العنوان بنديكتوس السادس عشر في البرازيل
الكاتب الصادق العثماني
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 56
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 32
السبت 02-يونيو-2007
لوقف التمدد البروتستانتي على حساب الكاثوليكية
تراجع أعداد الكاثوليك في أمريكا اللاتينية أقلق البابا يوحنا بولس الثاني، فتوالت زياراته إلى البرازيل في أعوام ١٩٨٢ و١٩٨٦ و١٩٩١.
استقبلت البرازيل البابا بنديكتوس السادس عشر يوم الأربعاء 9/ 5، وهي الزيارة الأولى له لأمريكا اللاتينية، لوقف الزحف البروتستانتي تجاه الكنائس الكاثوليكية!
وتعتبر أمريكا اللاتينية القلب النابض للكاثوليكية في العالم، حيث تضم نصف كاثوليك الكرة الأرضية، أي حوالي ٤١٥ مليونًا، وكان البابا قد سماها قبل أيام من موعد زيارتها بقارة «الأمل» أو «الرجاء».
وتعد البرازيل من أكبر الدول الكاثوليكية، فمنذ عشر سنوات كان ۸۸٪ من سكانها يدينون بالكاثوليكية، وتراجع الرقم حاليا إلى ٦٤٪ حسب إحصائية مؤسسة «داتافولها».
وتشهد الحالة الدينية في البرازيل تنوعًا كبيرًا، فكل ما يعرض على أرضها من عقائد ومذاهب وديانات وأيديولوجيات وتيارات فكرية متنوعة يلقى رواجًا وأنصارًا وأتباعًا، ولو أن المسلمين أحسنوا عرض دينهم وتطبيقه، لكان الإسلام أكثر الأديان انتشارًا، وهذا ما لم يحدث للأسف، وما زالت نسبتهم لا تتعدى ١٪.
ويعود تاريخ الديانة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية إلى اكتشاف القارة على يد «كريستوف كولومبس»، وأخذت في التوسع إبان الاستعمارين الإسباني والبرتغالي والهجرة الإيطالية.
إلا أنها بدأت تتقلص بعد ذلك بسبب الانحراف الذي طرأ على الكنيسة والقائمين عليها من رجال الدين، وبهذا فقدت قوتها الجماهيرية بعد أن أصبح أتباع هذه الكنائس يجدون الملاذ في عتبات الكنائس البروتستانتية والأرثوذوكسية والبوذية؛ ما أقلق البابا السابق «يوحنا بولس الثاني»، فتوالت زياراته إلى البرازيل؛ فكانت الأولى في عام ۱۹۸۲م، والثانية في عام ١٩٨٦، والثالثة في عام ۱۹۹۱، لحث أتباعه على التمسك بمذهبهم وعقيدتهم الكاثوليكية.
ولا تزال الكنائس الإنجيلية «البروتستانتية» تحقق نجاحات كبيرة في جذب الأتباع، خصوصًا في مدن الصفيح الفقيرة في ضواحي المدن البرازيلية الكبيرة.
افتراءات صهيونية
ومن المؤسف أن الكنائس البروتستانتية «الإنجيليون الجدد» تسيطر عليها أفكار الصهيونية، بحيث أقنعوهم بأن السيد المسيح سيعود إلى مسقط رأسه ووطنه «فلسطين» لكن فلسطين -كما أوهموهم- محاصرة بالأعداء من المسلمين، ومن ثم لا بد من مساعدتهم على تحريرها وإيجاد مناخ وظروف دولية وسياسية واقتصادية ونفسية وعسكرية وأمنية ملائمة لعودة السيد المسيح إلى وطنه.
فجند هذا الفصيل جميع قدراته المادية والمعنوية والإعلامية في خدمة قضية أرض الميعاد، وأعلن عداءه الشديد للإسلام والمسلمين.
