قبيل قيام الحرب على العراق وبينهم محترفون للإجرام محكومون في قضايا كثيرة، أدى إلى تنامي معدلات الإجرام، ومن الجدير بالإشارة هنا أن الوزراء الثلاثة الذين تعاقبوا على وزارة الداخلية العراقية أقروا صراحة بدخول عناصر إجرامية ومن المحترفين إلى جهاز الشرطة نتيجة التسرع في قبول أعداد كبيرة منهم في الشرطة بدون التدقيق في ماضيهم الإجرامي مما كان له وأثر سلبي وخطير على الأمن. كذلك اختلاط أعمال المليشيات الإرهابية «الاغتيالات والتصفيات» مع الجريمة العادية «الخطف والسرقة المقترنة بالقتل» بل إن بعض المليشيات الحزبية جند عناصر من المجرمين المحترفين للقيام بالأعمال التي تكتفها بها مقابل المال.
تنوع الجرائم!
لقد شهد المجتمع العراقي في ظل الاحتلال الأمريكي تحولًا «كميًا» و«نوعيًا» في الإجرام، فمن الناحية الكمية ازدادت معدلات الجرائم الواقعة ومن كل الأصناف عما كان مسجلًا قبل الاحتلال، فقد ازدادت السرقات بنسبة 250%، وجرائم القتل اختلطت بحوادث الانتقام والثأر والتصفيات، والقتل المقترن بالسرقة والخطف، وجاء في التصريح المسؤول الطب الشرعي ببغداد «أن مشرحة بغداد تستقبل يوميًا حوالي (٥٠) جثة لتشريع من مختلف الإصابات ومعظمها مطلقات نارية، في حين كانت تستقبل من 504 جثث في اليوم الواحد قبل الحرب أي أن جرائم القتل ارتفعت عشرة أضعاف ما كانت عليه. ومن الناحية النوعية فقد دخلت إلى القاموس الجنائي العراقي أنماط جديدة من الجرائم وبأساليب جديدة لم يألفها من قبل فالجريمة بانت أقرب إلى التنظيم «جريمة منظمة» والعصابات الإجرامية تسرح وتمرح في ظل غياب الأجهزة الأمنية، أو عدم فاعليتها إن وجدت لأنها تخشى سطوة المجرمين ونفوذهم وإمكاناتهم التي تفوق إمكانات الشرطة الجديدة وتفشي الفساد الإداري.
ومن أبرز الأنماط الإجرامية المستحدثة في المجتمع العراقي في ظل الاحتلال:
-تشكل العصابات المسلحة وأي نزوع الجريمة نحو التنظيم والعنف المسلح واستخدام التخطيط الإجرامي والإعداد والتسليح.
-جرائم خطف الأشخاص وبخاصة الأطفال والفتيات من العوائل الثرية بهدف الابتزاز والمساومة والتهديد بقتل المخطوف وحصل فعلًا قتل العديد من المختطفين لتأخر التسليم الفدية المالية المطلوبة أو لإبلاغ الشرطة بالأمر.
-جرائم السطو المسلح على الممتلكات العامة والخاصة، ومنها المصارف ومحلات الصاغة والمتاجر.
-انتشار جرائم الاتجار والتهريب والتعاطي للمخدرات والمؤثرات العقلية واتخاذ الأراضي العراقية معبرًا للمخدرات من إيران وتركيا باتجاه دول أخري.
-انتشار جرائم تزوير المستمسكات والوثائق والعملات سواء لاستخدامها من قبل أفراد العصابات للتمويه أو لبيعها لطالبيها من الناس.
-بروز جرائم الآداب والدعارة والبغاء وظاهرة التداول العلني للأشرطة والمطبوعات المخلة بالأخلاق والآداب وسط تراخ بل غياب للأجهزة الأمنية.
-ظاهرة خطف النساء واغتصابهن، فقد أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» منتصف يوليو 2003 أن انعدام الأمن في بغداد والمدن العراقية شجع على اغتصاب النساء وخطفهن، مشيرة إلى حدوث ٢٥ حالة خلال شهر واحد، وتزايد جرائم العنف ضد المرأة.
-وقد ذكرت منظمة تدعى «رابطة المرأة العراقية» أن ما يزيد على400 امرأة وفتاة «اختطفن واغتصبن، بل تم بيعهن أحيانا» منذ انتهاء الحرب خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس ٢٠٠3م، مما أدى إلى مطالبة وزير العدل بإيقاع أقصى العقوبات بمرتكبي جرائم اختطاف الفتيات واغتصابهن.
-بروز ظاهرة تشغيل الأطفال والأحداث وظاهرة أطفال الشوارع، فمع الظروف القاسية التي خلفها الاحتلال الأمريكي وفصل عشرات الآلاف من الموظفين، اضطر هؤلاء لإجبار أطفالهم على ترك الدراسة والعمل لمعاونتهم في توفير مستلزمات حياتهم بسبب البطالة التي أصابت آثارها كل مفاصل الحياة.
-ظاهرة اختطاف واغتيال العلماء والأكاديميين لتفريغ العراق منهم وإجبار الآخرين على الهجرة، وتتحدث الأخبار عن اغتيال مئات من الكوادر العلمية العراقية وقيدت تلك الجرائم ضد مجهولين، ويشير العراقيون إلى دور لمخابرات أجنبية «الصهيونية تحديدًا» في تنفيذ تلك الاغتيالات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل