العنوان ملف بطرس غالي
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
بلا حدود
انتهت معركة الأمين العام للأمم المتحدة وحُسمت لصالح الغاني كوفي أنان الذي أيدت ترشيحه نفس الدول التي رشحت بطرس غالي من قبل.
ومع نهاية ديسمبر الجاري ١٩٩٦م تنتهي ولاية بطرس غالي، بعد أربع سنوات قضاها في الطابق الثامن والثلاثين من مبنى الأمم المتحدة، حيث يقع مكتب الأمين العام، ليكون بذلك أول أمين عام في تاريخ الأمم المتحدة يقضي فترة واحدة في ولايته دون تجديد بعدما غضب عليه الذين وضعوه في هذا المنصب قبل أربع سنوات، والقضية ليست في تعيين بطرس غالي أو إقالته، ولكن في الضجة التي أفتعلها بعض الكتاب والصحفيين العرب الذين حاولوا أن يصنعوا من بطرس غالي بطلًا وشهيدًا للعنجهية والصلف الأمريكي في الوقت الذي تشير فيه كافة المعطيات والحقائق إلى غير ذلك، فسجل الرجل من أول يوم دخل فيه الأمم المتحدة حتى خرج منها يشهد له بانحيازه التام والكامل ضد قضايا العرب والمسلمين وأن ما لقيه من الأمريكيين لم يكن سوى «جزاء سنمار»، فبعدما قدم كل ما يريدون لم يظفر منهم إلا بالجزاء الذي لقيه، وحتى نكون منصفين فلا بد من الرجوع لسجل الرجل والتعرف على أسباب اختياره أمينًا عامًا للأمم المتحدة، وحقيقة الدور الذي قام به خلال السنوات الأربع الماضية نجاه قضايا العرب والمسلمين على وجه الخصوص.
فبطرس غالي من حيث النسب والمصاهرة ينتمي إلى عائلة غالي القبطية الأرثوذكسية المصرية، وجده هو بطرس غالي باشا الذي وصفه المراقبون بأنه كان أكبر حليف للبريطانيين إبان احتلالهم لمصر حيث أمضى عشرين عامًا وزيرًا للخارجية المصرية، ثم تقلد بعد ذلك منصب وزير العدل، ثم أصبح رئيسًا للوزراء، وهو الذي حكم على الفلاحين المصريين في دنشواي بالإعدام إرضاء للبريطانيين، وقد قُتِل بطرس غالي الكبير- الجد- في عام ۱۹۱۰م على يد شاب قبطي يدعى إبراهيم الورداني، وذلك بعدما زكمت رائحة خيانته أنوف المصريين، هذا من ناحية الأصل والنسب، أما من ناحية المصاهرة، فإن بطرس غالي الحفيد متزوج من ليا نادلر، ابنة تاجر الحلويات اليهودي المعروف «نادلر»، وتشير بعض المصادر إلى أن ديفيد ليفي وزير الخارجية الإسرائيلي وهو يهودي من أصل مغربي عديل لبطرس غالي، وأما من ناحية الثقافة، فقد درس بطرس غالي في فرنسا، ولذلك فإن الفرنسيين يعتبرونه واحدًا منهم، وحينما أعلن إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري الأسبق ومحمد رياض وزير الدولة للشؤون الخارجية اعتراضهما على قرار السادات بزيارة القدس المحتلة وبداية الصلح مع (إسرائيل) عام ۱۹۷۷م، وقاموا بتقديم استقالاتهم لم يجد السادات أفضل من بطرس غالي ليعينه ليلة سفره وزيرًا للدولة للشؤون الخارجية، ويصحبه معه في اليوم التالي إلى القدس، حيث بدأ بطرس غالي يأخذ دوره في دعم العلاقات المصرية الإسرائيلية.
وقد قام بطرس غالي- باعتباره متخصصًا في الشؤون الإفريقية وله علاقات خاصة بدولها- بدور كبير في دعم علاقات الدول الإفريقية (بإسرائيل) وفي عهده استرجعت وأقامت عشرات من الدول الإفريقية علاقاتها (بإسرائيل)، وقال في تصريح له حينما كان وزير الدولة للشؤون الخارجية المصرية: «أنا أقول للإفريقيين دائمًا إن مصر أقامت علاقاتها مع (إسرائيل) لاستعادة أراضيها، أما أنتم فإن (إسرائيل) لم تحتل بلادكم فلماذا لا تقيمون علاقات دبلوماسية معها؟».
ولهذا كانت مؤهلات بطرس غالي كمرشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في عام ۱۹۹۱م من قبل فرنسا كممثل للدول الفرنكفونية مؤهلات جيدة، ولذلك رحبت به أمريكا ووافق عليه الجميع، وبدأ بطرس غالي ولايته في عام ۱۹۹۲م بتوجيه ضربة قاصمة للقضية الفلسطينية «قضية العرب والمسلمين الأولى»، حيث قال في أول مؤتمر صحفي عقده بعد توليه منصب الأمين العام بتسعة وسبعين يومًا إن القرار ١٢٤٢ أعقاب هزيمة عام ١٩٦٧م والخاص بانسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة ليس ملزمًا، وكان هذا أول ضربة وجهها غالي للعرب الذين كانوا يعول بعضهم على وجوده في أعلى منصب إداري في الأمم المتحدة، ثم توالت الضربات بعد ذلك، وقبل أن ينقضي عامه الأول وتحديدًا في ديسمبر عام ۱۹٩٢م قدم غالي هديتين ثمينتين (لإسرائيل): الأولى، أنه طلب من (إسرائيل) أن تقدم للأمم المتحدة خبراء إسرائيليين لمساعدة المنظمة الدولية في تنظيم انتخابات ديمقراطية في دول العالم، وقد أصاب هذا الطلب كثيرًا من المراقبين بالدهشة، وقبل أن يفيقوا من دهشتهم قدم هديته الثانية، حينما طلب من (إسرائيل) الموافقة على المشاركة بقوات رمزية في عمليات حفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة، هذا ما قدمه بطرس غالي للقضية الفلسطينية.
أما الصومال فرغم أن قضية تواجد القوات الدولية فيها كان سيناريو وإخراج أمريكي من أوله إلى آخره إلا أن قيام الصوماليين بقتل ثمانية عشر أمريكيًا، وجر بعضهم في الشوارع جعل الرئيس كلينتون يلقي باللائمة على بطرس غالي، ويعطي مهلة لخروج القوات الأمريكية من الصومال انتهت في مارس عام ١٩٩٤م، وقام بطرس غالي بمسرحية هزلية حينما كلف قوات الأمم المتحدة بمطاردة عيديد إرضاءً للولايات المتحدة في الوقت الذي كان فيه الصرب يبيدون المسلمين في البوسنة مع رفض بطرس غالي المستمر لإطلاق طلقة واحدة ضد الصرب، وانتهى وجود القوات الدولية في الصومال حينما قررت الولايات المتحدة ذلك، ولا زالت مأساتها قائمة بعدما ساهم بطرس غالي في تفاقمها.
أما ما فعله بطرس غالي في البوسنة فهو بحاجة إلى ملفات لرصده، لأن انحيازه للصرب ضد المسلمين كان سافرًا ولم يقف عند حد الجذور الأرثوذكسية المشتركة بينه وبين الصرب، وإنما إلى حد العداء الواضح والإدانة للمسلمين أكثر من مرة، وهذا ما دفع الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش إلى المطالبة باستقالته أكثر من مرة، وحينما زادت الضغوط الدولية على أمريكا والغرب بعد استشراء جرائم الصرب ضد المسلمين واستهانتهم بالمجتمع الدولي تهيأت القوات الدولية لتوجيه ضربات قوية للصرب بناءً على قرار من الأمين العام للأمم المتحدة إلا أن بطرس غالي رفض.
أما قضية المسلمين في قبرص والمتأزمة منذ عام ١٩٧٤م بين المسلمين الأتراك والأرثوذكس اليونانيين، فقد ساهم بطرس في تأزيمها حينما وضع خريطة جديدة لتقسيم الجزيرة في أكتوبر عام ١٩٩٢م تنصف اليونانيين الأرثوذكس على الأتراك المسلمين، مما دفع الأتراك إلى رفض خريطة بطرس والتمسك بحقوقهم في الجزيرة التي فتحها المسلمون في عهد معاوية- رضي الله عنه- في سنة ٢٨ هجرية.
وما حدث في قبرص حدث في كشمير التي سبق للأمم المتحدة أن أنصفت أهلها ومنحتهم حق تقرير المصير أكثر من مرة في أعقاب انفصال الهند عن كشمير في عام ١٩٤٧م، ورغم اندلاع مواجهات مسلحة بين المسلمين الكشميريين والسلطات الهندية منذ أكثر من خمس سنوات حتى الآن، إلا أن الأمم المتحدة لم تحرك ساكنًا طالما أن الضحايا هم المسلمون.
أما تقرير «قانا» الذي حاول بعض أنصار بطرس غالي تصويره بأنه بطولة منه وأنه السبب في رفض الولايات المتحدة ترشيحه، فهو سبب مستبعد، لأن انتقاد أمريكا والدول الغربية لغالي بدأ مع توليه منصبه في عام ۱۹۹۲ م وليس في أعقاب تقرير «قانا» الذي حاول غالي أن يظهر به وكأنه بطل، ولم ينشر منه سوى أجزاء قليلة إرضاءً (لإسرائيل) وأمريكا، وما حدث بين فرنسا وأمريكا بشأن بطرس غالي لم يكن سوى صراع بين القطب الفرنكفوني والقطب الأمريكي، وفي النهاية اتفق الجميع على بديل فيما بقي سجل بطرس غالي أسود تجاه قضايا العرب والمسلمين كما سجله هو بنفسه خلال السنوات الأربع الماضية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل