العنوان بلا حدود: حينما صفَّق الكونجرس وقوفًا لنتنياهو (١ من ٢)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 18-مارس-1997
«إن القدس لن تقسِّم بين العرب واليهود ولن نخلي أي إسرائيلي منها، كما أننا لن نتخلى عن أي رقعة أرض أو أي شارع من عاصمتنا الأبدية أبدًا.. أبدًا.. أبدًا» لم يكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينتهي من هذه العبارة، وهو يدق بيده بقوة على منضدة الخطابة في الكونجرس الأمريكي حتى أنتفض أعضاء الكونجرس كلهم وقوفًا وظلوا يصفقون بحرارة الأطول فترة ممكنة، وذلك من بين ١٤ مرة صفقوا فيها لبنيامين نتنياهو أثناء خطابه الذي ألقاه في الكونجرس في 10 يوليو ١٩٩٦م واستمر ما يقرب من أربعين دقيقة، متجاوزين بذلك كافة الأعراف النيابية الأمريكية، حتى إن كثيرًا من المراقبين وصفوا ما حدث في الكونجرس في ذلك اليوم بأنه شكل من أشكال «الهيستريا» أما أعضاء اللوبي اليهودي واعضاء الكونجرس الموالين لليهود فقد كان لهم رأي آخر، فعلى سبيل المثال قال «بنيامين عليمان» ممثل ولاية نيويورك عن الحزب الجمهوري ورئيس لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأمريكي: «إن الخطاب الذي ألقاه نتنياهو في الكونجرس خطاب بليغ ومليء بالرؤى ويدل على براعة صاحبه»، أما ديفيد هاريس المدير التنفيذي لجمعية الصداقة اليهودية الأمريكية فقد قال: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد أراد أن يُبَلّغ الولايات المتحدة الأمريكية بأنه الشخص الذي يمكنها التعامل معه، فهو يعرف الأمريكيين جيدًا ويحمل لهم التقدير والإعجاب»، وكان نتنياهو قد حاول في خطابه أمام الكونجرس أن يقدم نفسه كرئيس لوزراء «إسرائيل» يسعى لتهدئة المخاوف الأمريكية تجاه استمرار عملية السلام، مؤكدًا إنه لن يتنازل عن شيء لكن العرب سوف يتكيفون مع أطروحاته، وهذا ما أكده وهو في طريقه إلى واشنطن في السابع من يوليو ١٩٩٦م، حيث قال في حديث أدلى به إلى إذاعة الجيش الإسرائيلي: «إن ما يجري الآن هو أن العرب يتكيفون.. الفلسطينيون والسوريون وغيرهم يتكيفون مع الواقع الجديد ويضطرون إلى البدء في التساهل من أجل التغيير»، لذلك فقد كان واضحًا في عرض أفكاره أمام أعضاء الكونجرس، وقال لهم: «إن السلام الدائم لا بد أن يقوم على مدونة سلوك تقف على ثلاث دعامات هي على الترتيب.. أمن إسرائيل من أي هجوم إرهابي، والتبادلية التي يتم من خلالها تسوية جميع النزاعات بالتفاوض والديمقراطية، وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط» وفي أسلوب بدا الخلط فيه واضحًا قال نتنياهو: «إن «إسرائيل» ترفض فكرة الصراع الحضاري بين العرب واليهود» مضيفًا: «نحن لا نؤمن بفكرة أن الإسلام حل محل الشيوعية، كمنافس جديد للغرب لأن صراعنا محدد.. إنه مع أولئك المتشددين المتعصبين الذين يشوهون التعاليم الأساسية لديانة عظيمة ليوجهونها نحو العنف والهيمنة العالمية»، ولا ندري ما «التعاليم الأساسية» التي يتحدث عنها نتنياهو، غير إنه واصل أكاذيبه وأيديه ملطخة بالدماء قائلًا:
«يدنا ممدودة بالسلام لكل من يمسك بها، نحن مستعدون لاستئناف المفاوضات مع السُلطة الفلسطينية حول تنفيذ اتفاقنا المؤقت.. نحن مستعدون للدخول في مفاوضات جادة مع سورية ولبنان، نحن نريد سلامًا يمكنه الاستمرار والدوام»، وحينما تطرق لموضوع القدس قال: «إسرائيل» لن تسمح أبدًا بتقسيم القدس بين العرب واليهود أبدًا أبدًا، وأضاف: «كانت هناك جهود تبذل لإعادة تقسيم المدينة من جانب أولئك الذين يزعمون أن السلام يمكن أن يأتي عبر التقسيم، وهذا افتراض لا أساس له وخطير ويفرض على الإعلان اليوم أنه لن يكون هناك أبدًا هذا التقسيم للقدس.. أبدًا»، وضرب نتنياهو على منصة الخطابة للتأكيد على أقواله فيما بدأ التصفيق الحار وقوفًا من الجميع، وواصل نتنياهو حديثه وهو منتش لتجاوب الكونجرس مع أطروحاته قائلًا: «ينبغي ألا نسمح أبدًا بإقامة سور برلين داخل القدس».
ثم انتقل نتنياهو بعد ذلك في حديثه إلى تحريض الولايات المتحدة على إيران والعراق محذرًا من أن «الوقت يمضي سريعًا»، وأشار إلى دول المنطقة عمومًا متهمًا إياها بالديكتاتورية وأضاف: «وأخطر هذه النظم هو النظام الإيراني الذي جمع بين طغيان وحشي وتشدد متعصب، وإذا حدث أن حصل هذا النظام أو جاره العراق على أسلحة نووية فقد ينذر هذا بعواقب تصل إلى الكارثة ليس فقط لبلادي أو للشرق الأوسط ولكن للبشرية كلها»، والملاحظ أن نتنياهو يتحدث بهذا الحديث في ظل امتلاك إسرائيل -حسب مصادر عديدة- لأكثر من مائتي رأس نووي تهدد بها المنطقة، وكان نتنياهو بحديثه يثير مشاعر أعضاء الكونجرس الذين كانوا يواصلون تصفيقهم لأطروحاته، ثم واصل حديثه مؤكدًا على الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة قائلًا: «إن الولايات المتحدة و«إسرائيل» كانتا في صدارة الجهود لمنع إيران والعراق من امتلاك أسلحة نووية، ولكن بوسعنا ويتعين علينا أن نفعل ما هو أكثر بكثير، يتعين إقناع أوروبا ودول آسيا بأنه من الحمق السعي إلى تحقيق كسب مادي على المدى القصير، بينما تخلق خطرًا طويل المدى على وجودنا جميعًا».
وأختتم نتنياهو خطاب تحريضه قائلًا: «أعتقد أن الولايات المتحدة وحدها يمكن أن تتزعم هذا الجهد الدولي الحيوي لمنع امتلاك دول إرهابية لأسلحة نووية، لكن المهلة المتاحة لتحقيق هذا الهدف قاربت نهايتها كثيرًا».
وفي نهاية الخطاب وقف أعضاء الكونجرس -الذين لا يجتمعون إلا في خطابات الرئيس الأمريكي فقط والزعماء الدوليين الذين لهم تاريخ سياسي حافل- وقفوا جميعا مصفقين بحرارة لنتنياهو، وقد عبر رونالد منزولو عضو الكونجرس الجمهوري عن مشاعر الحضور قائلًا: «إن هذا الرجل يتكلم الإنجليزية دون أي لكنة، إنه لا يختلف عنّا، بل إن مظهره يدل على أنه واحد منّا»، وبالفعل فإن نتنياهو عاش في الولايات المتحدة ١٤ عامًا ولم يتخل عن الجنسية الأمريكية، إلا بعد ما عُيِّن في عام ١٩٨٤م مندوبًا «لإسرائيل» لدى الأمم المتحدة ويعرف جيدًا كيف يضرب على الوتر الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل