العنوان بعد 9 سنوات.. المجاهدون الأفغان على أبواب النصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
مشاهدات 101
نشر في العدد 897
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
اليوم تكون قد مرت تسع سنوات على بداية الغزو الشيوعي العسكري لأفغانستان، ففي 27/12/1979 اخترقت جحافل الجيش الروسي وديان وسهول وجبال هذا القطر الإسلامي الفريد ودخلت عاصمته كابول لتضع نظامها العميل حاكمًا على شعب أفغانستان.
وحبس العالم أنفاسه فهذه أعتى قوة عسكرية في العالم ترمي بثقلها في معركة رهيبة وغير متكافئة بكل المقاييس المادية أمام بضعة آلاف من الحفاة العراة من مجاهدي الشعب الأفغاني الذين لا يملكون من العتاد أو الذخيرة شيئًا يذكر، وقال المتشائمون إن الجهاد الأفغاني سيسحق خلال أيام قلائل. وقال المتفائلون بدورهم إن هذا الجهاد قد يصمد لأسابيع أو شهور قليلة ولكن الجميع كان لا يقدر للمجاهدين أنهم سيصمدون في الساحة كثيرًا.
وتمر سنوات القتال المرير الدامي والمجاهدون صامدون، بل زادتهم المعارك قوة وحنكة ومهارة وتقدم أفغانستان المسلمة أكثر من مليون شهيد وأكثر من 4 ملايين لاجئ مشرد خارج الحدود.
ولما فشلت أسلحة الروس العسكرية في تحقيق أهدافها بدأ أعداء الجهاد الأفغاني من روس وأمريكان وغيرهما في استخدام الأسلحة السياسية ومحاولة جر قيادات فصائل المجاهدين للدخول في حلول وسطى مع المحتل الغاشم بدعوى حقن الدماء وإنهاء معاناة اللاجئين بعودتهم إلى ديارهم ودخول المنظمات الدولية إلى أفغانستان لإصلاح وإعمار ما خربته الحرب، وكل هذه المكاسب المطروحة للمجاهدين كان الثمن المطلوب لها شيئًا واحدًا: الاستغناء عن فكرة الدولة الإسلامية في أفغانستان والقبول بشيء من المكاسب للقوى الدولية فيها.
ورفض المجاهدون شتى العروض وكذلك رفضوا الانسياق إلى مفاوضات فردية لفصائلهم المختلفة مع المحتل الغاشم وكان الموقف الموحد لجميع المجاهدين أنه لا صلح مع الروس حتى تغادر جيوشهم أرض أفغانستان.
هذا الموقف الصلب للجهاد الأفغاني إنما نتج من الرؤية الأصيلة للجهاد التي كان يفهمها المجاهدون، فهم لم يحاربوا من أجل مكاسب سياسية واقتصادية، ولم يحاربوا لأجل قطعة من الأرض، بل لم يحاربوا أيضًا من منطلق الحس الوطني الضيق كانت معركتهم بين الإسلام والكفر. بين التوحيد والشيوعية، معركة كان وقودها وعدتها الثقة بنصر الله، وقد كان المجاهدون مع الله فكان الله معهم.
من هذا المنطلق العقدي الأصيل للجهاد السياسي والعسكري يمكن أن نفهم السبب في صلابة الأفغان وتحملهم للآلة العسكرية الغاشمة التي عاثت في أرض أفغانستان قتلًا وحرقًا وتدميرًا تسع سنوات كاملة وأهلكت بنارها مليون مسلم أفغاني عدا الجرحى والمشوهين وملايين الأفغان الذين هاجروا بدينهم إلى الحدود بعد تدمير قراهم وإحراق مدنهم.
وقد تبين أن حبل الشيطان قصير مهما طال، فدولة يبلغ تعداد جيشها خمسة ملايين جندي وأكثر من 60 ألف دبابة ما كان يظن أحد أنها ستتعب في أفغانستان، ولكنها تعبت واعترفت حكومة غور باتشوف الجديدة بتضايقها من المسألة الأفغانية التي أصبحت جرحًا داميًا في خاصرة الاتحاد السوفياتي كما صرح الزعيم السوفياتي نفسه.
وأرادت القيادة السوفياتية سحب جيشها من أفغانستان في اتفاقية سياسية تتجاهل وجود المجاهدين وبإدخال شريكها الدولي «الولايات المتحدة» فيما عرف باتفاقية جنيف، ولكن تبين أن هذه الاتفاقية لا تغني عن الروس شيئًا لما ضرب بها المجاهدون عرض الحائط ورفضوا الاعتراف ببنودها، وهكذا ما وجد الروس في النهاية بدًا من أن يتجهوا إلى الطرف الآخر الحقيقي في المعركة فقاموا بإرسال مسؤول كبير هو نائب وزير الخارجية ليحضر مفاوضات مباشرة مع وفد من المجاهدين الأفغان في مدينة الطائف.
إن المجاهدين قد جلسوا على طاولة المفاوضات أخيرًا مع الروس، ولكنهم جلسوا من موقع القوة وجلس الروس في موقع الاستجداء والضعف، والمفاوض الأفغاني في مفاوضات الطائف كان يستطيع في أي لحظة أن يقول لا، بينما يحضر المفاوض الروسي وهو على استعداد أن يقدم أكبر قدر من التنازلات من أجل أن يخلص حكومته من الورطة التي تحاول الخروج منها.
هذا الموقف القوي للمفاوض الأفغاني في الطائف أمام وفد أقوى دولة في العالم له تفسير واحد، لقد قاتل المجاهدون عدوهم عن عقيدة راسخة ورؤية مبدئية مستمدة من الإسلام لا تتزعزع، ورفضوا إلقاء السلاح في أحلك الظروف وأمام أسوأ أنواع الخسف والتنكيل الشيوعي.
وهذا النموذج الناجح للجهاد في أفغانستان حري بأن يكون قدوة للعاملين في الجهاد لتحرير فلسطين، فكلما كان المجاهد الفلسطيني متمسكًا بعقيدته ومصرًا على جهاده سواء بالبندقية أو بالحجارة كلما ضعف أمامه عدوه وكلما كان أقرب إلى تحقيق أهدافه التي لا تنتهي إلا بتحرير كامل تراب أرض فلسطين المسلمة.
وستبقى الساحة بإذن الله في النهاية للمجاهدين الصادقين ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾( محمد: 7).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل