; حينما يموت أصحاب المعاني الجميلة | مجلة المجتمع

العنوان حينما يموت أصحاب المعاني الجميلة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993

مشاهدات 65

نشر في العدد 1064

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 31-أغسطس-1993

  • كانت له هيبة وعليه وقار يجعل حتى رجال الأمن يهابونه ويعاملونه باحترام بالغ

اليوم أترك هموم السياسة إلى هم من هموم النفس، وإن كانت الهموم لا تفارقنا أينما حللنا وارتحلنا، إلا أن هم فقدان الحبيب والأستاذ والمربي والوالد والصديق همٌّ لا تستطيع النفس أن تتجاوزه أو تتخطاه، بل إنه يكون في حينه أعظم ما يلحق النفس من بلاء، والنهاية دائمًا ما ترد الإنسان إلى البداية، بداية معرفته بمن ربطت الأقدار مصيره بهم، وجعلهم الله سببًا لبعض ما يعيش فيه من نعم وأفضال، وعادة ما يكون موت أمثال هؤلاء ليس موتًا لهم وحدهم وإنما تصل معاني موتهم إلى كل النفوس التي عرفتهم.

وقد كان الأستاذ محمد العدوي -رحمه الله- أحد رجالات الرعيل الأول للإخوان المسلمين- واحدًا من هؤلاء الذين لا يكون موتهم موتًا لهم وحدهم وإنما يصل أثر معاني موتهم إلى كل من عرفهم أو تتلمذ على أيديهم أو سمع منهم أو رآهم، فيكون للحزن عليهم معنى يخالف معنى حزن الآباء والأمهات على موت من ولدوا أو حزن الأبناء على موت آبائهم أو أمهاتهم، أو حزن المحب على موت حبيبه، أو حزن الحميم على موت حميمه، ويكون معنى الموت هنا ليس موت رجل وإنما هو موت للأخلاق والفضيلة والتضحية والجهاد والوفاء والصبر وشتى المعاني الجميلة التي كان يحملها هذا الرجل، لذلك لم يكن حزني عليه وأنا أطالع البرقية التي حملت إليَّ خبر وفاته بقدر ما كان حزني على موت المعاني التي كان يحملها، والأخلاق التي كان يتخلق بها ويمشي بـها في الناس، والهيبة التي كانت تكسوه فتجعل أعداء الدعوة ومحاربيها يخشونه ويجلونه، وعلم الحياة الذي كان يفيض به على العلماء وأساتذة الجامعات والجهابذة الذين كانوا يتحلقون حوله في تواضع وأدب جم يأخذون عنه ما لا يجدونه لدى غيره من الناس، فغمرني الحزن لوفاة رجل كان يمشي بين الناس بمعانيه فجعلت منه الفضيلة وهجًا يلتف حوله الباحثون عن الحقيقة ويسعى وراءه ناشدو الحق ومحبو المعرفة وعشاق المعاني الحقيقية للحياة.

كنت لا أزال في المرحلة الإعدادية حينما رأيته أول مرة وقد صحبت بعض أقراني إلى مبنى كلية الطب بجامعة المنصورة حيث كان يلقي محاضرة في جمع من شباب الجامعة، وبهرني حديث الرجل الذي كان يتحدث في السيرة بكلام غير الذي تعودت على سماعه من غيره، وعجبت لكونه لا يتزيا بزي العلماء أو يتحدث بحديثهم فكان كلامه وهيبته مع هيئته البسيطة ومعاني حديثه الكبيرة مبعث الكثير من التساؤلات التي عرفت إجابتها بعد المحاضرة.

