العنوان الرحيل من بومباي
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993
مشاهدات 62
نشر في العدد 1036
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 02-فبراير-1993
بلا حدود
مسئول كبير في شرطة بومباي يقول:
إن ما يحدث للمسلمين في بومباي يشبه إلى حد كبير عمليات التطهير العرقي التي تحدث
للمسلمين في البوسنة والهرسك
تحولت محطة «فيكتوريا» وهي المحطة الرئيسية للقطارات في بومباي عاصمة
الهند التجارية إلى بحر متلاطم من البشر، فيما استمر توافد عشرات الألوف من
المسلمين المقيمين في المدينة للفرار بأرواحهم وأنفسهم على أول قطار يتجه إلى شمال
الهند أو إلى أية مدينة أخرى تتواجد فيها أقلية من المسلمين؛ للاحتماء بهم من
البطش الهندوسي المتواصل بعدما قام الهندوس خلال أسبوع واحد بحرق منازل المسلمين
ومتاجرهم في معظم أنحاء المدينة، وخاضوا ضد المسلمين معركة شرسة ساندتهم فيها
الشرطة التي يسيطر الهندوس على غالبية مناصبها العليا والدنيا، فقتلوا 500 مسلم وجرحوا مئات آخرين، وأكدت التقارير أن معظم
القتلى قد قتلوا برصاص الشرطة.
دور الشرطة في النزاعات الطائفية
وذكرت مجموعة «ناير» وهي مركز لتوثيق حقوق الإنسان في جنوب آسيا ويقع
مقره في نيودلهي أن الشرطة الهندية لا تصوب أسلحتها في النزاعات الطائفية التي
تقوم بين المسلمين والهندوس إلا إلى صدور المسلمين.
وقد جاء في دراسة نشرتها مؤخرًا أن 655 مسلمًا قد
قتلوا على يد الشرطة الهندية في اضطرابات حدثت مؤخرًا في 13 ولاية من أصل 25 ولاية من ولايات الهند، ولم يقتل هندوسي واحد،
ولم يترك الهندوس متجرًا أو مؤسسة تجارية فردية كانت أو جماعية للمسلمين في بومباي
إلا وهجموا عليها وأحرقوها، وأصبحت كافة متاجر المسلمين في الأحياء التجارية في
بومباي محروقة وسط متاجر الهندوس التي لم يمسها أحد، وعلاوة على ذلك فقد منع
الهندوس المسلمين من العمل في المصانع والمؤسسات وأعمال البناء؛ مما دفع عشرات
الألوف للرحيل من بومباي فرارًا من الموت.
إدانة صحفية ومقارنة بالتطهير
العرقي
وقد وصفت صحيفة «تايمز أوف أنديا»، وهي أكبر الصحف الهندية اليومية،
ما حدث في بومباي بأنه جنون وأن هناك مذبحة منظمة ضد المسلمين في المدينة التي عاش
فيها المسلمون في أمان منذ عدة قرون، وأكدت أن منازل وسيارات ومتاجر المسلمين فقط
هي التي تعرضت للتدمير، الأمر الذي يحمل بصمات عملية انتقام منظمة من قبل الهندوس.
ونقلت نفس الصحيفة عن أ.أ خان وهو مسئول كبير في شرطة بومباي قوله: «إن ما يحدث
للمسلمين في بومباي يشبه إلى حد كبير عمليات التطهير العرقي التي تحدث للمسلمين في
البوسنة والهرسك». وفي حوار نشرته مجلة «تايم» مع زعيم الهندوس في بومباي «بالثاكيراي» وأوردنا نصه على صفحات هذا العدد من «المجتمع»، قال تعليقًا على هروب
المسلمين من بومباي: «دعهم يهربون... إذا لم يهربوا فسنطردهم، وإذا ما رأت باكستان
أن المسلمين في الهند يضطهدون فرجاء دعها تأخذهم إليها،. وليس هذا خطوة لإقامة
دولة هندوسية، فهذه بلد الهندوس بالفعل».
التخطيط لهدم مسجد بابري وأهداف
حزب بهاراتيا جاناتا
أما زعيم حزب «بهاراتيا جاناتا» في عموم الهند «لال کریشان أدفاني»
فقد صرح بعد إطلاق سراحه بعدما قضى شهرًا في السجن بسبب تحريضه على الحقد الطائفي:
«إنني لا أشعر بأي خجل نتيجة تدمير مسجد بابري»، وقد جاء تصريحه هذا بعدما أكدت
لجنة التحقيقات في شأن مسجد بابري أن هدمه في السادس من ديسمبر الماضي، كان عملًا
مخططًا له ولم يكن عفويًا؛ وبالتالي فإن الخطوات التي استتبعته أيضًا ومنها طرد
المسلمين وترحيلهم من بومباي و«أحمد آباد» ليست عفوية، وما يقوم به حزب بهاراتيا
جاناتا الهندوسي الآن ضد المسلمين أمر مدروس ومخطط، كما جاء على لسان زعمائه الذين
هددوا بتنفيذ خطة «العمل المباشر» لإجبار الحكومة على إجراء انتخابات عامة جديدة
تضمن لهم الوصول إلى السلطة وحكم الهند، حيث إن شعبية الهندوس العلمانيين في تناقص
الآن، ويتمتع حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي بشعبية في أوساط الهندوس لم يتمتع بها
منذ إنشائه في أواخر السبعينيات، ويقوم الحزب الآن بالإعداد لحملة على أحياء
المسلمين في جنوب نيودلهي لإجبارهم على الرحيل كما أجبر المسلمين في بومباي، وكذلك
حملات على المدن الأخرى لتطهير المدن ذات الأغلبية الهندوسية من المسلمين الذين
يعيشون فيها منذ عدة قرون، ويسيطر الرعب الآن على المسلمين في حي «أوكهلا» الذي
تسكنه أغلبية مسلمة في جنوب نيودلهي خوفًا من الحملة الهندوسية التي أعلن الهندوس
أنهم يعدون لها، يشاركهم في هذا الرعب المسلمون المقيمون في «أحمد أباد» و«بومباي»
وغيرها من المدن الأخرى.
عجز الحكومة وتزايد المتعصبين
وتبدو حكومة ناراسيما راو الهندوسية العلمانية عاجزة أمام المتعصبين
الهندوس الذين يهددونها في كونهم البديل لحكم الهند الآن، لاسيما بعد الحركة
المسرحية التي أعلن عنها راو استقالة حكومته، ثم أعاد تشكيلها مرة أخرى مبقيًا على
40 وزيرًا ولم يغير سوى 14، وهي حركة مسرحية تشبه المسرحية التي رسمها على الحكومات والشعوب
الإسلامية، حينما أعلن في أعقاب هدم الهندوس لمسجد بابري أن الحكومة ستعيد بناءه
مرة أخرى ليمتص الغضب الذي يعرف أنه سرعان ما يُمتص لدى المسلمين، وترفرف الآن
أعلام المعبد الهندوسي فوق أطلال مسجد بابري وسط صمت المسلمين ونسيانهم لما جرى
وإعراضهم عما يجرى.
دعوة للمقاطعة ودعم المسلمين
المستضعفين
لقد بدأ رحيل المسلمين اليوم من بومباي، وغدا ربما يكون من نيودلهي أو
أحمد آباد، وبعدها ربما يكون من باقي مدن الهند الأخرى بعدما أصبح الهندوس
المتعصبون على مشارف حكم الهند، فيما ينعم ما يقرب من مليون هندي غالبيتهم من
الهندوس بالأمن والأمان في ديار المسلمين لاسيما في دول الخليج. إن المسلمين في
الهند لا يطالبون الدول الإسلامية بتسيير جيش جرار لمحاربة الهندوس الذين بدأوا
حربًا لا هوادة فيها ضد مسلمي الهند المستضعفين، ولكن لتكن التوصية التي ذكرتها
صحيفة «ديلي أراب نيوز» من «أن رابطة العالم الإسلامي سوف توصي بمقاطعة الهند إذا
فشلت في وقف أعمال العنف ضد المسلمين، وأنها ستدعو أيضًا إلى منع العمالة الهندية
من العمل في الدول الإسلامية»، لتكن هذه التوصية موضع الاهتمام ممن في أيديهم
القرار حتي يدرك الهندوس وغيرهم أن دماء المسلمين عزيزة وغالية، وليبدأ كل مسلم في
جنبات الدنيا يشعر - في عصر النكبة الذي نعيشه– أنه إذا قال وإسلاماه وهو في
المشرق يجد أخاه في المغرب يقول له لبيك، فهل سيظل هذا حلمًا وأمنية أم سيصبح
حقيقة نعيشها ونحياها عما قريب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل