; بلد يعيش على وقع الأزمات.. مصر في حالة مخاض وتحول (۱-۲) | مجلة المجتمع

العنوان بلد يعيش على وقع الأزمات.. مصر في حالة مخاض وتحول (۱-۲)

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010

مشاهدات 69

نشر في العدد 1927

نشر في الصفحة 26

السبت 13-نوفمبر-2010

يُصاب المراقبون هذه الأيام بدهشة واستغراب من حجم الأزمات التي تقع في مصر، وتجمعها كلها عدة ظواهر لا تخفى على عين اللبيب.. أولاها: أنه لا حل لأي أزمة من الأزمات المتفجرة، بل يستمر بعضها لسنوات دون بارقة أمل في الوصول إلى بر الأمان؛ مثل أزمة بدو سيناء مع تعامل وزارة الداخلية معهم.

وثانيتها: أن الدولة غائبة في الحلول، حاضرة في خلق الأزمات، وكأن الجهاز الإداري والسياسي في مصر تفكك ولم يعد قادرًا على العمل والإنجاز فيتسبب بضعفه وتفككه في خلق الأزمات، ثم يتسبب بضعفه وتنافسه على استمرار الأزمات دون حلول!

وثالثتها وجود مراكز قوية داخل النظام، وهي ظاهرة معروفة عند نهاية العهود والعصور، وهذه المراكز يحارب بعضها بعضًا ويدبر المؤامرات ضد بعضها البعض، وهذا يؤدي إلى بروز ظاهرة خلق الأزمات؛ لإعاقة بعض مراكز القوى عن تقدمها، أو لإظهارها في حالة الضعف.

ورابعتها: أن تلك الأزمات تعبر عن حالة مجتمعية حقيقية، فهناك انسداد سياسي يمنع حرية التعبير وحرية التنظيم التي تساعد على تنفيس الاحتقان، وهناك فساد إداري ومالي جاثم على الصدور، ولا توجد آليات واقعية لمحاسبته ومراقبته. 

وهناك وضع اقتصادي صعب وعسير، يجعل المواطنين في ساقية العمل المتواصل؛ لسد أبسط الاحتياجات، وهناك تفاوت طبقي ومالي رهيب يؤدي إلى الحقد والحسد، ويساعد على الانفجار؛ بل هناك -ونتيجة لذلك كله- تفكك أسري واجتماعي باعد بين الناس وبين الأقارب، خاصة في المدن الكبرى وإلى حد ما في الريف.

أهم الأزمات

هذه الأزمات التي تعيش مصر على وقعها الآن متعدّدة ومتفاوتة التأثير، وأهمها ما يلي:

  • أزمة بدو سيناء: في مواجهة وزارة الداخلية، أو قل في مواجهة النظام.
  • أزمة العدالة في مصر: بسبب الاحتقان الحاصل بين المحامين والقضاة، والذي يتكرر بين الحين والآخر.
  • أزمة التعذيب في أقسام الشرطة: والقتل خارج القانون، التي أظهرها مقتل الشاب «خالد سعيد» بالإسكندرية نتيجة العمل بحالة الطوارئ.
  • أزمة الرشاوى الخارجية: التي فجرتها قضايا: مثل شركات «مرسيدس» و«فيروشتال» الألمانية، التي تكشف تغلغل الفساد إلى مستويات عليا في الإدارة وصولًا إلى الوزراء.
  • أزمة تزوير الانتخابات: التي أظهرت حالة الانسداد السياسي الحالي، وخنقت الآمال في الإصلاح السياسي السلمي، خاصة بعد التعديلات الدستورية التي قلصت أو ألغت الإشراف القضائي على الانتخابات.
  • أزمة مياه النيل: بين دول المنبع في أعالي النيل وإثيوبيا ورواندا وأوغندا وكينيا من جهة، ودول المصب في السودان ومصر من جهة أخرى.
  • أزمة الزواج الثاني للمسيحيين: ورفض الكنيسة الأرثوذكسية لحكم القضاء الإداري.
  • الأزمات الاقتصادية: المترتبة على الخصخصة، وملفات الفساد التي ظهرت مؤخرًا وطالت كبار الوزراء والمسؤولين: مثل بيع جزيرة «آمون» في «أسوان» لوزير الإسكان الحالي.
  • الأزمة المكتومة: غالبًا، والمتفجرة أحيانًا بين مصر وحركة «حماس»، ما أدى إلى ظهور الدور المصري كمتواطئ في إحكام الحصار على غزة، ومنع المصالحة الفلسطينية، وإعاقة إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.

