; صراع تحت قبة الكونجرس | مجلة المجتمع

العنوان صراع تحت قبة الكونجرس

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996

مشاهدات 63

نشر في العدد 1189

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 20-فبراير-1996

 واشنطن

رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي أدخل فيها إلى مبنى الكونجرس الأمريكي، إلا أنها كانت المرة الأولى التي تتاح لي الفرصة فيها لحضور إحدى جلسات مجلس النواب الأمريكي، حيث جلست في شرفة عائلات الأعضاء باستضافة من السيناتور جيم بيل موران، وكان حظي أن الجلسة كانت ساخنة للغاية، فأزمة الميزانية بلغت ذروتها بين الديمقراطيين والجمهوريين، ووصلت إلى حد إغلاق كثير من المؤسسات والسفارات، بل وحتى المحاكم الأمريكية أكثر من مرة بسبب عدم وجود رواتب للموظفين وصلت إلى حد تسريح 280 ألف موظف تسريحًا جزئيًا، ووجود 800 ألف موظف فيدرالي آخرين مهددين بعدم القدرة على سداد إيجارات منازلهم وفواتير حياتهم المعيشية. 

وقد تعجبت من أسلوب النقد اللاذع الذي يتبادله الأعضاء من الجانبين، لا سيما الديمقراطيين الذين يشعرون بأن الجمهوريين يواصلون إحراج الحكومة وشلها عن القيام بوظائفها من أجل مصالح أنتخابية بحتة بعد قدرتهم على الفوز بالأغلبية في انتخابات الكونجرس التي تمت في عام 1994م، حتى أن أحد الأعضاء الديمقراطيين اتهم في كلمته الجمهوريين بأنهم إرهابيون وأنهم يضعون 300 ألف موظف فيدرالي أمريكي كرهائن لأهوائهم ومشروعاتهم التي ستدمر بنية المجتمع الأمريكي، وحينما سمعت هذه العبارة شككت في فهمي لها وظننت أن محور الجلسة ربما يتناول قضايا إرهابية بعيدة عن الميزانية فملت على الأستاذ خالد صفوري - نائب مدير المجلس الإسلامي الأمريكي - الذى كان يرافقني وسألته إن كان فهمي للعبارة صحيحًا أم لا، وأن الإرهاب قد وصل إلى قبة الكونجرس وطال أعضاءه، فقال لي وهو يبتسم: «نعم العبارة صحيحة، وهم يتبادلون عبارات أقسى من هذه، فكل المصطلحات التي اخترعتها وسائل الإعلام الغربية ووصفت بها المسلمين ابتداءً من الأصولية ووصولًا إلى التطرف والإرهاب أصبحت عبارات شائعة يتهم أعضاء الكونجرس بعضهم بعضًا بها بعدما تفجرت أزمة الميزانية بينهم مؤخرًا».

وتتلخص الأزمة التي تفجرت بين الطرفين وظهر أول أثر لها في نوفمبر الماضي في أن الأعضاء الجمهوريين في الكونجرس بقيادة نيوت غينغرتش - رئيس مجلس النواب - يريدون خفض الموازنة الأمريكية للسنوات الست القادمة التي تنتهي في عام 2002 بمبلغ يزيد قليلًا على تريليون دولار أي «مليون مليون»، وهو مبلغ لا يتجاوز نسبة 5% من مجموع الميزانية الذي يزيد قليلًا على عشرين تريليون دولار. 

غير أن هذه النسبة البسيطة تمس الثوابت التي وضعها الرئيس روزفلت قبل 60 عامًا، وحسنها جونسون قبل 30 عامًا فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية.

فبرنامج الجمهوريين يركز على إلغاء جملة من البرامج الاجتماعية الأساسية التي تركز على دعم الفئات المغبونة وكبار السن، وتخفيض ميزانية العناية الصحية، والتعليم والتدريب وإعانة العاطلين عن العمل والمواصلات وعلوم الفضاء والتكنولوجيا والطاقة والعلاقات الدولية الخارجية ورجال القانون والشرطة، كما أن هناك وزارات ووكالات فيدرالية مهددة بالإلغاء بكاملها على رأسها وزارات التعليم، والطاقة، والتجارة، فيما لا يوجد مساس من قريب أو بعيد بميزانية الدفاع والأمن التي تبلغ 271 مليار دولار من مجموع الميزانية الفيدرالية البالغ 1500 مليار دولار، فيما تلتهم فوائد الديون مبلغًا ضخمًا مقداره «213 مليار دولار».

وفيما يبدو كلينتون أنه الحريص على الإرث السياسي الاجتماعي الذي وضعه روزفلت، يريد غينغرتش أن يبدو على أنه المصلح الذي سوف ينقذ أمريكا من ورطتها، ويقضي على عجز الميزانية الفيدرالية الذى يتجاوز الآن سقف 180 مليار دولار، ويهدد مستقبل أمريكا الاقتصادي إذا استمر في الزيادة، وقد وضع هذا الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين الحكومة الأمريكية في مأزق كبير ربما لم تشهده في تاريخها، حيث طلب من 280 ألف موظف فيدرالي البقاء في منازلهم أكثر من مرة خلال ثلاثة أشهر بسبب عجز الحكومة عن دفع الرواتب لهم، كما أغلقت كثير من المكاتب والمؤسسات الحكومية في عدة ولايات ومدن كبرى على رأسها العاصمة الأمريكية واشنطن، حتى أن الأزمة طالت النظام القضائي بما فيه المحكمة العليا، حيث أدى نقص الأموال إلى التأثير على القضاة ومنعهم من مزاولة عملهم في كثير من المحاكم، وأكد مساعد وزيرة العدل الأمريكية على ذلك، وأعرب عن أسفه بأن «تصدعات قد بدأت في الظهور داخل الجهاز القضائي»، كما توقفت الإدارات القائمة على إعداد جوازات السفر عن العمل، مما أدى إلى انعكاسات كبيرة على مصالح الناس وارتباطاتهم، كما تضرر اقتصاد أمريكا تضررًا فادحًا بسبب إغلاق بعض الموانئ ومنها أكبر ميناء أمريكي في لوس أنجلوس، كما تضرر رجال الأعمال والاقتصاد من جراء الإغلاق الجزئي الذي حدث في كثير من الأماكن.

وخارج الولايات المتحدة أغلقت القنصليات الأمريكية في كثير من الدول، وعجزت عن مباشرة أعمالها بسبب عدم دفع رواتب الموظفين، أما في سويسرا فقد وصل الأمر إلى حد توقف إمداد السفارة الأمريكية هناك بمياه الشرب، لأن السفارة لم تسدد فواتيرها. 

وفيما استطاع كلينتون أن يصل إلى حلول جزئية مع الجمهوريين أدت إلى الموافقة على اعتمادات مؤقتة للميزانية لا تعطل العمل ولا تؤدي إلى استمرار تشوه وجه الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا، إلا أن هذه الاتفاقيات تظل مرهونة بأسابيع قليلة وبلعبة شد الحبل بين الجمهوريين والديمقراطيين التي لا يرى كثير من المراقبين سوى أنها مراهنات انتخابية بحتة لها آثارها المدمرة على مستقبل الولايات المتحدة، وما هي إلا لعبة مصالح بين الطرفين، وأن المواطن الأمريكي البسيط هو الذي يدفع الثمن، والدليل على ذلك أن أعضاء الكونجرس ومسئولي البيت الأبيض هم الوحيدون الذين لم تتأثر رواتبهم أو امتيازاتهم حتى الآن. 

إن ما حدث يعتبر مؤشرًا على إمكانية قيام الأمريكيين بتدمير الولايات المتحدة من الداخل، كما أن ارتفاع نسبة فوائد الديون داخل إطار الميزانية بما يجعلها قريبة من ميزانية الدفاع تأكيد على أن النظام الربوي العالمي سوف يدمر صانعيه وحماته، فالسياسة حينما تتجرد من المبادئ تصبح دمارًا وخطرًا حتى لدى الدولة التي تعتبر نفسها أقوى دولة في العالم، في الوقت الذي عجزت إحدى سفاراتها عن دفع فواتير مياه الشرب للموظفين العاملين فيها.

الرابط المختصر :