العنوان بلا حدود: يوم سقوط الغطاء الشرعي لوحدة الأمة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 12-مارس-1996
بعد ما قطعت شوطًا في كتابة مقال هذا الأسبوع، وقعت عيناي على موضوع صرفني عما كنت أكتبه إلى ما أعتقد أنه أولى وأهم؛ حيث أعادني هذا الموضوع إلى الجذور، جذور المأساة التي تعيشها أمتنا والتي جعلت كثيرًا من أبناء الأمة وقد أصبحوا يتحدثون بلسان أعدائها دونما حياء، أو أدنى شعور بالانتماء، ولم يكن الثلاثاء الماضي الخامس من مارس يوم ذكرى سقوط الخلافة الإسلامية فحسب، وإنما كان أيضًا يوم سقوط الشعور بالانتماء إلى الغطاء الشرعي الذي حافظ على كيان الأمة ووحدتها وهويتها طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث صدرت في هذا اليوم بيانات ومقالات كتبها مسلمون تدين وتشجب إحدى ثوابت هذا الدين القويم، وحينما فكرت في الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى ذلك عادت ذاكرتي إلى ذلك اليوم الخامس من مارس ١٩٢٤م حينما نجح أعداء الأمة في إعلان سقوط الخلافة، مما دفع الأمة أن تعيش طوال اثنين وسبعين عامًا في الأهوال، وأن تواصل الأجيال دفع الثمن، وقد وجدت أبلغ وصف يجسد ذكرى ذلك اليوم هو ما ذكره الأستاذ نجدة فتحي صفوة في زاويته اليومية «هذا اليوم في التاريخ» التي نشرت في صحيفة الشرق الأوسط ولعل ما حدث في ذلك اليوم كفيل بأن يجعلنا ندرك ما وصل إليه واقعنا اليوم، يقول الأستاذ صفوة في مثل هذا اليوم قبل (٧٢) سنة أي في 5 مارس (آذار) سنة ١٩٢٤م، غادر إسطنبول آخر الخلفاء العثمانيين عبد المجيد أفندي على إثر إلغاء الخلافة.
كان آخر «سلاطين» آل عثمان محمد الخامس (محمد رشاد) يحمل لقب «السلطان»، و«الخليفة، في آن واحد، فلما خلع محمد رشاد وأعلن النظام الجمهوري، قررت الحكومة الجديدة في 1922-11-18 فصل السلطة عن الخلافة، وأبقت الخلافة بقصد تهدئة معارضة الفئات الدينية للتغييرات السياسية التي أدخلتها حكومة الانقلاب، ونظرًا لخلع السلطان محمد رشاد ونفيه فقد اختير لمنصب الخلافة ابن عمه عبد المجيد أفندي ابن السلطان عبد العزيز، وكان رجلًا مهذبًا ومثقفًا، وقد جرد من كل سلطة حقيقية، ولكنه كان مطمئنًا إلى مصيره، ولا يتصور أن الخلافة في خطر، معتمدًا على تأييد العالم الإسلامي للخلافة من جهة، وعلى ما سبق من مساندته للوطنيين في حرب الاستقلال من جهة أخرى.
ولكن الوطنيين الأتراك كانوا مصممين على أن تقطع تركية علاقاتها بماضيها وبالدولة العثمانية بصورة خاصة، ولذلك قرر المجلس الوطني الكبير في جلسة سرية بناء على اقتراح من مصطفى كمال باشا (أتاتورك بعدئذ) إلغاء الخلافة أيضًا، ونفي آل عثمان كلهم من الأراضي التركية، وأنذر الخليفة عبد المجيد أفندي بوجوب مغادرة البلاد خلال يوم واحد، فسافر إلى باريس، وقضى فيها بقية حياته، ومات في 23/٨/1944م. (....).
وقد وصف مراسل جريدة التايمز اللندنية في إسطنبول كيفية مغادرة الخليفة البلاد يوم 5 مارس (آذار) ١٩٢٤م) في رسالة طريفة بعث بها إلى جريدته، فنشرت في اليوم التالي، وفي أدناه ترجمة ما جاء فيها:
«دخل الخليفة مع اثنين من زوجاته، وابنه الأمير عمر فاروق أفندي وابنته الصغيرة، قطار «سمبلون -أوریانت أكسبرس»، مساء في مدينة «جطالجة»، حيث كانوا قد استبقوا طيلة النهار، ومنها بدءوا سفرتهم متجهين إلى برن.
حينما أبلغ والي إسطنبول قرار المجلس الوطني الكبير إلى الخليفة، أصغى الخليفة بهدوء، وبعد لحظة تفكير وتأمل، أجاب «لما كنتم تعملون لأجل خير البلاد، فأرجو أن يوفقكم الله» وكان الخليفة قد طلب مهلة يومين ليتخذ استعداداته للسفر، ولكن قيل له إنه يجب أن يغادر قبل بزوغ النهار، ثم استأذن أن يصطحب معه بعض أعضاء أسرته فتمت الموافقة على ذلك، وعلى إثر ذلك أخبرت زوجتاه، وابنه أن عليهم أن يعدوا أمتعتهم فورًا، وكان الخليفة الذي يتوقع مصيره قد سبق له أن أعد قائمة بأمتعته، مما سهل عليه جمعها ونقلها إلى أسطول من سيارات النقل (اللوريات).
وفي الساعة الخامسة صباحًا كان الجميع مستعدين للسفر واتخذ الخليفة وابنه وابنته أماكنهم في السيارة الأولى، وركبت الزوجتان مع خدمهما السيارة الثانية، واستقل السيارة الثالثة مدير الشرطة، وتبعتهم قافلة من (البلوريات) وغيرها من السيارات والدراجات البخارية تحمل بعض رجال الشرطة، وقد اتخذ التدابير للحفاظ على سرية هذه الإجراءات، وحالما أصبح قرار المجلس معروفًا قطعت جميع الاتصالات مع القصر، كما قطعت أسلاك التليفون المؤدية إليه، ووضعت المسافة بين قصر دولمة بحجة، ومنطقة «بشيكطاش» تحت رقابة شديدة من قبل أفراد الشرطة والجيش الثالث، كما وضع سكان القصر تحت مراقبة دقيقة، وأجبر الخدم على البقاء في القصر لمدة ساعة كاملة بعد مغادرة الخليفة، ثم سمح لهم بالخروج منه.
وبعد رحلة لم تتخللها حادثة، وصل الموكب إلى «جطالجة» في الساعة الحادية عشرة صباحًا، وقضى الخليفة النهار كله في غرفة الانتظار بمحطة القطار، ولم يكلم أحدًا سوى مدير الشرطة الذي أنيط به واجب مرافقته إلى الحدود، ولما وصل قطار سمبلون أوربانت أكسبرس مع عربة خاصة، دخل الخليفة العربة على الفور، بعد أن تمتم بعض عبارات المجاملة للموظفين، وكان الخليفة متأثرًا عاطفيًا، وأجهش عدة أشخاص من الحاضرين بالبكاء.
وفي القطار سلمت إليه جوازات السفر الضرورية، مع مبلغ (۱۷۰۰) جنيه إسترليني كسلفة، أما تكاليف سفره فقد دفعتها الحكومة كلها، ولا يحمل الخليفة معه أي أموال أخرى غير ذلك، باستثناء بعض المجوهرات التي قدرت قيمتها بمبلغ (٥٠) ألف ليرة تركية (تعادل ٥٩٠٠ جنيه إسترليني)، وقد علم أن الخليفة في اللحظة التي غادر فيها البلاد أرسل برقية وداعية إلى رئيس الجمهورية (الذي كان في السابق مرافقه ياوره الشخصي) قال فيها: إنه سعى لخير تركيا على الدوام.
سيجبر سائر أمراء آل عثمان على مغادرة تركيا خلال يومين والأميرات خلال أسبوع واحد (انتهت الرسالة).
هكذا سقطت الخلافة الإسلامية قبل اثنين وسبعين عامًا، في صورة أقرب ما تكون إلى سقوط دولة المسلمين في الأندلس قبل خمسة قرون، فحينما يتخلى المسلمون عن أسباب النصر يواجهون نفس هذه المذلة، وهذه المهانة التي لقيها السلطان محمد الخامس حينما أجبر على أن يغادر مقر دولة الخلافة قبل بزوغ النهار، ورغم ما عاشته الأمة من انتكاس طوال الاثنين وسبعين عامًا الماضية، إلا أن بشائر الفجر تلوح في الأفق حتى تستعيد المجد الغابر والعزة الغائبة، وإننا نترقب ذلك الرجل الذي سوف يسخره الله حتى يعيد الغطاء الشرعي لوحدة الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل