العنوان بلغاريا-مسلمو بلغاريا... حرب بلا ضجيج
الكاتب يوسف العثمان
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1294
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 31-مارس-1998
• الهيئات التنصيرية تنشط في مناطق المسلمين تحت ستار الإغاثة.
• الحكومة البلغارية: تقارب مشبوه مع اليهود.. هجوم دعائي وتضييق سياسي ضد المسلمين.
تميز الاشتراكيون في بلغاريا إبان حكمهم بالوضوح والمجاهرة في تنفيذ مخططاتهم وأهدافهم ضد المسلمين، وقد واكبت المجتمع حينها هذه المخططات أولاً بأول، أما الحكومة الجديدة فيتميز تحركها بأمرين...
الأول: استخدامها الجيد والذكي لوسائل الإعلام في تنفيذ برنامجها العام فيما يتعلق بالمسلمين.
والثاني: توزيع الأدوار بين رئيس الدولة البلغارية ورئيس الوزراء «إيفان كوستوف»
وبشكل عام يجزم الجميع أن تحرك الحكومة ككل ونهجها الإعلامي تحديدًا يقطع تمامًا بوجود توجيه أجنبي «مؤسسة أو دولة»، ففي الوقت الذي تهاجم فيه الحكومة كافة الأعمال الإجرامية للشيوعيين، وتعمل على محاكمتهم إظهارًا للخارج «الدول الأوروبية والدول الإسلامية»، أنها ترعى حقوق المسلمين، وتعمل على إعادة حقوقهم المهضومة، فإنها تمارس ضدهم بذكاء بالغ أسلوب التذويب والإضعاف في خطوط متوازية، منها سماحها للهيئات والمنظمات التنصيرية العاملة باسم مؤسسات إغاثية أو خيرية بالنشاط في مناطق المسلمين... ولا تفاجأ إذا قلنا إن أبرز هذه الجمعيات وأكثرها نشاطًا هي جمعية «المستقبل لبلغاريا» التي ترأسها زوجة رئيس الوزراء «كوستوف»، وليس مفاجأة إذا قلنا إن هذه الجمعية تقدم مئات الألوف من الدولارات لنشاطاتها وبرامجها في دولة تجثو على قدميها أمام صندوق النقد الدولي من أجل القروض والمساعدات المرهقة... والمعلوم أن هذه الجمعية قامت بإنشاء كنيسة وسط مدينة مسلمة ١٠٠% مدينة «نديلنو» تعتبر أكبر كنيسة في المنطقة ككل، أنفقت ١٠٠ ألف دولار في بنائها في الوقت الذي تعاني فيه كنائس النصارى الأخرى من الإهمال والتهالك... والدلالة على التعاون بين الحكومة وهذه الجمعية، يكفي القول إن الذي أشرف على تنفيذ بناء هذه الكنيسة هو قسم الإنشاءات في الجيش البلغاري الذي أنجز بناءها في غضون 3 أشهر فقط، وحضر افتتاحها كافة مسؤولي الدولة وعلى رأسهم رئيس الوزراء البلغاري.
وعند سؤالنا لنائب محافظ المدينة المسلم أوضح أن الأمر مخطط له؛ لأن المدينة مستهدفة من التنصير منذ سنوات، وأن الجمعية المذكورة اشترطت على محافظ المدينة الموافقة على بناء الكنيسة نظير تقديم مساعدات مادية للمتضررين اجتماعيًّا، نفس الدور يمارس الآن في قرية قريبة منها اسمها «ستار تسفو» والمشكلة أن الكنيسة ستبنى على أرض وقف إسلامية، وبالرغم من اعتراض المسلمين، وحصولهم على قرار من المحكمة بإيقاف أعمال الحفر، إلا أن القائمين على أمر البناء تجاهلوا ذلك تمامًا واستمروا في تنفيذ مشروعهم، مما يؤكد اعتمادهم على من يدعمهم ويقوي موقفهم، والحكومة من جهتها تقابل بالصمت المطبق كل الرسائل والشكاوى التي تصلها من أهالي هذه القرية، ما ذكرناه آنفًا هو شواهد فقط لما يجري تدبيره.
في خط موازٍ تقوم الحكومة ومنذ توليها السلطة – بشن حرب سياسية ضد حركة الحقوق والحريات «ممثل المسلمين السياسي» جاهدة في إقصائها عن الحلبة، وبالرغم من أن ملاحظاتنا على الحركة وزعامتها كثيرة، إلا أن ما يجري من أحداث وممارسات حكومية ضدها ومحاولاتها المستمرة في إقصائها تمامًا عن السياسة، أو الإتيان بمن استمالتهم من صفوف الحركة، ودعمت ورعت انشقاقهم عنها لمركز القيادة فيها من أجل وضعهم تحت جناحها؛ وبالتالي تكون الثانية كالأولى أي يتم إخراس وتكميم أصوات المسلمين وتغييبهم سياسيًّا .
وعلى الخط الاقتصادي... فلا يمكن للإفساد والتنصير أن ينشط في أوساط الأسر المسلمة- المستورة على الأقل- وإنما تنجح مثل هذه المخططات عندما تكبل الحاجة والفاقة أيدي المسلمين، ومع أن بلغاريا بصفة عامة تعاني من البطالة إلا أنها بين المسلمين تبلغ أكثر من ثمانين أو تسعين بالمائة دون مبالغة، وبزيارة واحدة لمناطق المسلمين تجد الحقيقة ناطقة، ولهذا فلن تعمل الحكومة على المدى القريب أو البعيد على تحسين أوضاع المسلمين إلا الذين ترتبط مصالحها بمصالحهم أمثال مزارعي التبغ لأنه يمثل منتج البلاد القومي.
وعلى خط الحريات تجد الحكومة تفتح يديها وصدرها لشهود يهوه «المنظمة المشهورة» لتسوية الخلاف معها بعدما رفعت الأخيرة قضية ضدها أمام محكمة ستراسبورغ لحقوق الإنسان لرفضها تسجيلها- بالطبع هذا لا ينفي أن للوبي اليهودي المتنفذ بالدولة دورًا وتأثيرًا في هذه التسوية- وفي الاتجاه نفسه تجد رئيس الدولة يقوم بمنح وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية للملياردير المتصهين «سورس» الذي ذاع صيته مؤخرًا بعد تسببه في خسارة بأسواق جنوب شرق آسيا وخاصة ماليزيا بلغت مليارين من الدولارات، ونال الوسام لدور جمعيته «المجتمع المفتوح» الملموس في بلغاريا.
في هذه الأجواء الديمقراطية التي تم فيها بناء الكنيسة آنفة الذكر، واستمرار الهجمة على حركة الحقوق والحريات، وتكريم المدعو سورس، وتسوية الخلاف مع شهود يهوه قامت السلطات الأمنية بمهاجمة دورة شرعية لإحدى الجمعيات الإسلامية، مدعومة بوسائل الإعلام المختلفة لتصوير الحدث على أنه تجمع إسلامي إرهابي متطرف مع أن الدورة كانت شرعية فقهية، تبعها بعد ذلك مداهمة مكتبين لجمعيات خيرية وتفتيشها بحجة البحث عن ممنوعات وتمت مصادرة محتوياتها، بعدها طلبت السلطات الأمنية من مسؤول إحدى هذه الجمعيات مغادرة الأراضي البلغارية، دون إبداء أي أسباب، وبالرغم من تأكيد جهات عدة خارجية وداخلية أن هذا القرار مناف لأبسط حقوق الإنسان والقواعد القانونية، خاصة أنه لم يقدم أي دليل على أن الشخص المذكور قد خالف قانون الدولة، وعند لقاء المجتمع به قبيل رحيله وسؤاله عن أهم ما دار في التحقيقات قال: إن التهم الرئيسية التي تم التركيز عليها هي بناء المساجد وإرسال الطلبة لدراسة العلوم الشرعية، وإدخال الحجاب لقرى المسلمين، ونشر العادات الإسلامية، بحجة أنهم يخافون من بوسنة جديدة، وأنهم يودون اندماج المسلمين مع الشعب البلغاري بطباعه وعاداته، ومن واجبهم منع أي تأثير للآخرين عليهم، وأن قرار إبعاده سياسي أكثر منه أمني.
وبنظرة إلى أوضاع المسلمين في الدولة المجاورة والقريبة نرى أن ما يجري في بلغاريا هو عبارة عن حلقة في سلسلة أشمل وأوسع، وأن فشل تجربة البوسنة والشيشان -رغم الفرق بينهما- أثبت أن الحل العسكري ومنطق الإبادة الجماعي ليس ناجحًا، بل له محاذير عدة، وأن من الأفضل استخدام أسلوب التذويب التدريجي ذي النفس الطويل ضمن خطة محكمة ذات مراحل وخطوات، ولا نستبعد البتة أن يكون منها استبعاد الرفاه عن الحكم في تركيا، والسعي المكثف لتحجيم قوة الإسلام فيها.
لا خلاف على أن ما نكتبه الآن يخالف ما كان قد وعد به وأكد عليه رئيس الدولة البلغاري «بيتر ستويانوف» عند زيارته لكل من الكويت وتركيا في أواسط العام الماضي، ولكن الحقيقة أن رئيس الدولة يمارس دوره المرسوم له من رئيسه في الحزب «اتحاد القوى الديمقراطية»، ورئيس الوزراء الحالي، لهذا فهو يسعى لتحسين علاقات دولته مع الدول الإسلامية ليس حبًا فيها، وإنما رغبة في توجيه استثماراتها وأموالها لبلغاريا وزيادة صادرات الدولة البلغارية للدول العربية والإسلامية بشكل عام، وذلك لن يتحقق ما لم يتم إسقاط بلغاريا من لائحة منظمة المؤتمر الإسلامي السوداء - حيث أدرجت فيها بعد عملية تغيير أسماء المسلمين عام ١٩٨٤م وتهجير قرابة ٤٥٠ ألفًا منهم لتركيا وهذا الذي كان إلى حد ما.
هل يدفع المسلمون ثمن التقارب التركي البلغاري؟
كانت العلاقات البلغارية -التركية في أغلب أحوالها باردة إن لم تكن متأزمة، لكن مع رحيل أربكان عن السلطة واحتياج بلغاريا للدعم التركي في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت في طهران 11/۱۲/۱997م لإسقاطها كما أسلفنا من اللائحة السوداء، بادرت بلغاريا لفتح صفحة جديدة مع جارتها، مقدمة عربون المرحلة الجديدة.... فمن المشهور أن بلغاريا كانت تعتبر من أبرز الدول الداعمة لحزب العمال الكردستاني، حيث سمحت له بإقامة قواعد تدريب على أراضيها وسمحت لكوادره والبارزين فيه بحرية التحرك فيها وعبرها، وعليه فقد أمهلت الحكومة الجديدة الحزب الكردستاني مهلة محددة لمغادرة أراضيها، وأغلقت بعدها قواعده ومنعته من ممارسة نشاطاته على أراضيها.... هذا الثمن أرضى العسكر التركي الأمر الذي شجع حكومة يلماظ على الاستجابة للغزل البلغاري، وكانت أول هذه الاستجابات غض الطرف تمامًا عما تقوم به الحكومة تجاه حركة الحقوق والحريات، ثم تصريح الرئيس دميريل أثناء زيارته لبلغاريا في شهر يوليو الماضي أن المسلمين يتمتعون بحقوقهم وحرياتهم الكاملة، ثم أكد هذا يلماظ أثناء زيارته لبلغاريا على رأس وفد رفيع في 4/12/۱۹۹۷م. هذا بالطبع دعم موقف الحكومة الحالي والمستقبلي، كما سيشجعها على المضي قدمًا ضد كل ما هو إسلامي ولا سيما بعد توقيع وزراء داخلية الدولتين 4/١٢/1997م اتفاقية تعاون أمني لمحاربة تجارة المخدرات، والعملة المزورة والتطرف الإسلامي، هذا فضلًا عن الحملة التي تقودها تركيا ضد الإسلاميين المتطرفين هوية ومؤسسات.
انتخابات دار الإفتاء العام
بشارة تنتظر الدعم
دار الإفتاء العام أو ما يطلق عليه في الدول المجاورة لبلغاريا بالمشيخة، تكتسب أهمية بالغة وذلك من منطلق تأثيرها المباشر والقوي على المسلمين، إلا أن هذه الأهمية ازدادت وبرزت جليًا بعد إقرار قانون جديد عام ١٩٩٢م يقضي باستقلالية الدوائر الدينية عن التدخل الحكومي منعدة نواحٍ مهمة أهمها حرية الانتخاب، وإقرار دستور ديني، وإدارة شؤون العامة الدينية والعقائدية، هذا القرار أعطى لدار الإفتاء العام «المشيخة» استقلالية القرار وحرية التحرك واتساع رقعة الاهتمام، لكنه في ذات الوقت ركز عليها عيون الساسة والأطماع المختلفة، مما أدخلها طيلة الأعوام الماضية في دوامة لا نهاية لها، دفع المسلمون فاتورتها .
الحكومة الجديدة هي الأخرى أولت دار الإفتاء اهتمامها، فمنها وبها تحقق عدة أهداف في آن واحد... إبعاد تأثير حركة الحقوق والحريات عليها، وبالتالي تجريد الحركة من الدعم الديني وإنهاء الخلاف المستمر بين قادة الإفتاء، والذي تابعته المجتمع في أعدادها السابقة، الأمر الذي شاب الملف الحقوقي البلغاري لدى الدول الإسلامية، وأيضاً الأوروبية، وأخيرًا السعي لربط الوجوه الجديدة بها لضبط تحركها ضمن إطار سياسة الحكومة.
بعد عدة شهور من الأخذ والرد والجهد الحثيث للحكومة ممثلة بدائرة الأديان، ومحاولة التوفيق بين طرفي النزاع «نديم غينتشيف»، وفكري صالح حسن للخروج بصيغة توفيقية لعقد مؤتمر توحيدي، تم تحديد الثالث والعشرين من شهر أكتوبر الماضي موعدًا لعقد هذا المؤتمر أعدت الحكومة من طرفها وجوهًا لا تقل سيرتها التاريخية وصحيفتها الدينية سوءًا عن نديم غينتشيف «ضابط المخابرات الشيوعي ورئيس مجلس الشورى السابق»، الذي ذاق المسلمون على يديه الويلات.... ورمت بكل ثقلها خلف هذه العناصر المبتوتة، لكن حرص وتحرك العقلاء من المسلمين مكنهم من قلب المعادلة داخل قاعة المؤتمر وجمع كلمة المسلمين على شخصيات طيبة السمعة حسنة السيرة، فجاءت نتائج الانتخابات على خير ما يتمنى، لتدخل دار الإفتاء العام ومن ورائها المسلمون مرحلة تحمل أولى علاماتها البشر والتفاؤل.
في ذلك التاريخ 23/۱۰/1997م أجمع المشاركون على:
- انتخاب الشيخ مصطفى حجي عليش ۳۸عامًا خريج كلية الشريعة في جامعة اليرموك بالأردن، مفتيًا عامًا للمسلمين.
- انتخاب الشيخ السيد / حسين كرم الله «نائب سابق في حركة الحقوق والحريات» رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى.
- انتخاب أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى.
- إقرار دستور جديد للمسلمين يستند إلى الكتاب والسنة، وضمن أطر دستور الدولة.
وبالرغم من الهجمات التي نالت من شخص المفتي الجديد، متهمة إياه بالتطرف والأصولية إلا أن تحرك القيادة الجديدة الإعلامي واستخدامها الخطاب المتوازن مكنها من اجتياز الأزمة والحصول على موافقة الحكومة بتاريخ 28/۱۰/1997م بعقد الجلسات التنسيقية مع الجمعيات الخيرية ووضع تصور عام للعمل في المرحلة المقبلة، وكيفية التحرك داخليًا وخارجيًا للاستفادة من وجودهم على قمة الهرم المسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل