; بلا حدود.. سر العداء الأوروبي لمسلمي البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. سر العداء الأوروبي لمسلمي البوسنة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 75

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

• أوروبا تعتبر مسلمي البوسنة الخطر الذي هدد إمبراطورياتهم من قبل ويمكن أن يهدد وجودهم الحالي

التقيته على هامش الإعداد لمؤتمر «الإسلام والغرب.. تعاون لا مواجهة» الذي عقد في العاصمة الأمريكية «واشنطن» في الأسبوع الماضي بين مقر نادي الصحافة الدولي ومبنى الكونجرس، وبعد ما حدثني عن المؤتمر وأهدافه وكيف أنه أهم خطوة تتخذها المنظمات الإسلامية الأمريكية في فتح حوار مع المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وأعضاء الكونجرس البارزين الذين يساهمون بشكل فعال في رسم السياسة الخارجية وصناعة القرار في الولايات المتحدة، قلت للدكتور ياسر صالح رئيس هيئة التضامن العالمي لحقوق الإنسان بعدما أنهى حديثه الشيق عن المؤتمر بصفته أحد القائمين عليه وأحد المنظمين له: بعد هذا الحديث الشيق، هلا حدثتني عن سر ملامحك الأوروبية ولهجتك الشامية؟

ابتسم الدكتور ياسر صالح لسؤالي الذي خرجت به عن مجرى الحديث وقال: إنني أوروبي، بل من قلب أوروبا.. إنني من البوسنة والهرسك، أما سر حديثي بالعربية بلكنة شامية فلأني ولدت في فلسطين وكانت نشأتي الأولى بها؛ فجدي -رحمه الله- صالح بوشناق كان أحد قادة جيش الخلافة الإسلامية العثمانية، وكما تعرف فقد كانت أرض الخلافة كلها من قلب أوروبا مرورًا بتركيا والشام والجزيرة وحتى المغرب العربي، كلها بلاد للمسلمين، فلم تكن تعرف تلك التجزئة والتمزق، حيث قامت الدول الأوروبية بتقسيمها في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية حتى لا تقوم للمسلمين قائمة فيما بعد، وكان جدي قد عين من قبل جيش الخلافة قائدًا للحامية العسكرية في غزة، فانتقل من البوسنة إلى غزة وظل بها حتى توفي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وقد حدثني والدي عن جدي أحاديث لا نهاية لها عن دور البوسنويين في الفتوحات الإسلامية لقلب أوروبا، مما جعلني شغوفًا بتاريخ أجدادي المسلمين البوسنويين، وعلاوة على قراءاتي واطلاعي فقد قمت بزيارات لبعض المناطق التي دارت فيها معارك بارزة بين المسلمين والأوروبيين، وقد استطعت من خلال ما رواه لي أبي عن جدي وما اطلعت عليه في كتب التاريخ، وما رأيته على أرض الواقع أن أقف على سر العداء الأوروبي لمسلمي البوسنة.


قلت له: وما هو في تصورك سر هذا العداء؟ قال الدكتور ياسر صالح: إذا اطلعت على شبه جزيرة البلقان وجدت البوسنة والهرسك وحدها دون باقي المنطقة تتميز بمرتفعاتها الجبلية، وتضاريسها الخاصة التي جعلت أهلها على مر الزمان بعيدين عن الصراعات التاريخية والإرث الدموي الذي استمر قرونًا طويلة بين الكاثوليك والأرثوذكس من سكان المنطقة، كما أن الطبيعة الجبلية أكسبت أهل البوسنة صفات خاصة، فهم أهل صبر وجلد وشدة وبأس، لذلك حينما فتح العثمانيون منطقة البلقان منذ ما يزيد على خمسة قرون دخل أهل البوسنة دونًا عن باقي سكان البلقان في دين الله أفواجًا، فقد ساعدتهم عزلتهم وعدم وجود أيديولوجية دينية قوية لديهم علاوة على فطرتهم على الدخول في الإسلام مع قلة من الصرب والكروات، ولما أسلم أهل البوسنة حسن إسلامهم وملأ الإسلام قلوبهم؛ فانخرطوا في جيوش الخلافة وصاروا مع الفاتحين، ولما شعر العثمانيون ببأسهم وجلدهم وصبرهم وقوتهم جعلوهم رأس الحربة للجيوش المسلمة التي راحت تطرق أبواب المدن الأوروبية الكبرى لفتحها، فكان البوسنويون رأس حربة الجيش الإسلامي الذي طرق أبواب فيينا وكانوا رأس حربة الجيش الإسلامي الذي طرق أبواب روما، وكانوا رأس حربة الجيش الإسلامي الذي طرق أبواب باريس وغير ذلك من المدن الأوروبية الكبرى.

وقد برز مسلمو البوسنة في الجانب العسكري دون باقي مسلمي أوروبا، وكان لهم دور كبير في الفتوحات وفي زلزلة عروش الإمبراطوريات الأوروبية جميعها، وقد دعم ذلك بأن أصبحت البوسنة مركزًا قويًّا للدولة العثمانية في قلب أوروبا فكان ملوك أوروبا يرسلون الجزية إلى حاكم البوسنة حتى يكف جيوش المسلمين عنهم، ومنذ ذلك التاريخ وأوروبا تضمر الحقد الدفين لمسلمي البوسنة، وتعتبرهم الخطر الذي هدد إمبراطورياتهم من قبل، والذي يمكن أن يهدد وجودهم الحالي، لذلك فقد التقى الجميع لتصفية الحسابات وتركوا العنان للصرب والكروات ليبيدوا المسلمين فيما هم يعقدون المؤتمرات كل يوم ليمنحوا الصرب مهلة أكبر ويقضوا على المسلمين سياسيًّا مع إبادتهم عسكريًّا.. إنها حسابات قديمة يا صاحبي، وأوروبا ترد الآن لمسلمي البوسنة ما عجزت عن القيام به بالأمس.

صمت الدكتور ياسر صالح قليلًا ثم قال: هل أدركت يا صاحبي سر ملامحي الأوروبية؟

 

الرابط المختصر :