هذا التوجه الجديد في الحقل الديني المسيحي بالبرازيل وأمريكا اللاتينية بدأ يسيطر سيطرة تامة، فبعد ٢٠ عامًا من ظهوره أصبح يملك كبريات الكنائس في جميع المدن البرازيلية، وخاصة مدينة ساوباولو، وريودي جانيرو وبرازيليا، وفوز دي كواسو، وكوريتيبا، وغيرها من المدن، ويقدر أتباع هؤلاء بالملايين، الأمر الذي أدخل الرعب حتى داخل المذاهب المسيحية الأخرى، وخصوصًا المذهب الكاثوليكي الذي كان يعتبر قارة أمريكا اللاتينية قارة كاثوليكية بدون نزاع.
وبسبب الفراغ والضعف الذي نجم عن تراجع دور الكنيسة الكاثوليكية نشطت تيارات جديدة وغريبة، فقد وجد أتباع شهود يهوه وحركة عباد الشيطان، وجمعيات لوطية، بجانب الآلاف من الجماعات البوذية والروحانية وغير ذلك من الأفكار والأيديولوجيات التي لا تعد ولا تحصى.
فعاليات الزيارة
فور إعلان إذاعة الفاتيكان الدولية أن البابا سيزور البرازيل للمشاركة في المؤتمر الخامس لأساقفة أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي خلال الفترة من ٩/ ٥/ ٢٠٠٢م إلى ١٤/ ٥/ ٢٠٠٧م، أعلنت وزارة الدفاع البرازيلية أن قوة مؤلفة من ١٠ آلاف من رجال الجيش ستتولى حماية البابا خلال فترة زيارته، بقيادة الجنرال «جواوكارلوس فيليلا» القائد السابق للقوة البرازيلية في هايتي، ضمت العملية الأمنية التي أطلق عليها «رئيس الملائكة» ۳۲۰۰ جندي من الجيش وعناصره من البحرية وسلاح الجو وعناصر شرطة مدججين بالسلاح، وعناصر من حرس مدينة ساوباولو، بالإضافة إلى سيارتين مدرعتين أرسلتا إلى البرازيل من قبل الفاتيكان لنقل البابا، أطلق عليهما اسم «بابا موبيل».
أهداف كنسية
وفور نزوله في مطار ساوباولو الدولي كشف عن أهداف زيارته من خلال كلمته التي وجهها للشعب البرازيلي قائلًا: «هدف زيارتي يتخطى الحدود الوطنية، فقد أتيت لأتراس جلسة افتتاح المؤتمر العام الخامس لأساقفة أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي في «أباريسيدا» «مركز الكنائس الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية»، وعلى هذه البلاد أن تكون أرضًا للمقترحات الكنسية التي ستقدم لهذه القارة قوة واندفاعًا تبشيريًا مجددًا».
من جهته قال سكرتير دولة الفاتيكان الكاردينال «ترتشيتسيو برتوني»: إن البابا سيوجه رسائل قوية إلى حكومات أمريكا اللاتينية التي بدأت تتساهل في حق الإجهاض والشذوذ الجنسي والانحراف الخلقي والتفكك الأسري.
وقد قام البابا بنديكتوس بتعيين «فراي غالفاو» كأول قديس من سكان البرازيل الأصليين، أمام أكثر من مليون شخص احتشدوا لرؤية البابا بمدينة ساوباولو، وما زال «غالفاو» من الوجوه المؤثرة في البرازيل حيث يتذكرون قيامه بكتابة الصلوات «رقية» باللاتينية على كريات ورقية يزعم أنه كان لها تأثير شاف من أمراض لدى ابتلاعها، وبمجرد إعلانه قديسًا من طرف البابا احتشد مريدوه في «دير ساوباولو» حيث يتلقون كريات ورقية مماثلة مكتوب عليها صلوات من أجل الشفاء، فأصبح هذا «الدير» «الكنيسة» قبلة لآلاف الزوار من الشعب البرازيلي، وصل في يوم واحد إلى ما يزيد على ٤٠ ألف زائر كل له حاجة يريد قضاءها من خلال ابتلاعه هذه الورقيات.
كما اجتمع البابا «بنديكتوس» مع ٤٣٠ أسقفًا جاءوا من أنحاء دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وتدارس معهم الكثير من القضايا وعلى رأسها استراتيجية التبشير والدعوة إلى الكاثوليكية للعشر سنوات القادمة، وكيفية النهوض وإعادة الحياة من جديد للجسم الكاثوليكي المريض! ولعزوف الشباب عن التدين وانغماسهم في الشهوات والملذات، وبعدهم عن الكنيسة اجتمع البابا مع ما يزيد على ٤٠ ألف شاب كاثوليكي في ملعب كرة القدم بمدينة ساوباولو، دعاهم من خلال هذا التجمع إلى مقاومة فخاخ الشر والعنف والمخدرات. كما حذرهم من ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، ودعا الفتيات الكاثوليكيات إلى المحافظة على بكارتهن.
ردود أفعال
لكن هذه الخطابات الكلاسيكية التقليدية للبابا قوبلت بالرفض من طرف الكثير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين.
كما أعلنت جمعيات الشواذ الحرب على البابا بنديكتوس؛ متهمين إياه بالشرطي العالمي الجديد الذي يراقب أنفاس الناس وحركاتهم وسكناتهم، كما قامت الكنيسة البروتستانتية بتنظيم تظاهرة حاشدة في مدينة ساوباولو نددت فيها بتصرفات البابا وخطاباته اللامسؤولة البعيدة كل البعد عن التسامح والحرية في الاختلاف والاعتقاد، متهمين إياه بالكذب والبهتان والشذوذ!
علقت الصحف البرازيلية بعناوين وردود فعل مختلفة على زيارة البابا، وتصدرت صور استقبال البابا الرسمي والديني والشعبي وتحدث البعض منها عن النفور الحاصل بين الكنيسة والحكومة حول تشريع الإجهاض والشذوذ والطلاق، كما أوردت صحيفة «فوليا دي ساوبولو» في صفحاتها الرئيسة «أن الكنيسة لا تريد خسارة أمريكا اللاتينية بل تريد أن تفعل دورها في عالم اليوم».
وقال المطران «شيرير» رئيس أساقفة ساوباولو في صحيفة «جورنال دا تاردي»: «إن مزار أباريسيدا سيكون قبلة وقمة الأحداث العالمية».
مشاركة المسلمين
وعلى صعيد آخر، أفرزت زيارة البابا للبرازيل اختلافات عدة بين الفعاليات الإسلامية بالبرازيل، حيث تباينت آراء الجالية المسلمة حول المشاركة في استقباله وانتقد عدد من الجمعيات والدعاة مشاركة الشيخ أحمد صالح رئيس المجلس الإسلامي في استقبال البابا.
حيث ألقى صالح كلمة باسم المسلمين بحضرة البابا بندكتوس تناقلتها القنوات الفضائية بالبرازيل- إلا القنوات ذات التوجه المعادي للكاثوليكية وخصوصًا البروتستانتية- أوضح خلالها سماحة الإسلام واحترامه لجميع الأديان، معتبرا أن الديانات السماوية تستقي مشروعيتها من منبع واحد، وأن الأنبياء جميعًا عليهم السلام من سلالة إبراهيم الخليل جد الأنبياء والمرسلين.
ثم قام صالح بخلع بردته من على ظهره وقدمها لبنديكتوس الـ١٦ هدية له، موضحًا أن هذه البردة ذات اللون الأبيض ترمز إلى الحب والسلام والصفاء والنقاء، ومضيفًا: ندعوكم للعيش معًا تحت خيمة الحب والسلام، ويحترم بعضنا بعضًا لأننا كلنا من آدم وآدم من تراب.
جدير بالذكر أن الداعية أحمد صالح هو ممثل المسلمين الرسمي من قبل الدوائر الحكومية، ومعتمد من قبل أغلب الجمعيات والهيئات الإسلامية في البرازيل وعلى رأسهم اتحاد المؤسسات الإسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى الذي يترأسه أ. مصطفى مراد، والجمعية الخيرية الإسلامية بساوباولو والتي يترأسها علي بركات.