لم تدخل المعاني التي كان يتحدث بها الرجل وحدها إلى نفسي وإنما دخل صاحبها معها، وسرعان ما تعمقت مكانته في نفسي حينما اقتربت منه أكثر فوجدته يعاملني بأبوة وود يفيض به على آلاف ممن عرفوه أو عايشوه أو سمعوه أو سمعوا به غيري، وحينما حصلت على الشهادة الثانوية ذهبت إليه وقلت له أريد أن أدرس الصحافة فأنت تعلم ميولي الصحفية ورغبتي في العمل في هذا المجال الذي ندر وجود الإسلاميين فيه، فحدثني حديثًا طويلًا برز فيه طول باعه وخبرته في فنون الحياة المختلفة وكان مما قاله لي: «إن الصحافة يا بني مهنة لا تعتمد بالدرجة الأولى على الدراسة فقط، وإنما تحتاج إلى موهبة ورغبة وممارسة وصبر ودراسة واحتراف». ثم عدد لي أسماء نوابغ الصحفيين الذين درسوا الهندسة والحقوق والأدب والفلسفة وغيرها من علوم الحياة الأخرى ونبغوا في الصحافة أكثر ممن أخذوها دراسة، ونصحني بدراسة الأدب مع البدء مباشرة في ممارسة العمل الصحفي مع بدء التحاقي بالجامعة، فأنهي دراستي بعد أربع سنوات وقد ملكت ناصية اللغة من ناحية ودرست الصحافة ومارستها من ناحية أخرى، فأجمع بين الناحيتين، وأعطاني رسالة إلى الأستاذ «عمر التلمساني» -رحمه الله- حتى أبدأ في العمل في مجلة الدعوة مع بداية دراستي للأدب في كلية الآداب فدرست الأدب ومارست الصحافة، ووفقني الله في الجمع بين الاثنين بتوجيهات الأستاذ العدوي -رحمه الله- الذي ظل يرعاني كالنبتة التي زرعها حتى في سنوات بُعدي عنه إلى أن وافته المنية قبل أيام.

ولد الأستاذ محمد العدوي في المنصورة في 20/9/1918 وحصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية، وبدأ عمله في وزارة الري في محافظة الشرقية، تعرف على دعوة الإخوان المسلمين وبايع الإمام الشهيد حسن البنا سنة ١٩٣٦، وكان يعتبر تاريخ بيعته هو تاريخ ميلاده الحقيقي، وفي سنة ١٩٤٢ طلب منه الإمام البنا أن ينتقل من وظيفته في وزارة الري إلى وزارة التربية والتعليم حتى يكون مجال عطائه في الدعوة والتربية أفضل، فانتقل إلى وزارة التربية وظل يتنقل في وظائفها المختلفة حتى اعتقل مع كبار الإخوان في يناير ١٩٥٤، وأفرج عنه في مارس من نفس العام، ثم اعتقل مع عشرات الآلاف من الإخوان بعد ذلك بشهرين وحكم عليه في ١٢ ديسمبر ١٩٥٤ بالأشغال الشاقة لمدة خمسة وعشرين عامًا، قضى منها عشرين عامًا في السجون شامخ الرأس قوي العزيمة، وكان يحمد الله دائمًا على الثبات، وخرج في ٢٥ يوليو ١٩٧٤ ليواصل نشر دعوته من جديد وبث روح الحياة في نفوس الآلاف من شباب الدعوة الذين التفوا حوله، ثم اعتقل مرة أخرى في نوفمبر ۱۹۸۱ بعد مقتل السادات، وأفرج عنه في مارس ۱۹۸۲، وكان له أسلوب تربوي مميز ومدرسة خاصة في التربية تقوم على التربية بالقدوة وقلة الكلام، وكان له وقار وهيبة كانت تجعل حتى رجال الأمن يهابونه ويعاملونه باحترام بالغ.

ورغم تقدم السن به وملاحقة أمراض الشيخوخة له إلا أنه كان يحمل روح الشباب وعزيمة المجاهدين إلى أن وافته المنية واختاره الله إلى جواره في الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، وإن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.


اقرأ أيضًا:

أعوام الكوارث هل ترحل؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية