العنوان بلا حدود- تأديب عيديد.. وتدليل كاراذيتش
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 78
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 29-يونيو-1993
المعايير المزدوجة بين الصومال والبوسنة
• قوات كاراديتش قتلت 46 جندياً تابعين للأمم المتحدة، ومع ذلك لم تقم الأمم المتحدة بإطلاق طلقة واحدة؛ لتأديب الصرب حتى الآن.
تأديب عيديد وتدليل كاراديتش
لم يستغرق قرار عملية تأديب القائد الصومالي محمد فرح عيديد ورجاله
على عمليتهم الحمقاء التي أدت إلى مقتل ثلاثة وعشرين جنديًّا باكستانيًّا من القوة
التابعة للأمم المتحدة في الصومال أكثر من مكالمة هاتفية بين الرئيس كلينتون
والأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، عقد على إثرها مجلس الأمن اجتماعاته،
واتخذ قراراته بتأديب الجنرال عيديد وقواته، وعلت الأصوات باعتقاله ومحاكمته
وتحميله مسؤولية كافة الجرائم، التي ارتكبت في الصومال منذ اندلاع الحرب الأهلية
فيها وحتى الآن، وقد حدث هذا في الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية منذ أكثر
من عام ولا زالت تتحدث وستظل تتحدث حتى آخر قطرة دم مسلم بسنوي عن دعوتها لمحاكمة
رادوفان كاراديتش جزار الصرب وكبير مجرميها، ومحاكمته مع آخرين على جرائم
الحرب التي ارتكبوها ضد مسلمي البوسنة، لكن استهزاء الإدارة الأمريكية بالمجتمع
الدولي بلغ في هذا المجال مداه؛ لقيامها بالتعامل مع كاراديتش حتى الآن على أنه
رجل دولة، والاعتراض بالكلام فقط على قراراته وجرائمه، وعدم اتخاذ أي موقف إيجابي
تجاه دعم مسلمي البوسنة حتى الآن.
ارتباك الإدارة الأمريكية واستقالة كيني
مما دفع جورج كيني أحد المسؤولين البارزين في الخارجية الأمريكية أن
يقدم استقالته مؤخرًا؛ احتجاجًا على سياسة واشنطن تجاه البوسنة، وقال كيني في
تصريح لوكالة رويترز بثته في منتصف مايو الماضي: إن عجز كلينتون عن اتخاذ قرار
تجاه البوسنة يوجد انقسامًا بين كبار مستشاريه، ولا أعتقد أنهم يعرفون ماذا يفعلون
أو أين يقفون؟، ولعل أصدق دليل على ما ذكره كيني هو موقف الولايات المتحدة
المتذبذب والمهزوز واللاإرادي من قضية البوسنة، والذي انتقل من التهديد إلى
الإقرار بكل مطالب كاراديتش المدلل، والتي وصلت إلى حد الإقرار بتقسيم البوسنة،
أما كاراديتش الذي صفع الأمم المتحدة والولايات المتحدة ورمى بقراراتهما عرض
الحائط عشرات المرات طوال الشهور الخمسة عشرة الماضية، فقد فرض ما يريده على
الجميع دون أن يقوم أحد بمعاقبته.
مقارنة في الخسائر والتبعات
وثمة مقارنة عجيبة بين تأديب عيديد وتدليل كاراديتش، صحيح أن قوات
الجنرال عيديد قد ارتكبت جريمة حمقاء بقتلها الجنود الباكستانيين الثلاثة
والعشرين، الذين هم مسلمون أولًا قبل أن يكونوا تابعين للأمم المتحدة، لكن قوات
كاراديتش قتلت ضعف هذا العدد في البوسنة؛ إذ تشير آخر التقارير إلى أن عدد جنود
الأمم المتحدة الذين قتلوا في البوسنة والهرسك على أيدي قوات كاراديتش بلغ 46
جنديًّا وضابطًا، ورغم ذلك لم تقم الأمم المتحدة بإطلاق طلقة واحدة ضد الصرب أو
اتخاذ قرار إيجابي؛ لتأديب قوات كاراديتش على غرار تأديب قوات عيديد، وإذا كان قد
أعلن منذ أيام عن اعتبار عيديد مجرم حرب تجب محاكمته، فقد أعلن منذ ما يزيد عن عام
أن كاراذيتش مجرم حرب تجب محاكمته مع مجرمين يوغوسلاف آخرين، ومع ذلك فإنه يتجول
في أوروبا وأمريكا، ويستقبل على أنه رجل دولة، ويعامل معاملة الرؤساء والزعماء،
ويتم تسويته في المؤتمرات الدولية بالرئيس الشرعي للبوسنة والهرسك علي عزت
بيجوفيتش، ويهيأ الآن ليكون رئيس دولة من الدويلات الثلاث التي يسعى الغرب
لإقرارها الآن على أطلال البوسنة.
لغز الكمين الباكستاني
ثمة تساؤل هام نطرحه في الختام سيظل يبحث عن إجابة هو عن الطريقة التي
رتب بها الكمين، الذي وقع فيه الباكستانيون بعدما أكدت مصادر صحفية وصومالية، أن القوات
الأمريكية قامت بهجوم مفاجئ على مبنى الإذاعة التابعة للجنرال عيديد؛ بسبب استمرار
مهاجمتها للتواجد الأمريكي في الصومال، فجر السبت 5/6/1993، ثم انسحبت سريعًا بعد
تدفق المئات من قوات عيديد؛ للدفاع عن المبنى، وتركت الباكستانيين وحدهم يواجهون
مصيرهم المحتوم دون أن يدروا لماذا طلب منهم دون غيرهم الدخول في هذه المصيدة،
وحينما طلب الباكستانيون النجدة طلبت قيادة قوات الأمم المتحدة من قوات تابعة
لدولتين إسلاميتين - حسب تقرير الأمين العام - أن تتحركا لنجدة الباكستانيين إلا
أن قائديهما رفضا بعدما اتضح أنها مصيدة نصبها الأمريكيون، ووقع فيها
الباكستانيون؛ ليتم تأديب قوات عيديد بعدها على النحو الجاري.
خلاصة ازدواجية المعايير
لقد فقدت الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومجلس الأمن من خلال
المعايير المزدوجة، التي يقيمون بها الأمور كل مصداقية لهم لدى المسلمين، وإلا
فلماذا تتحول القرارات الدولية إلى مجرد حبر على ورق إذا كانت لنصرة مسلمين،
ولماذا يتم تنفيذها قبل أن يجف مدادها إذا كانت ضد مسلمين؟، ولماذا يؤدب عيديد
ويستمر تدليل كاراديتش؟
اقرأ أيضا:
محمد فرح عيديد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل