العنوان بلا حدود: السلطة الأمنية الفلسطينية
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 91
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
«الشعب الفلسطيني يعيش في حالة من الرعب، وهناك إحساس طاغٍ بالخوف، فالنظام الحاكم فاسد وديكتاتوري وظالم، إنني أقول ذلك بحزن فقد كنت أشعر بحرية أكبر مئة مرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي عما أنا عليه الآن، «إن هناك العديد من عمليات الاعتقال التعسفي تتم الآن دون توجيه أية تهمة أو إبداء أسباب لاحتجاز بعض الأفراد، ولدى السلطة أكثر من تسعة أجهزة أمنية لكل منها مركز اعتقال خاص به»، «لقد أُعتُقل أحد الأطباء لمدة ستة أيام بسبب قيامه بالتعبير عن صدمته للحالة الصحية التي وصل لها أحد سجناء حركة حماس في قطاع غزة الذي جيء به إلى المستشفى لتلقي العلاج من آثار التعذيب».
كانت هذه بعض المقتطفات من حوار مطول أدلى به داعية حقوق الإنسان الفلسطيني د. إياد السراج إلى صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ونشرته في شهر مايو الماضي، ودفع السراج ثمن هذا الكلام بعد نشره مباشرة؛ حيث تم اعتقاله والتحقيق معه لساعات مطولة، ثم أفرج عنه بعد ضغوط كبيرة مارستها جماعات حقوق الإنسان الدولية، وبعد الإفراج عنه قامت السلطة بتلفيق قضية له بدس قطع من المخدرات في مكتبه وتم القبض عليه بطريقة مسرحية بتهمة حيازة المخدرات، ولما لم تفلح مسرحية المخدرات تم اتهامه «بالاعتداء على أحد أفراد الشرطة»، وحوِّل إلى محكمة أمن الدولة، وبعد ذلك لفقت له تهمة مخاطبة رئيس السلطة الفلسطينية في رسالة خاصة غير منشورة بلهجة اعتبرها الرئيس «غير لائقة»، ولم يتم الإفراج عن الدكتور السراج إلا بعد ضغوط دولية على عرفات.
واستشهادي هنا بقضية الدكتور السراج وأقواله لسبب رئيس هو أن السراج كان يعتبر في البداية من أشد مؤيدي عرفات وهو لا ينتمي إلى حماس أو الجهاد الإسلامي أو أي فصيل إسلامي آخر، كما أن محمود الجميل الذي قتل من جرّاءِ التعذيب على أيدي زبانية السلطة الفلسطينية في سجن طولكرم في الأسبوع الماضي كان ينتمي إلى «صقور فتح»، وهي إحدى الفصائل التابعة لحركة فتح التي يتزعمها ياسر عرفات، وهذا يؤكد أن السلطة لم تعد قاصرة في قمعها للشعب الفلسطيني على عناصر أو توجهات معينة، وإنما أصبح القمع والتسلط والإرهاب يمارس بشكل عام على كل من له رأي يخالف رأي زعيم السلطة أو أحد المسؤولين البارزين فيها، وإن كان الإسلاميون لهم النصيب الأكبر إلا أنهم كالعادة لا بواكي لهم، فالدنيا قامت ولم تقعد بسبب اعتقال السراج حتى أفرج عنه، فيمَا تغص سجون عرفات بألف من معتقلي حماس بينهم أطباء ومحامون وصحفيون وعلماء، ولم يتحرك لهم أحد، كذلك فإن محمود الجميل ليس أول من يُقتل تحت التعذيب في سجون السلطة وإنما هو التاسع، كما أن رصيد الممارسات الأمنية للسلطة خلال عامين فقط من عمرها يشير إلى إحصاءات وأرقام غير عادية. فقد دشنت السلطة جرائمها الكبرى بحق الفلسطينيين في 18 نوفمبر عام ١٩٩٤م حينما شنت هجومًا على مسجد فلسطين في غزة فقتلت ۱۳ مواطنًا وجرحت أكثر من مائتين آخرين من المصلين، وكان هذا أكبر عدد تمّ سفك دمائه من الفلسطينيين دفعة واحدة على أيدي من يفترض أنهم جاؤوا لحمايتهم، فقد قتل في الفترة من مايو ١٩٩٤م حتى نهاية يوليو ١٩٩٦م أكثر من ٢٧ فلسطينيًّا في حوادث إطلاق نار متفرقة وقعت على أيدي الشرطة، أما انتهاك حرمات المنازل والمساجد والجامعات والمستشفيات والمستوصفات واعتقال المئات من كل طوائف الشعب وفئاته، فإنها أمور يصعب إحصاؤها هنا، ويكفي أن الإسرائيليين لم يقوموا بقمع الشعب الفلسطيني بالطرق والوسائل المرعبة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة وذلك حسب أقوال الفلسطينيين أنفسهم، لقد حوَّل عرفات مناطق السلطة إلى سجن كبير يضم 9 أجهزة أمنية وأكثر من ۱۷ سجنًا ومركز تحقيق واعتقال، تابعة لتلك الأجهزة، كل جهاز منها يعمل باستقلال عن الآخر وله سجونه وزبانية التعذيب الخاصون به، ولأول مرة تكون شرطة الإطفاء في أي بناء هيكلي في أية دولة لها سجن خاص بها، وقد لَعِبَ عرفات لُعْبَة قذرة في تمزيق الشعب الفلسطيني من خلال توسيع دائرة الأجهزة الأمنية ونشاطاتها وصلاحياتها، فرغم أن اتفاقية أوسلو قد نصت على ألا يزيد عدد أفراد الشرطة الفلسطينية عن 9 آلاف جندي، وهي بذلك تعادل نصف قوات الشرطة الإسرائيلية التي تبلغ ۱۸ ألف جندي إلا أن عرفات فتح المجال أمام العاطلين من الفلسطينيين الذين تزيد نسبتهم عن 55% من عدد سكان الضفة والقطاع للالتحاق بالأجهزة الأمنية المختلفة وبرواتب تتراوح بين مئة ومائتي دولار أمريكي، فتم بذلك زيادة عدد العاملين في الأجهزة الأمنية إلى ٣٣ ألف فلسطيني، هذا خلاف أعداد غير معلنة لأفراد الشرطة السرية الذين يتجسسون حتى على آبائهم وإخوانهم وجيرانهم مقابل ما يتقاضونه من السلطة بدلًا من البطالة التي يعيشونها، وهذا أخطر ما يهدد بناء النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني حيث تحول قطاع كبير من الشعب الفلسطيني إلى جواسيس على الشعب نفسه لحماية السلطة، وهذه أخطر خطوة حققها عرفات وفشلت إسرائيل فيها طوال الخمسين عامًا الماضية، إلا من بعض ضعاف النفوس من العملاء الذين يعيشون في رعب دائم، بعدما كان الفدائيون يقومون بتصفيتهم.
أما الآن فأصبحت العمالة مقننة وتتم بصورة رسمية وبرواتب مجزية، فالذي يعاني من بطالة ولديه عائلة وأولاد ولا يجد قوتهم، من السهل أن يبيع أهله مقابل مائتي دولار كل شهر، وقد استطاع عرفات بهذا أن يكسب ولاء آلاف العائلات الفلسطينية التي يعمل أفرادها في الأجهزة الأمنية. ومن ناحية أخرى فإن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أصبحت تلتهم كل موارد السلطة المالية؛ مما جعل عرفات يعلن منطقة غزة وأريحا في مايو الماضي منطقة منكوبة، فيمَا يتم توجيه كافة المساعدات التي بلغت2.8 مليار دولار إلى الأجهزة الأمنية، تدفع معظمها كرواتب للضباط والجنود والعملاء السريين، ونظرًا للدور الرائد الذي تقوم به هذه الأجهزة في الحفاظ على أمن إسرائيل، فقد ساهمت إسرائيل بدعم الشرطة الفلسطينية أكثر من عشرة ملايين دولار، وبالتالي فقد أصبحت السلطة الفلسطينية سلطة أمنية، تحمي أمن إسرائيل وتحمي امن نفسها ورجالها، الذين جاء معظمهم من وراء البحر ليذيقوا الذين صمدوا تحت نيران الاحتلال ما لم يذوقوه على أيدي الصهاينة ..