العنوان بلا حدود- حصاد الهشيم
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1170
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
انتهت مراسيم التوقيع الثاني وبروتوكولات الاحتفال الذي أقيم في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي في البيت الأبيض حول ما يسمى باتفاقية أوسلو ۲ واستطاع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أن يقول للشعب الأمريكي عبر شاشات التلفزة ووسائل الإعلام الأمريكية انه قد تمكن أخيرا من إنجاز شيء لصالح اليهود، يعزز وضع سياسته الخارجية المتدهورة، يضمه إلى قائمة الإنجازات والتنازلات التي قدمتها الإدارة الأمريكية في عهده لصالح إسرائيل، حتى يضمن دعم اللوبي اليهودي الأمريكي له في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في الولايات المتحدة نهاية العام القادم ١٩٩٦م.
ومع انتهاء مراسيم التوقيع وبروتوكولات الاحتفال فقد بقيت الحقيقة.. حقيقة ما تم التوقيع عليه من اتفاقيات تضم ٤٥٠ صفحة، و٢٦ خريطة، وستة ملاحق، ولا تمثل كما قالت صحيفة لوموند الفرنسية سوى ما يوازي عشرة في المائة فقط من محتويات اتفاقية أوسلو 1 التي وقع عليها عرفات مع رابين في البيت الأبيض قبل عامين، ولا يعرف أحد حقيقة كل ما تم التوقيع عليه وحجم التنازلات التي قدمها عرفات سوى الموقعين ومن يدور في فلكهم، لكن المعلومات التي تسريت حتى الآن حول حجم المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل، من وراء هذا الاتفاق تعتبر مذهلة، بل إنها تضع الفلسطينيين المقيمين في الضفة وقطاع غزة في وضع أصعب من وضعهم تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر طوال السنوات الماضية، وذلك حسب وصف الكاتب البريطاني دانييل دورون في مقال نشرته له صحيفة «وول ستريت جورنال، في الأسبوع الماضي، وقبل الحديث عن حصاد الاتفاق، فقد كانت الأجواء التي سبقت التوقيع على الاتفاق كفيلة وحدها ببيان حجم المأساة فطوال ۱۸ شهراً من المفاوضات كان الوفد الإسرائيلي المفاوض هو الذي محاور كل شيء، بداية من تحديد موعد الجلسة وبدايتها وجدول أعمالها، ومحاور موضوعاتها، وحتى ختامها وإنهائها، وكان المفاوض الإسرائيلي يأتي إلى جلسة المفاوضات حاملاً معه الخرائط، والخطط والجداول، والمعلومات، والإحصائيات، والأرقام، والأهداف بينما المفاوض الفلسطيني لا يمتلك خرائط دقيقة أو معلومات محددة، فقط كان دوره هو المعارضة لم المعارضة، لم المعارضة، ثم الرضوخ في النهاية إلى مطالب الوفد الإسرائيلي، وبينما كان المفاوض الإسرائيلي يعود في كل شيء إلى خبراته ومستشاريه كان الوفد الفلسطيني يعود في كل صغيرة وكبيرة إلى ياسر عرفات الذي كان يعود بدوره إلى واشنطن وتل أبيب ثم يرضخ في النهاية، ولذلك فقد كان المتابع لمسيرة المفاوضات يجد أن المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود، وذلك على لسان المفاوض الفلسطيني، ثم يفاجأ في نفس اليوم إن كل شيء قد تم الاتفاق عليه، وأن كل العقبات قد ذللت، لكن المشهد الأخير لجولة المفاوضات اظهر حقيقة مسيرة المفاوضات من بدايتها إلى نهايتها، وأكد أن إسرائيل، هي التي حددت هذا الموعد الذي يوافق رأس السنة العبرية للتوقيع مثلما حدث كل شيء من قبل.
فبينما كان الصحفيون والمراسلون الإعلاميون يترقبون ما سوف تسفر عنه جلسة المفاوضات الأخيرة التي كان يعقدها عرفات مع بيريز في هيلتون طابا فوجدوا بعرفات يخرج غاضبا في حركة مسرحية أمام الصحفيين قائلا: «إننا لسنا عبيدًا لهم، فابرق الجميع إلى صحفهم وقنواتهم التليفزيونية والإذاعية بـأن المفاوضات مهددة بالفشل وتصدرت عبارة عرفات المسرحية رؤوس جميع التقارير ومانشيتات لكن في نفس الوقت الذي كانت تطبع فيه هذه التقارير أو تذاع كان ياسر عرفات يتلقى مكالمة هاتفية من دينيس روس أحد أقطاب اللوبي اليهودي في الإدارة الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية المعني بالشرق الأوسط. قال لعرفات فيها دون مناقشة إذا لم توقع فورًا على الاتفاق كما هو فإن المعونة الأمريكية التي تبلغ مائة مليون دولار لن تصلك وكذلك معونات الدول الحليفة وكانت هذه المكالمة كفيلة لأن يقوم عرفات ويعلن رضوخه ويوقع، ويزف بيريز إلى اليهود في يوم رأس السنة العبرية نصر جديد، يضمه إلى الانتصارات السابقة التي حققها اليهود على العرب في مثل هذا اليوم، وهي انتصارات كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة، ووقع عرفات على الاتفاق المهين الذي كان قد أعلن رفضه للتوقيع عليه قبل لحظات حتى يضمن تدفق الملايين التي يستغلها لقهر الشعب الفلسطيني وتحقيق رغباته الخاصة، ورغبات المحيطين به.
ولعل هذه الأجواء كفيلة لبيان فداحة ما تنازل عنه عرفات وما حققه الفلسطينيون من مكاسب، فاتفاقية طابا تعطي الإسرائيليين الحق في فلسطين كلها، وأن كل ما سيقوم به الجيش الإسرائيلي هو إعادة الانتشار في الضفة الغربية، وليس الانسحاب، حيث يحكم قبضته على ٦٨ % من مساحتها، ويسيطر على كافة الطرق والمداخل والمخارج، ويقوم بإنشاء ٦٢ قاعدة عسكرية جديدة، فيما تمنح سلطة عرفات إدارة ست مدن وعشرات القرى إدارة مدنية تحت سلطة عسكرية إسرائيلية، وبحق لإسرائيل إغلاق أية مدينة أو قرية متى شاءت مثلما تفعل في غزة وأريحا الآن، أما كل القضايا المحورية فهي إما معلقة أو مؤجلة، فقضية الخليل معلقة، وقضية مساحة أريحا معلقة منذ اتفاق القاهرة، وقضية المستوطنات معلقة، بل إن إسرائيل تقوم الآن بتوسيع ٣٠ مستوطنة وتربطها بالطرق والمرافق وتبلغ عدد هذه المستوطنات ۱۲۰ مستوطنة يعيش فيها ١٢٠ ألفا يهوديا، وقضية الإفراج عن المعتقلين علقت ولم تلتزم إسرائيل بتنفيذ ما اتفقت عليه، وهناك ٥٠٠٠ معتقل لا يعرف ما الذي سوف تفعله إسرائيل تجاههم، وعلاوة على هؤلاء فهناك أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الشتات لم تتعرض لهم الاتفاقية يمثلون ٦٠ من عدد سكان فلسطين.
أما قضية القدس التي هي قضية كل مسلم فهي مؤجلة، وأعلن رابين أنها لن تناقش لأن القدس حسب زعمه هي عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، أما الممارسات الإسرائيلية منذ توقيع أوسلو 1 وحتى توقيع أوسلو ۲ فإنها تعطي صورة لحصاد ما يسمى باتفاقيات السلام، حيث اعتقلت إسرائيل، ٣٢١٥ من معارضي اتفاق أوسلو، وكلهم من الإسلاميين، كما قامت في المدة من يوليو ۱۹۹۳ وحتى مارس ١٩٩٤ بتدمير ١٦٠ منزلا للفلسطينيين، وقتلت ١٦٧ فلسطينيا بعضهم تحت التعذيب وصادرت ١٦٣٢١ دونما من أراض الفلسطينيون في الضفة والقطاع خلال العامين الماضيين فقط أما نسبة البطالة بين الفلسطينيين فقد ارتفعت إلى % ٦٠٪، أما مياه الضفة فإن «إسرائيل» تستولي على ٦٠٠ مليون متر مكعب منها، فيما تمنح الفلسطينيون ۱۰۰ مليون متر فقط بما يهدد بتدمير البنية الزراعية
للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية.
إن حصاد اتفاقية أوسلو وحقيقة ما تم التوقيع، قد أوجزتها ثلاثة آراء لثلاثة أطراف متباينة، أجمعت كلها على أن «إسرائيل» قد فازت بكل شيء، وأن الفلسطينيين قد خسروا كل شيء.
أما الرأي الأول فهو لوزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز الذي وقف أمام الكنيست الإسرائيلي قائلا: إن اتفاق أوسلو يعد أحد الانتصارات التاريخية التي حققناها في العقد الأخير.
أما الرأي الثاني فهو لحيدر عبد الشافي- رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في الاتفاقات الثنائية التي عقدت في واشنطن. حيث قال: لقد أصبحنا نعيش فعلا في سجن كبير، وقد حصلت إسرائيل على كل ما تريد دون مقابل.
أما الرأي الثالث والأخير: فهو للكاتب اليهودي الأمريكي المعادي للصهيونية، وخبير العلاقات الدولية نعوم تشومسكي، الذي قال: لقد منحت اتفاقية أوسلو الإسرائيليين حرية التصرف في: كل شيء، وإن طموحات الشعب الفلسطيني سوف تسحق بسبب هذه الاتفاقية. إنها بشهادة الجميع ليست سوى حصاد الهشيم.