ويكفي أزمة واحدة أو اثنتان من هذه الأزمات لبيان مدى الخطر الذي يتعرض له بلد مثل مصر، فكيف بتلك الأزمات مجتمعة في سنة واحدة أو عقد واحد من الزمان؟!

أمور خطيرة

وتزيد من حدة تلك الأزمات أمور خطيرة، مثل:

  • الحالة الصحية للرئيس مبارك: وعامل السن الذي وصل إليه، مما يعيق قدرته على اتخاذ القرار المناسب والسليم، ويترك فرصة خطيرة لبروز مراكز القوى من حوله.
  • ملف التوريث: الذي برز خلال السنوات التي عاصرت تلك الأزمات؛ توريث الرئاسة والحكم لابن الرئيس، الذي التفت حوله مجموعة من رجال المال والأعمال، وعدد من المفكرين والمنظرين وبعض الشباب، وشكلوا مجموعة تتهيأ لوراثة الحزب الوطني الحاكم ووراثة البلاد، ونجحوا في السيطرة على مفاصل اقتصادية مهمة وخطيرة.
  • تضخم دور الجهاز الأمني: متمثلًا في وزارة الداخلية التي أصبح من المعتاد إسناد التصدي لأي أزمة إليها.
  • الوهم: الذي سوقه نظام الحكم بأن البديل الوحيد له هو «الإخوان المسلمون» وبذلك نجح في استقطاب بعض أحزاب المعارضة الرسمية إلى جانبه؛ ما أدى إلى قبولهم بتزوير الانتخابات لصالحهم، وأدى في المقابل إلى استمرار الدعم الخارجي لنظام فاسد مستبد، وتراجع الضغوط الدولية التي كانت تطالب بإصلاحات سياسية حقيقية وانتخابات حرة نزيهة.

هذه الأزمات التي تعيش مصر على وقعها أصابت المواطن بيأس وإحباط؛ لأنها تبدو بلا حل ولا أمل في الوصول إلى نتيجة لها، وأصبح الشعب يتعايش معها دون حساسية وكأنها من لوازم الحياة، لأن بعضها مستمر منذ عقود، وبعضها يتجدد على فترات، ولا حلول لها رغم خطورتها الشديدة على الأمن القومي المصري والعربي.

وعلى سبيل المثال: إذا تأملنا في الأزمة بين بدو سيناء ووزارة الداخلية المصرية، نجد ملامح خطيرة جدًا.. فهذه أزمة نظام حكم أهمل تعمير وتنمية سيناء طوال عقود طويلة، وحرم المواطن المصري في سيناء من حق تملك الأراضي، ومنعه من العمل الطبيعي؛ فلا مشروعات تنموية أو استثمارية ولا مصانع ولا زراعة جادة.. والشيء الوحيد الذي تم التركيز عليه هو المشروعات السياحية في جنوب سيناء فقط، وهي تتم لصالح كبار المستثمرين ويعمل بها شباب من الوادي وليسوا من سيناء.

أصبح أهل سيناء غرباء في وطنهم، ومع تصاعد المقاومة في فلسطين باتوا محل اتهام بأنهم يهربون السلاح إلى المقاومة وتمت مطاردتهم وإلقاء القبض على المئات منهم، خاصة مع تحول عمليات العنف إلى داخل مدن سيناء نتيجة المواجهات المستمرة مع الأمن.

وتم إلقاء العبء على وزارة الداخلية وتنحية جهاز المخابرات العامة والعسكرية الذي كان يشرف على إدارة سيناء، وكانت النتائج مأساوية؛ حيث لا فهم ولا علم بطبيعة المجتمع البدوي السيناوي، وقام وزير الداخلية بتعيين رؤساء للقبائل والعشائر بمعرفته لا يقبل بهم البدو، ما أدى إلى تفاقم الأزمات دون حل.

هذه أزمة تهدد الأمن القومي المصري، والتماسك الوطني، وهي نتيجة طبيعية لمعاهدة «كامب ديفيد» وما تلاها من سياسات مع العدو الصهيوني، ركزت على حماية أمن العدو ولو على حساب الأمن القومي المصري!

أزمة مياه النيل تهدد الأمن القومي المصري أيضًا، حيث تصاعدت حدتها مع دول حوض النيل، وتكتلت تلك الدول ضد مصر والسودان مما يهدد مستقبل الزراعة والصناعة والري واستصلاح الأراضي، بل ومياه الشرب في مصر.. ولا شك أن هناك أيضًا دورًا خبيثًا للعدو الصهيوني في تلك البلاد، وهو يهدف إلى تحويل بعض مياه النيل إلى أرض فلسطين المحتلة عبر «ترعة السلام» التي توقف العمل فيها.

الأزمة مع حركة «حماس» في فلسطين بسبب الانحياز المصري للموقف الصهيوني وموقف «محمود عباس» في ملفات المصالحة وصفقة تبادل الأسرى، ومع الجزائر بسبب مباريات الكرة، ومع سورية منذ فترة طويلة، ومع السودان مؤخرًا.. كل تلك الأزمات أدت إلى تراجع الدور المصري العربي والمكانة المصرية في العالم بصورة واضحة جدًا.

أزمات كاشفة

وأخيرًا انفجرت في مصر أزمات ثلاث تهدد التماسك الاجتماعي، وهيبة العدالة والقضاء؛ الحصن الأخير للمواطنين.

أزمة المحامين مع القضاة أسبابها بسيطة، إلا أنها تعكس في جوهرها صراع مراكز القوى الذي دمر الحصن الأخير للمواطن، وأطاح بهيبة القضاء المصري، خاصة مع تزامنها مع رفض قاطع وبات من البابا «شنودة الثالث» لتنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا القاضي بإلزام الكنيسة المصرية بإصدار تصاريح زواج ثانية لمطلقين مسيحيين، واستند البابا - ويا للعجب (!!) -إلى المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن «الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع»، وأن الشريعة تقول بعدم إلزام أهل الكتاب بما يخالف دينهم وأحوالهم الشخصية.

ثم أزمة قتل «خالد سعید» شهید الإسكندرية، وآخر ضحايا آلة التعذيب الجهنمية في وزارة الداخلية، الذي سقط مضروبًا بقسوة من مخبرين في قسم «سيدي جابر»، والتي أثارت الرأي العام المصري كله وأدانتها أمريكا والاتحاد الأوروبي؛ ما دفع إلى تقديم المخبرين إلى محكمة جنايات بتهم بسيطة، ليس بينها القتل العمد، ولكن القسوة في المعاملة!

هذه الأزمات الثلاث كشفت بوضوح عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات، وجموده وترهله، والتنافس الحاد داخل أجنحته ولا سيما الأمنية، مع اعتماده الكامل على الحلول البوليسية وترحيل الأزمات.

ومع هذا الضعف الواضح أمام الأزمات؛ كانت القسوة البالغة ضد المواطنين والأحزاب والقوى السياسية، وهو ما ظهر في التزوير الفاضح لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، ما أضاف بعدًا جديدًا إلى الوضع الحالي، وهو انسداد القنوات الرسمية وتفريغ المؤسسات العامة من دورها المطلوب مما يؤدي إهماله إلى استمرار الأزمات.

هذا بلد يعيش على وقع الأزمات، فأين الجهود التي تبذلها القوى السياسية للخروج من المأزق؟ وما دور د. محمد البرادعي؟ وأين موقع الإخوان من ذلك كله؟

هذا ما سنعرضه في العدد القادم بإذن الله.

الرابط المختصر :