العنوان بقرار من رئاسة الشؤون الدينية.. منع الأذان في جامع أيا صوفيا التاريخي
الكاتب إبراهيم إلياس
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 56
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
بانقضاء مائة يوم على تولي مسعود يلماظ رئاسة الحكومة التركية الخامسة والخمسين (8/۱۰/1997م) أثيرت المناقشات حول إنجازات وإخفاقات هذه الحكومة الائتلافية اليمينية- اليسارية التي تولت السلطة بعد تقديم البروفيسور نجم الدين أربکان استقالة حكومته الائتلافية إلى رئيس الجمهورية سليمان دميريل بعد أن تعرضت إلى ضغوط القوى المعارضة من خارج البرلمان نتيجة تلكئها في تنفيذ قرار مجلس الأمن القومي المتخذة في جلسته المنعقدة بتاريخ 28/۲/1997م بحسب أراء المعلقين العلمانيين والقوى الخفية المؤثرة في شارع السياسة التركية، أو بسبب تعهده للسيدة تانسو تشيللر نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية وزعيمة حزب الطريق القويم في تولي الرئاسة الدورية للحكومة الرابعة والخمسين بموجب البروتوكول الموقع بينهما لدى تأليف تلك الحكومة الائتلافية بين حزبها وحزب الرفاه.
أوساط الحكومة والصحافة العلمانية الكبرى ذات الاتجاهات الغربية والقوى الضاغطة «الجيش والنقابات واتحاد أرباب العمل وجمعيات الدفاع عن الأفكار الكمالية» تؤكد على أن حكومة يلماظ قد حققت الشيء الكثير خلال المائة يوم المنصرمة وعلى رأسها تخفيف التوتر السياسي في البلاد وفتح الطريق أمام البرلمان للعمل وتشريع القوانين الخاصة لإجراء التحولات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وعلى رأسها قانون التعليم الإلزامي لمدة ثمانية أعوام متصلة، ويعد رئيس الوزراء من خلال سياسة شد الأحزمة بتخفيض التضخم إلى 5% في العام القادم (٥ / ١٠ / ۱۹۹۸م) بشرط تحمل أفراد الشعب للضرائب الجديدة، غير أن المعارضة تعتقد بأن هذه الحكومة المعينة من قبل القوات المسلحة التركية وبمساندة الرئيس سليمان دمبريل والصحافة الاحتكارية الكبرى في البلاد، لم تحقق شيئًا من وعودها الكثيرة للشعب، بل أنها على العكس من ذلك قامت بتنفيذ جميع مطالب القوى الخفية، والاحتكارية التي تكتلت ضد حكومة أربكان وأجبرتها على «الاستقالة» كغلق مدارس الأئمة والخطباء، ودورات القرآن الكريم، والتضييق على حرية العقيدة من خلال اتخاذ قرارات إدارية يمنع ارتداء الأزياء الدينية، ومنع الأذان في العديد من الجوامع بحجة عدم إقلاق راحة الجمهور، ودس المخبرين بين المصلين لمعرفة المسلمين الناشطين، وتضييق الخناق على مؤسسات الوقف الخيرية والاجتماعية وغيرها.
ويؤكد معظم محرري الصحف العلمانية الكبرى لا سيما المعلقون منهم على فشل مسعود بلماظ في تحقيق أي تقدم في السياسة الداخلية أو الخارجية، بل إن المعلق السياسي لصحيفة ملليت الواسعة الانتشار ونجم التلفزيون المعروف «كونري جيوا أوغلو» يؤكد بأن المسيرة الديموقراطية في البلاد سيحدث بها شرخ عميق من خلال الإخلال بالحريات العامة وحقوق الإنسان وغلق الأحزاب عن طريق المحاكم، ولذلك يعتقد «يشار قابلان» المعلق السياسي لصحيفة «العقد» الإسلامية الراديكالية بأن الاعتراف بحرية العقيدة لكل المذاهب والاتجاهات هو الحل الأمثل لإزالة الجفوة القائمة بين القطاعين العلماني والإسلامي في البلاد.
ولكن يظهر بأن جماعات الضغط القوية وجنرالات الجيش الخمسة «أعضاء مجلس الأمن القومي الذي يرأسه رئيس الجمهورية» تمارس ضغوطًا هائلة على حكومة مسعود يلماظ للسير قدمًا في تنفيذ جميع مطالبها التي يجسدها شعار «مكافحة الرجعية» أي الوقوف بحزم ضد التيار الإسلامي المتنامي في البلاد من خلال قيام المؤسسات العلمانية الرئيسية: القوات المسلحة ووزارتي التعليم والداخلية باتخاذ الإجراءات الإدارية والتنفيذية لشل حركة القطاع الإسلامي واحتجاجه ضد تنفيذ قانون التعليم الإلزامي لمدة ثمانية أعوام متصلة من خلال إلقاء القبض على الناشطين من الإسلاميين بعد كل تظاهرة أمام المساجد بعد صلاة الجمعة، وتفريق الإسلاميين الذين يقومون بالدعاء في مسجد أيوب أيام الآحاد لنصرة الإسلام والمسلمين والتنديد بالقانون المذكور وعدم قبول جامعة إسطنبول -وهي كبرى جامعات تركيا- للطالبات ذوات الحجاب أو المتسترات أو لابسات الخمار.
وقد وصل إلى الصحف اليومية الـ ٧٠٠ الصادرة في تركيا تقرير ديني بالبريد قيل بأنه موزع من قبل «جماعة العمل الغربي» التي تعمل ضمن رئاسة أركان الجيش يدعو إلى ضرورة هدم الجوامع والمساجد وبناء المدارس بدلًا منها لتعليم أبناء الشعب العلوم الحديثة (6/10/1997)، وبعد وجود هذه الجماعة من أكثر القضايا إثارة على الصعيدين السياسي والعسكري، بعد أن اتهمتها حكومة أربكان بمحاولة القيام بانقلاب عسكري ضدها، في حين لا يزال مدير استخبارات الأمن وبعض معاونيه الذين أبلغوا الأمر إلى حكومة أربكان عن طريق وزيرة الداخلية «مرال أقشنر» يجرجرون في المحاكم بتهمة التجسس على القوات المسلحة.
ومن جهة أخرى أصدر «محمد نوري يلماظ» رئيس الشؤون الدينية بيانًا منع بموجبه رفع الأذان لإقامة الصلاة في الجوامع القريبة من بعضها وفي الأماكن المزدحمة من أجل عدم إقلاق راحة غير المصلين، واستنادًا إلى ذلك، فقد تم منع الأذان في جامع أيا صوفيا بإسطنبول والذي استمر فيه ذلك منذ تحويله من كنيسة أرثوذكسية بعد الفتح العثماني عام ١٤٥٣ إلى جامع حتى ١٩٣٤ عندما ألحق بمديرية الآثار العامة، ثم أعيد فتحه جزئيًّا للصلاة عام ۱۹۹۱ «في عهد الرئيس الراحل تورجوت أوزال» حتى تاريخ 7 أكتوبر الجاري.
وبضغط من رئيس الوزراء مسعود يلماظ قامت صحيفة الصباح بإنهاء عمل المحلل السياسي المعروف «محمد بارلاص» يوم 5/۱۰/1997 لأنه كان يوجه انتقادات مرة ليلماظ ويتهم حكومته بأنها حكومة معينة من قبل جنرالات الجيش، وليس البرلمان، ولذلك فقد قالت السيدة جانان بارلاص المحررة في صحيفة ملليت وزوجة الصحفي المذكور، بأن هذا الأمر متوقع جدًا من مسعود يلماظ الذي قام بتحويل الصحفيين إلى مخبرين لرئاسة أركان الجيش التركي (8/10/1997) ومن هنا فقد دعت صحافة القطاع الإسلامي كافة المحررين ورجال الفكر إلى ضرورة الدفاع عن الحقوق الثلاثة المشروعة حق الحياة وحق العمل الحر وحق العبادة الحرة لكافة أفراد الشعب التركي.
إن الصراع لايزال مستمرًا بين المؤمنين بالتراث الحضاري للشعب التركي وأولئك الذين يحاولون مسخ ذلك التراث وإلغاء هويته الحقيقية، ولكن الذين يعرفون الشعب التركي جيدًا يؤكدون بأن هذه الحكومة تمثل فترة انتقالية وأن إجراءاتها سحابة صيف سرعان ما تنقشع أمام شمس الحقيقة..