العنوان بلا حدود- ثلاث رؤي أمريكية للحركات الإسلامية (2 من 2)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 53
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 28-يونيو-1994
أما الرؤية الثانية فقد قدمها البروفيسور جون أسبوزيتو مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون وأحد المفكرين الغربيين البارزين المهتمين بالحركات الإسلامية، وقد أكد في رؤيته على أن «المشاركة السياسية للحركات الإسلامية في صناعة القرار هي مفتاح إيجاد زعماء مسئولين وديمقراطيين في الشرق الأوسط، وقال: «إن الحكومة التي تصف كل الجماعات المعارضة بأنها متطرفة إنما تدفع بالمعتدلين إلى اتخاذ مواقف راديكالية» وقال أسبوزيتو: «إن القمع يولد الراديكالية» وأضاف بأنه: «إذا سلّمنا بوجود بعض جماعات من المعارضة الإسلامية في الشرق الأوسط معادية للديمقراطية فإننا بحاجة أيضا إلى أن نتساءل عما إذا كانت الحكومات الحالية التي يدعمها الغرب تعتبر حكومات ديمقراطية؟» وحذر أسبوزيتو الغرب من الوقوع في شرك «الأصولية العلمانية» التي تفترض أن نمط الحكم الغربي هو النظام الوحيد المقبول وقال: «إنه لا يرتاح إلى استخدام الغرب لكلمة «الأصولية» ليصف بها الإسلاميين والحركات الإسلامية في الشرق الأوسط، وأكد أسبوزيتو في ختام كلمته على: «أن قيام حكومات لها اتجاهات إسلامية في الشرق الأوسط أمر يجب ألا يخيف الغرب».
كانت هذه باختصار هي الرؤية الأمريكية الثانية للحركات الإسلامية التي قدمها البروفيسور جون أسبوزيتو والتي تعبر عن رأي المفكرين الأمريكيين المعتدلين في الولايات المتحدة.
أما الرؤية الثالثة: فقد قدمها «دانيال بايب» مدير مركز دراسات فلاديفيا ومحرر مجلة «الشرق الأوسط» الفصلية وأبرز نشطاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وقد قال بايبس في رؤيته: «إن الشرق الأوسط ليس مستعدًا الديمقراطية الحقيقية وإن على الولايات المتحدة أن تركز أولًا على المساعدة في تطوير مجتمع مدني هناك» وقال: «علينا ألا ندعم تنظيم انتخابات هناك كهدف في حد ذاته، وإنما السلام مع إسرائيل أولًا ثم المجتمع المدني وبعد ذلك انتخابات».
وأشار بايبس إلى خطورة الانتخابات في إنها قد تُتيح الفرصة للإسلاميين للوصول إلى السُلطة وأستشهد بتجربة الجزائر وقال: «لقد أصبح واضحًا أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر سوف تفوز في أي انتخابات برلمانية قادمة، لقد جاءت الانتخابات مبكرة جدًا في الجزائر، ولذلك يجب أن تسعى الولايات المتحدة لاستيعاب الوضع وتقديم بديل أكثر أمنًا من الجبهة الإسلامية للإنقاذ».
كانت هذه هي الرؤية الأمريكية الثالثة والأخيرة للحركات الإسلامية والتي قدمها دانيال بايب أبرز نشطاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وذلك خلال الندوة التي نظمها «مجلس سياسة الشرق الأوسط» في العاصمة الأمريكية واشنطن في السادس والعشرين من مايو الماضي، ومن خلال تأملنا في هذه الرؤى الثلاث التي عكست التوجهات الأمريكية الرئيسية في الولايات المتحدة نجد أن:
الرؤية الأولى: التي تمثل الموقف الأمريكي الرسمي والتي عبّر عنها روبرت بیلیترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط تحوي خلطًا في المفاهيم، يبدو ذلك من خلال خلاصة كلمة بيليترو التي قال فيها: «إن حكومة الولايات المتحدة لا خلاف لها مع الإسلام كدين، غير أن نظرتها للحركات الإسلامية تتفاوت بمفاهيم هذه الحركات ونظرتها إلى الغرب، وأسلوب عملها إن كان يعتمد على العنف أو اتخاذ الطرق والوسائل المشروعة لتحقيق أهدافها» لكن هذه الرؤية تتحدد من خلال هدفين رئيسيين، الأول هو: «أمن إسرائيل وخيرها» والثاني هو: «مصالح الولايات المتحدة في المنطقة» والعبارات لا تخلو من الخلط ابتداًء من نظرة «الولايات المتحدة للإسلام كدين» إلى «أمن إسرائيل وخيرها» وما ذكره بيليترو هنا ذكره ديجر جيان من قبل حينما كان يتولى نفس المنصب، وهذه الرؤية تخلص إلى أن الولايات المتحدة تريد «إسلامًا» بمقاييس ومعايير أمريكية وليس كما أنزله الخالق على أنه دين جاء ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 8).
أما الرؤية الثانية: وهي: رؤية المفكرين الأمريكيين المعتدلين والتي عبّر عنها البروفيسور جون أسبوزيتو وتشمل قطاعًا عريضًا من مفكرين آخرين يضم جون فول، وإيفون حداد، ولويس كنتوري وآخرين، فهي تركز على ضرورة فهم الغرب للإسلام فهمًا صحيحًا أولًا وعدم الخوف منه، وأن دعم الغرب للأنظمة الديكتاتورية في بعض الدول الإسلامية هو الدافع الرئيسي لظهور الحركات المتطرفة «إن القمع يولد الراديكالية» وأن «قيام حكومات لها اتجاهات إسلامية في الشرق الأوسط يجب ألا يخيف الغرب» ومع نمو هذا التيار و ازدياد أنصاره يومًا بعد يوم إلا أنه يظل تيارًا فكريًا لا يملك القوة الإعلامية أو المادية أو قوة اتخاذ القرار وصناعته التي يملكها التياران الآخران:
أما الرؤية الثالثة: وهي: رؤية اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والتي عبّر عنها دانیال بايب، فهي رؤية مليئة بالحقد تقطر عنصرية وكراهية للإسلام والمسلمين، فهي تعتبر كل مسلم متطرف، وأن هؤلاء المسلمين ليسوا أهلًا لكي يختاروا حكومتهم وحكامهم، وإنما أول شيء يجب أن يفعلوه هو أن يستسلموا لليهود ويقيموا معهم سلامًا غير مشروط ثم يقيموا المجتمع المدني والعلماني، وبعد ذلك يمكن أن تقوم انتخابات تضمن وصول العلمانيين إلى السُلطة، أما قيام انتخابات الآن فهذا ليس معناه سوى وصول الإسلاميين.
من خلال هذه الرؤى الأمريكية الثلاث نجد أن هناك بعض التوافق بين التيار الأول والثالث وهما التياران اللذان يملكان السُلطة والمال والإعلام، وذلك في القضايا التي تتعلق «بخير إسرائيل وأمنها والسلام معها».
أما التيار الثاني وهو التيار الذي يملك الفكر فهناك خطوط التقاء ضعيفة بينه وبين التيار الأول في بعض العموميات لكن «الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» وفكر دون قوة تظهره وسلطان يفرضه ينقل ضعيف التأثير، فالتيار الأول يوجه السياسة الأمريكية بما يملك من سُلطة القرار، والتيار الثالث يوجه القرار الأمريكي بما يملك من سلطة المال والإعلام والنفوذ في الإدارة الأمريكية، أما التيار الثاني فإنه يُحارب بل يهدد أحيانًا رغم أن أصحابه ليسوا من المسلمين وقد أبلغتني البروفيسورة إيفون حداد أنها تلقت أكثر من تهديد بالقتل من متطرفين صهاينة إذا واصلت أطروحاتها المعتدلة عن الإسلام.
إن فهم توجهات السياسة الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية من خلال هذه التيارات الثلاث أمر ضروري وهام، لوضع كل شيء في نصابه، فلا تفرحنا كلمات منمقة أو تصريح جميل لأحد المسئولين الأمريكيين عن الإسلام في الوقت الذي تتجه فيه السياسة الأمريكية تجاه قضايا المسلمين الرئيسية باتجاه آخر، وإن أي وصف لأي قوة ما بلغت لدين الله يخالف وصف الله لدينه هو مردود عليها، وهذا أيضًا يوجب على الإسلاميين أن يسعوا حسب طاقاتهم لتفهيم المفكرين وصناع السياسة في الغرب المفاهيم الصحيحة للإسلام، لأن جهل كثير منهم بالإسلام ربما يكون دافعًا لهم في قراراتهم.
فالرسول ﷺ لم يقبل أي نوع من أنواع المهادنة في الدين وهو فرد مستضعف في مكة، وإنما فرض الإسلام على من قبله كما أنزله الله، وحق على الله أن يحفظ دينه كما أنزله والذي لن يقبله اليوم سوف يقبله غدًا، وعلى الغربيين أن يفكروا في كيفية التعامل مع الإسلام كواقع مفروض بدلًا من التفكير في محاربته والقضاء على القائمين عليه، وإن الإقبال المتزايد من الغربيين خاصة من النخبة لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا متجردًا ودخول الكثيرين فيه دون شروط يؤكد ذلك حتى يتحقق وعد الله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (سورة التوبة: 33).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل