العنوان بعد قمة موسكو: ما هي قصة المؤتمر الدولي؟ هل هو مؤامرة؟
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988
مشاهدات 107
نشر في العدد 870
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-يونيو-1988
إسحاق رابين
يقول: إن جبهة مصر قد أصبحت مأمونة الجانب بعد معاهدة كامب ديفيد، أما سوريا فإننا
نعرف كيف نتعامل معها!
يتردد على ألسنة
كثير من المسؤولين العرب جدوى المؤتمر الدولي في حل الخلاف العربي اليهودي! فما هي
قصة هذا المؤتمر؟ ولماذا يعقد؟ وماذا وراء انعقاده؟
بداية القصة:
نستطيع القول إن
قصة ما يسمى بالسلام الشامل في المنطقة قد بدأت بالفعل منذ أعلن ريغان عن مشروعه
في شهر سبتمبر 1982. وعلى أساس هذا المشروع، بدأت المشاريع في المنطقة تأخذ
أشكالًا متعددة، ولكنها في النهاية تصب في معين واحد. وإذا نظرنا إلى سياسة العدو
اليهودي الحالية، نجدها تعتمد على بناء سياج من الأمن حول هذه الدولة الغاشمة،
وعلى الأقل خلال السنوات القادمة، كي يضفي ذلك عليها صفة الشرعية الدولية! لتصبح
دولة ذات كيان معترف به من العالم أجمع.
تمهيد بيريز
استطاع بيريز، رئيس حزب العمل، أن يحقق ومن خلال موقعه كرئيس للوزراء ووزير
للخارجية في وزارة الشراكة السابقة، مكاسب كثيرة لتعزيز موقف اليهود، حيث نرى أنه
بزياراته لأمريكا استطاع أن يحل جزءًا من المشكلة الاقتصادية وأن يقنع الوكالة
اليهودية بضرورة التحرك لفكرة السلام! ثم قام بزيارات مكثفة لدول أوروبا وأفريقيا
ودول أمريكا اللاتينية وبعض الدول العربية كالمغرب ومصر. ففي لندن، وقع اتفاقية
لندن التي تنص على إقامة اتحاد كونفدرالي للضفة والقطاع مع الأردن منزوعة السلاح.
وبعد زيارة للدول الأفريقية، أعادت معظم هذه الدول العلاقات الدبلوماسية مع العدو،
حتى السنغال وهي من أكبر الدول الأفريقية والتي قطعت علاقاتها مع العدو عشية حرب
1967. التقى بيريز مع رئيسها عبده ديوف والمرشح كرئيس لمنظمة المؤتمر الإسلامي
القادم، التقيا في إيطاليا بدعوة لاستلام بعض الجوائز، قرابة الساعة، صرح فيها
عبده ديوف أن للدول الأفريقية الحرية في إعادة علاقاتها مع «الإسرائيليين» كل على
حدة، واتفق مع بيريز على إعادة علاقات بلاده مع إسرائيل في المستقبل!
وأما زيارته
لمصر، فقد أكسبته مرونة للتحول القادم في الوقت الذي يرفض رئيس مصر الاجتماع برئيس
وزراء إسرائيل الحالي شامير ويمدح بيريز بسياسته الحالية.
فقد يتساءل
القارئ.. وماذا عن المؤتمر الدولي بعد هذا النشاط اليهودي؟
طرحت فكرة
المؤتمر ليكون المظلة الدولية التي ينضوي تحتها الجميع من أجل محادثات ثنائية
مباشرة بين الدول العربية ودولة «يهود». وقام الساسة الأمريكان وبعض الساسة العرب
برحلات مكوكية تهيئ العالم للمؤتمر، وقد أقنعت معظم الأطراف. وساعد في ذلك وسائل
الإعلام المختلفة فأعطته دفعة قوية بحيث أصبح واقعًا ينادي به حتى الدول العربية
التي تعلن أنها تعارض الصلح مع «يهود»!
موقف دول السوق
الأوروبية: من الأطراف القوية التي أعطت دفعة قوية لضرورة عقد هذا المؤتمر دول غرب
أوروبا (دول السوق الأوروبية المشتركة) وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا
وإيطاليا وبلجيكا، حيث اتفقت مع أمريكا على دعم فكرة المؤتمر.
على أنه في أيام
انعقاد مؤتمر دول السوق الأوروبية المشتركة في ألمانيا الغربية في مطلع هذا العام،
قام وزير خارجية ألمانيا غينتشر بزيارة سوريا وصرح هناك أن لسوريا دورًا كبيرًا في
لبنان وسوف يكون لها دور أكبر في المؤتمر الدولي للسلام.
أما الطرف
الثاني الذي كان ولا يزال له الأثر العظيم في عقد هذا المؤتمر «مصر»، وقد ترشحت
لتكون همزة الوصل بين اليهود والدول العربية من جهة واليهود والدول الأخرى في
العالم من جهة أخرى.
وقد أجاب حسني
مبارك أثناء زيارته للخليج عندما سأله أحد الصحفيين عن المؤتمر الدولي فقال: «إن
المشكلة تكمن الآن في التمثيل الفلسطيني وشامير فقط! ولكن هب أن شامير وافق على
المؤتمر الدولي، فما هو موقف الفلسطينيين؟» ثم أضاف أن على الإخوة الفلسطينيين
التفاهم مع الأردن في قضية التمثيل للذهاب إلى المؤتمر الدولي وهم على رأي واحد.
من هنا تصبح
دولة العدو مطمئنة مرتاحة البال على جميع الجبهات كما صرح وزير الدفاع الإسرائيلي
«إسحاق رابين»: «إن جبهة مصر قد أصبحت مأمونة الجانب صامتة بعد معاهدة كامب ديفيد،
أما سوريا فإننا نعرف كيف نتعامل معها. وأما لبنان فهي المشكلة التي تحتاج إلى
حل».
الطرف الثالث في
المعادلة هو «منظمة التحرير الفلسطينية» والتي تشكل العقبة الرئيسية كما ذكر حسني
مبارك عندما قال: «المشكلة الآن في التمثيل الفلسطيني». ونستطيع إجمال هذا الموضوع
بما يلي:
بعد الاجتياح
الإسرائيلي للجنوب ودخول بيروت عام 1982، أصبحت المنظمة ضعيفة من الناحية
العسكرية. ولم يبقَ إلا التمسك بالجانب السياسي. ومن هنا كان على المنظمة تقوية
هذا الجانب لتقف أمام العالم ويكون لها رأي في عملية السلام.
ولكن كما لوحظ
من استكانة المواقف العربية والدولية، فإن الموقف بشكل عام هو تجاوز دور المنظمة
في المؤتمر الدولي القادم.
وتمر الأيام..
وتعود الرحلات المكوكية حيث عاد «شولتز» إلى المنطقة بعد انتهاء انعقاد مؤتمر
موسكو بين ريغان وغورباتشوف، وتقوى تطلعات معظم القادة العرب إلى المؤتمر الدولي
من جديد، وكأن هذا المؤتمر هو التركة المثقلة التي ستوزع على كافة الأطراف ولتذهب
الأرض المقدسة والتي هي أرض الأنبياء إلى غير رجعة! وليفكر العالم في كيفية تحصين
هذه الدولة الباغية والتي أصبحت حقيقة يعترف بها الجميع. وليكن لهذه الدولة الحدود
الآمنة التي يعترف العالم بها! ولتصبح مسرحية السلام حقيقة لا جدال فيها تفرض على
الجميع دولة ذات سيادة، وكيانًا عنصريًّا بغيضًا. وهكذا تراجعت نداءات المواجهة عن
استراتيجيتها الثورية الكاذبة وبدأت تلوح بالاعتراف بالكيان الصهيوني بلا مقابل!
إن هذا الأمر
كما ذكرنا من قبل من ورائه أصابع خفية تلعب فيه، وأيدٍ أثيمة قد خططت له، بل إن
الدور الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية ليس أمرًا سهلًا.
ولكن بعد أن كلفت الحكومة البريطانية «ديفيد ميلر» وزير الشؤون الخارجية في مطلع
هذا العام بزيارة المخيمات في الضفة والقطاع، أرادت أن تضغط ليكون الموقف اليهودي
هو موقف بيريز. كذلك أرادت أن تقنع العالم بضرورة عقد المؤتمر الدولي وبريطانيا هي
نفسها التي أعطت الضوء الأخضر «بوعد بلفور 1917» بإقامة وطن قومي لليهود على أرض
فلسطين، ها هي الآن وبعد عشرين عامًا من احتلال الضفة والقطاع تريد أن ترسم الحدود
الآمنة لدولة اليهود بناء على وعد بلفور وذلك على أساس من نظرية اليهود الأمنية.
والغريب في
الأمر أن العالم العربي والإسلامي يصدق مثل هذه الألاعيب تحت شعار صداقة العرب
التي يمارسها أكثر من طرف، فها هي فرنسا تلعب دورًا خطيرًا بالنسبة لروسيا والتي
كانت أول من اعترف بقيام دولة يهود.
ومن قبل هذا
وذاك كانت «رومانيا» تلعب دورًا أخطر لتزيد من عمق الخدعة وتعقد المعادلة أكثر
فأكثر.. رومانيا هذه لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل بعد حرب 1967، وتشاوشيسكو معروف
أنه صديق العرب الثوريين! في الوقت الذي ترضى عنه حكومة العدو الإسرائيلي في إنهاء
المسرحية. وليس من الغريب أن يشارك في صناعة المؤتمر الدولي كما ساهم من قبل في
اتفاقية كامب ديفيد مع السادات.
وأخيرًا تحاول
الآن الدول الكبرى وفي مقدمتها روسيا وبمساعدة أمريكا على تجميع اليهود في كل
أنحاء العالم في أرض فلسطين. وقد وعد شولتز، وزير خارجية أمريكا، في إحدى زياراته
لفلسطين المحتلة بتهجير 400,000 يهودي روسي إلى فلسطين في غضون عشر سنوات. وهكذا
يتجمع اليهود من كافة أقطار العالم كما اتفق ريغان وغورباتشوف في مؤتمر موسكو
الأخير، ويتجهون إلى فلسطين لتكون الملحمة الحقيقية التي وعد بها رب العالمين وبشر
بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون
اليهود...».
وصدق الله
العظيم القائل: ﴿وَجِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء:104)، وها هم يأتون من كل فج
عميق وتتحرك في المسلمين بواعث الجهاد والتضحية وتتأهب النفوس للتمسك بالإسلام
لسحق هذه الفئة الباغية وتكون مقتلة رهيبة «أنتم شرقي النهر وهم غربيه». وستكون
ملحمة عظيمة ينتصر فيها الحق على الباطل إن شاء الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ
عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا
تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:18).
﴿إِنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل