; بلا حدود: مكافأة الجاني ومعاقبة الضحية | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: مكافأة الجاني ومعاقبة الضحية

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 138

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

     في الوقت الذي أعلن فيه مجلس الأمن الدولي تخفيف العقوبات عن الصرب بناء على توصية تقدمت بها بريطانيا، وروسيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وذلك مكافأة لهم على جرائمهم الوحشية التي ارتكبوها ولا زالوا يرتكبونها ضد المسلمين في البوسنة منذ إبريل ١٩٩٢م، كان جزار الصرب وكبير مجرميها رادوفان كارانيتش يعقد مؤتمرًا صحفيًا يهدد فيه المجتمع الدولي بأنه سوف يشن حربًا شاملة إذا ما حاولت قوات حلف الأطلسي أن تقوم مرة أخرى بأي هجوم على القوات الصربية التي تدك سراييفو ليل نهار بالقذائف. 

      ومع هذه الجائزة الكبرى التي منحت للصرب المجرمين تم معاقبة الضحايا المسلمين بإعلان الأمم المتحدة عن قطع الجسر الجوي للإمدادات إلى سراييفو، والذي يقوم بنقل وتوفير (٩٠٪) من احتياجات السكان المحاصرين منذ أكثر من عامين ونصف وسط وعود جوفاء من قادة النظام العالمي الجديد برفع الحصار عنهم، ويبدو أن قادة النظام العالمي الجديد سوف يقومون بذلك فعلًا حينما يعلن الصرب عن قضائهم على آخر مسلم بوسنوي وسط بيانات الشجب والإدانة التي تدبج منذ أكثر من عامين.

     وفيما بدأت كميات هائلة من الأسلحة الروسية التي كانت مخزنة في ألمانيا ودول أوروبا الشرقية تصل إلى الصرب مكافأة لهم على جرائمهم، وتشجيعًا لهم على مواصلة إبادة المسلمين، أعلن بطرس غالي –السكرتير العام للأمم المتحدة– رفضه القاطع لرفع حظر تصدير السلاح لمسلمي البوسنة حتى يدافعوا به عن أنفسهم، وقال بطرس غالي في رسالة وجهها إلى مجلس الأمن في الأسبوع الماضي تمهيدًا، لإحباط الطلب الأمريكي برفع الحظر «إن رفع حظر التسلح عن حكومة البوسنة بمثابة إذكاء لنار الفتنة التي تسعى الأمم المتحدة –على حد زعمه– لإخمادها».

     وفيما أكد رئيس الوزراء البوسني حارث سيلاجيتش أن الشاحنات المحملة بمختلف أنواع الممنوعات والإمدادات وصهاريج النفط وأرتال الدبابات- مستمرة في العبور من صربيا إلى مناطق صرب البوسنة دون حصار يذكر، فقد تخطت العاصمة سراييفو حاجز التسعمائة يوم من الحصار في الأسبوع الماضي ليصبح أطول حصار تتعرض له مدينة في العصر الحاضر؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن حصار سراييفو بدأ في ٥ إبريل ١٩٩٢م، ومع تجاوز المدينة لحصار التسعمائة يوم فقد أعلن طارق كوبوزوفيتش –رئيس بلدية سراييفو– بأن المدينة تموت موتًا بطيئًا مع استمرارانقطاع الماء والكهرباء والغاز عنها تحت سمع وبصر القوات الدولية دون أن تحرك ساكنًا بل إن محمد شاكر بيه –مندوب البوسنة لدى الأمم المتحدة– أنهم قوات الأمم المتحدة بالمساهمة في عقاب سكان سراييفو بعد أن أصدر الجنرال مايكل روز –قائد قوات الأمم المتحدة في البوسنة– أمرًا يقضي بإغلاق الطريق الرئيسية المؤدية إلى سراييفو والمعروفة باسم «الطريق الزرقاء» عمدًا ودون سبب عسكري، في الوقت الذي يزيد فيه الصرب من حصارهم على المدينة بما يعتبر مشاركة بصورة غير مباشرة في فرض هذا الحصار من قبل قوات الأمم المتحدة.

     وفيما وجه الجنرال روز تهديدًا مباشرًا في العشرين من سبتمبر الماضي إلى المسلمين في سراييفو بأن قوات حلف الأطلسي سوف تقوم بقصف مواقعهم إذا ما قاموا بقصف مواقع الصرب حول سراييفو، أعلن الكولونيل تيم سبايسر نفيه لأنباء صحفية أشارت إلى الجنرال مايكل روز قد هدد الصرب بلجوء حلف الأطلسي إلى شن ضربات جوية جديدة عليهم، إذا لم يسحب الصرب مدفعيتهم الثقيلة من منطقة الحظر المفروضة حول سراييفو، بما يعتبر إشارة للصرب بأن يستمروا في جرائمهم تحت رعاية الأمم المتحدة، أما مسرحية قوات حلف الأطلسي التي قامت بغارة جوية على موقع صربي في الأسبوع الماضي فقد أشار مراقبون عسكريون إلى أنها كانت مسرحية محكمة الإعداد؛ حيث علم الصرب بالأمر قبله بنصف ساعة، وهجروا الدبابة (تي ٥٥) حيث جاءت الطائرات وقصفتها دون أن تحدث أي خسائر، أو تؤثر على مجرى القصف والحصار العربي لسراييفو، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الجنرال راتكو ملاديتش –قائد جيش صرب البوسنة– أبلغ قادة الأمم المتحدة هاتفيًا بأن قواته سوف تنتقم منهم إذا لم يعتذروا عن تلك الغارة التي دمروا فيها الدبابة الصربية المهجورة.

     وفيما يستمر مسلسل النظام العالمي الجديد في مكافأة الجاني ومعاقبة الضحية في البوسنة؛ استمر كذلك مسلسل الفشل الأمريكي في السياسة الخارجية تجاه البوسنة بوضع حكومة البوسنة أمام الأمر الواقع، وإجبارهم على الموافقة على الإعلان عن تأجيل اتخاذ قرار برفع حظر تصدير السلاح عنهم بعدما اتضح للرئيس بيجوفيتش الذي ألقى كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذا الصدد بأن هذا القرار لن يكون سوى الخطوة الأخيرة للإجهاز على من تبقى من مسلمي البوسنة؛ حيث ستقوم الأمم المتحدة بإخلاء مواقع قواتها في شرق البوسنة للصرب، وإتاحة المجال أمامهم لإسقاط سراييفو قبل أن تصل قطعة سلاح واحدة لمسلمي البوسنة، إن محاور الأحداث كلها تصب في إطار واحد هو مكافاة الصرب المجرمين ومعاقبة المسلمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

522

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

580

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8