; بنغلاديش في مهب الريح.. وضع مروع ينتج عن الانفصال (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان بنغلاديش في مهب الريح.. وضع مروع ينتج عن الانفصال (الحلقة الثانية)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

مشاهدات 69

نشر في العدد 222

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

وقد وجد الحكام البريطانيـــون والزعماء الهندوك أنهم مضطرون لأن يقبلوا الاستجابة لهذا المطلب؛ لأن الأغلبية الساحقة من مسلمي الهند صوتوا إلى جانب إنشاء دولة خاصة بالمسلمين تسمى باکستان فـــي الانتخابات المركزية والإقليمية التي أجريت في عامي ١٩٤٥- ١٩٤٦. وإنه لمن مضحكات التاريخ المبكيات حقيقة أن مسلمي البنغال فــــي هــذه الانتخابات الحاسمة في تقرير المصير صوتوا بنسبة بلغت %٩٧ لصالــــح باکستان وهم الآن قد انفصلوا، عنها بينما نجد أن باكستان الحالية «أي الغربية» مكونة من المديريات أو الأقاليم التي صوتت أغلبية سكانها المسلمين ضد قيام دولة باكستان، فكان قیام باكستان بقيادة وأصوات وتضحية أبناء مناطق الأقليات المسلمة بالمؤازرة الحماسية من مسلمي البنغال، وإن هذه الوقائع المذكورة هنا تجعل انفصال أهل باکستان الشرقية عن الدولة التي صنعوهــــا أکثر إيلامًـــا. قد وحد الإسلام بين شطرين لقد عانى المسلمون في جميع أنحاء الهند الوحدة من نوعين من الاسترقاق هما السيطرة السياسية البريطانية وطغيان الهندوك الاقتصادي عليهم، وكان لأهل البنغال النصيب الأوفر من هذه العبودية وآلامها لأن التجار البريطانيين احتلوا البنغال بادئ ذي بدء، كما كان المسلمون يحكمون كل الهند سبعمائة عام قبــل مجيء البريطانيين الذين استعانوا بالهندوك على المسلمين، حتى تفوقوا على المسلمين في كل مواقف الحياة ولذا عدت حركة تكوين باكستان المخرج الوحيد مـــن هذا الضنك، ولأن أهل البنغال كانوا أوفر نصيبًا من هذا الشقاء فقد كانوا أكثر الناس تحمسًا لإنشاء دولة باکستان، وكانت باکستان أعز عليهم وأقرب إلى قلوبهم منها على مـــن سواهم من أبنائها. ومع أن شطري باكستان الشرقي والغربي كان يفصل بينهمــا مــن الأرض التابعة للهند مدى فسيح فقد كانت العروة الوثقى التي توحد بين الشقيقين ويجمعهما في ولاء موحـــد لدولة موحدة كانت مستمدة مــــــن «أيديولوجية» الإسلام، أي من فكرته الشاملة. وكان زعيم البنغال السيـــــد سهروردي هو الذي اقترح فــــــي مؤتمر دلهي أمام القادة المنتخبين والممثلين للحركة السياسية الداعية لإنشاء دولة باكستان تكوين دولـــــة موحدة ذات «جناحين» في طرفي الهند، وتفصل بينهما جغرافيَّا فحسب رقعة واسعة من أرض الهند، ومن سخريات التاريخ الأخرى أن يكون نفس هـــذا السيد «سهروردي» هو المؤسس للحزب الحاكم اليوم في بنغلاديش، والأب الروحي في السياسة لرئيس وزرائها الحالي مجيب الرحمن. أسباب الانفصال إن السبب الجهاري في انفصال باكستان الشرقية من جمهوريــــــة باكستان الإسلامية الموحدة لهو تحطيم الركيزتين اللتين يقوم عليهما كيان تلك الدولة. وأولى هاتين الركيزتين تعزى إلى الإسلام الذي وقف مــــــن وراء تثبيته قاعدة للدولة مائة مليون مسلم بالهند، يشدون من أزر الدعاة إلى قيام دولة باكستان، والركيــزة الثانية كانت الديموقراطية التي حيل بينها وبين أن تكون ذات جدوى فـــي العمل السياسي، وكل سبب آخر من أسباب الانفصال إنما هو متفرع من هذا السبب الأساسي الذي ذكرناه. إن الإسلام هو الذي ألهم الجماهير وألهب حماسها لكي تبــــذل النفس والنفيس في إنشاء دولة إسلاميـة، وكانت حركة إنشاء باكستان السياسية هي اللسان المفصح عن روح تـــلك الجماهر المؤمنة، والعقل الذي نظم لها كيفية تحقيق تطلعاتها للاستفادة من وحدة الثقافة بين شطري تــلك الجماهير، ودبر لها أساليب الوصول إلى آمالها في الحياة الاقتصادية والسياسية، وكون لها عناصر المقاومة لكل نعرة إقليمية أو شعوبية أو لغوية قد تدعو إلى قيام انفصالات تفرق بين لبنات الدولة الموحدة «أيدي سبأ». ولكن من المؤسف حقًّا أنه منذ النشأة الأولى لباكستان لم تحاول أية واحدة من الحكومات المتعاقبة على دست الحكم فيها أن تفعل شيئًا يقوى من تلك الأواصر المدعـــمة للوحدة، بل إن الواقع يشير إلى أن كل حكومة من تلك الحكومات قــــد أسهمت بطريقـــة مباشرة أو غيــــر مباشرة في إضعاف تلك الأواصر. إن كبار القـــواد العسكريــين «الجنرالات» والموظفـــــــين «البيروقراطيين» الذين نشأهم الحكم البريطاني كانوا يعارضون قيام دولة إسلامية وقدروا أنه من الضرورة بمكان أن يحطموا الديموقراطية حتـى يحكموا البلاد على هدى خطتهم وضــد إرادة الجماهير؛ ولذا تآمروا حتـــى يستطيعوا الاستيلاء على الحكم. فالجنراب أيوب خان القائد العام للجيش الباكستاني استطاع بالتواطؤ مع إسکندر میرزا وزير الدفاع ومـع وزير المالية مالك غلام محمد اللذين تعاونا معه بكل تفاصيل اللعبـــة المعروفة لإنجاح الانقلابات أن يسيطر في النهاية على الحكم. وقد دام حكـم أيوب الدكتاتوري اثنتي عشرة سنــــة كاملة، وفي أثناء تلك الفترة أتيح لكل القوى المعادية للإسلام من قاديانيين وعلمانيين وماركسيين أن تنطلق من عقالها، وتزيد من نشاطها مقابل تأیید تلك القوى لحكم أيوب خان الدكتاتوري، وبإضعاف نفوذ الإسلام السياســـــي الذي كان يوحد بين المواطنين فــي باکستان وهم مختلفو الألسن والنجار؛ ففتح الباب للشعور الإقليمي والكياني للناطقين بلغة ما من لغات الشعوب التي كان يضمها كيان باكستان الموحد؛ فأصبح مفهوم القومية القائم علــى وحدة اللغة أو العرق حرًّا لأن يقوى ويشتد ساعده. وكانت الفوارق بين المواطنين مـن شقي باكستان في السيطرة الاقتصادية أو الإدارية أو في الرتب العسكرية تشكل مادة ملتهبة للأحاديث السياسية. ولقد أفلح في استغلالها الانفصاليون الإقليميون لإثارة الكراهية ضد الحكومة المركزية لباكستان. وفي هذه الظروف المواتية لأهدافه استطاع داعيـــــة الإقليمية الشيخ مجيب أن يكتســــب لنفسه شعبية ظاهرة قويـــة، ولكنه لم يجرؤ قط على المجاهرة بعدائـه للإسلام أو بالمطالبة بانفصال باكستان الشرقية عن الدولة الموحدة. ونتيجة للتحركات الشعبية الحادة ضد دكتاتورية أيوب خان استطاع القائد العام للجيش الجنرال يحيى خان الاستيلاء على السلطة، واعدًا بأنه سيعيد الحكم الديموقراطي إلى نواب الشعب المنتخبين، ولكن حكومته كانت أضعف من أن تستطيع إجراء انتخابات حرة نزيهة، وفوق ذلك كله اتخذ يحيي خان عدة قرارات سياسية فاحشة الخطأ مهدت الطريق لانتصار مجيب الانتخابي، وقد منيت باكستان الشرقية بأضعف إدارة حكومية؛ الأمر الذي مكن للشيخ مجيب من أن يستعمل كافة الأساليب الفاشستية ليكتسح انتخابات عام ۱۹۷۰. وقد بهت يحيـى خان لنتيجة الانتخابات وأراد أن يصل مع مجيب إلى حل وسط بين المقتضيات المتباينة لحكم مركزي ثابت وحكـــم إقليمي ذي نفوذ. ولكنهما أخفقا في الوصول إلى أي تسوية سياسية؛ فنظم الشيخ مجيـــب التمرد أو الثورة ضد الحكومة، ولجأ الجنرال يحيى خان لاستعمال القوة المسلحة لكبت تلك الثورة. وكانت هذه الأحداث الدامية فرصة ذهبية بالنسبة للهند العدو اللدود لباكستان للتدخل في شئون باكستان الداخلية بغية تمزيق وحدتها، وكانت الهند تصبو إليه منذ قيام دولة باكستان فلا يستطيع أحــــد أن ينكر أنه لولا تدخل الهند العدواني السافر فــــي المشكلة لمـــا أمكن فصل باكستان الشرقية عن دولة باكستان الموحدة. وبالرغم من كل الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها يحيى خان فإن أسباب تمزيق باکستان المأسوي تعزى أصولها إلى مؤامرة دولية كبرى بين جمهوريـــة الهند والصهيونية العالمية؛ فباكستان المعروفة بغيرتها الإسلامية لمصلحــــة العرب البالغة درجة التعصب لهم قـــد جعلت اليهودية تعتبرها العدو رقــــم واحـــد لهـــا. وفي محاولتهم المنكرة لإلحاق الأذى بباکستان قـــدم اليهود كل عـــــون مادي ومعنوي وعتادي ودبلوماســــي للهند في مغامرتها الإمبريالية التي قامت بها؛ فنجحت في احتلال نصف أراضي باکستان واستعباد خمسة وستــــين مليونًا من المسلمين. النكسة العظيمة التي منيت بها القوى الإسلاميــــة وبينما كان العلمانيون وذوو النعرة القومية المحلية وأتباع الماركسية وما هو بمثابتهم من القوى المناهضة للإسلام يعملون معًا للانفصال، كانت القـــــوى المناصرة من ذوي الفضل والعلمـــاء والمعلمين وخريجي المعاهد الدينية والطلاب يعارضـــون الانفصاليين تمسكًا بأخوة الإسلام وبنصرة الدين الحنيف. لذلك عندمــــا استسلم الجيش الباكستاني لقوات العدوان الهندي في السادس عشر من ديسمبر عام ١٩٧١ أصبح الوطنيون والمسلمون الصادقون والطلبة الضحية الأولى للطغاة المنتقمين، وبعد التسليم أخذ الجيش الهنــــدي الأسرى من الجيش الباكستاني تحت حمايته، وترك المدنيين فريسة لا حول لهم ولا قوة لزبانية الانتقام كي يعاقبوهم لأنهم كانوا قومًا يحبون الإســـــــلام وباکستان التي قامت باسمه. إن القصة الدامعة الدامية التي تروي ما تعرض إليه مسلمو البنغال مــــن العذاب والتقتيل اللاإنسانيين بسبب حبهم للإسلام ووليدته باکستان لم يعرف المجتمع العالمي شيئًا مــــن فصولها التي تقشعر لها الأبدان ويشيب لهولها الولدان، على أثـــــر سقوط داكا عاصمة باكستان الشرقية؛ فقد أطلق الجيش الهندي المخمــــور بالنصر وأعوانه من المحاربين غير النظاميين من شرذمة «موكني باهيني»- أي المحاربين من أجل الحرية- العنان لسلطان الرعب وقانون الغاب على المدنيين العزل وعلى المقهورين مـن رجال الدفاع المدني المعاونين لجيش بلادهم بالوقوف في وجه الغزاة مدافعين عن حوزة بلادهم. فالتقارير تذكر أن الناس قد عذبوا حتى الموت بوسائل غريبة في فظاعتها ووحشيتها، فقبل الإجهاز على الإنسان الواقـــع تحت قبضتهم كانوا يفصدون الأوردة ويبترون الأعضاء العاملة كاليدين أو الرجلين، أو يفقئون العينين أو يجدعون الأنف، أو يقطعون الأذنين أو يشوهون الوجه، وكان الأسرى المكتوفون يوسعون لكْمًا بالقبضات وركلًا بالأحذية الغليظة، ثم يطعنون طعنة نجلاء بالخناجر أو «بالسونكي»، كما كان يطلب من بعض الأسرى أن يحفروا قبورهم بأيديهم ثم يوأدون فيها «يدفنون أحياء»، كما كان البعض الآخر يرجمون بالحجارة حتى يموتوا، وآخرون يقذفون بهم في اليم مكتوفين ومثقلين بالصخور الضخمة وهـــم أحيـــاء! وهكذا وقع على هذا النفر من محبي الإسلام ودولة باكستان الإسلاميــــة من التعذيب الوحشي الغليظ ما لـــم يسبق أن عمل به إنسان من قبل. 1- لقد قتل بأسلوب فــظ نحـــو مائة ألف من مسلمي البنغال من بينهم العلماء وطلبة المعاهد الدينية والمتطوعون لمساعدة الجيش في شتى شئونه والأعضاء والعاملون في لجان السلام. ٢ – وقد زج بنيف وخمسين ألفًا من الزعماء وكبار الأساتذة والمحامين والمعلمين وعلماء المسلمين في غياهب السجون، لعامين كاملين من غيــــر استجواب أو محاكمة قانونية. 3 – وقد شرد نحو مائة ألف على أقل تقدير من ديارهم الأصلية وهاموا على وجوههم، مختبئين في أي مفـــاز يجدونه خوفًا مما يطاردهم من أشباح القتل أو خيالات الحبس. 4 - كما قد أعلن أربعة وخمسون من الزعماء البارزين بأنهم مواطنون غير صالحين وغير جديرين بحمل بطاقــــة جنسية البلد الذي ولدوا فيه؛ فحرموا من صفة المواطن وقد تم كل ذلك لأنه لم يكن ثمة تهمة توجه إلى هؤلاء فيقبض عليهم ويحبسون. 5 – وقد طرد من الجامعات رجال قد بلغوا درجة المدير للجامعة أو الأستاذية العليا «بروفيسور» أو درجة القارئ- وهذا اصطــــــلاح بريطاني ليس له مقابل في اصطلاحات جامعاتنا العربية إلا أن يكون بالتقريب أستاذًا مساعدًا أو شيئًا من هـــــــذا القبيل المعرب- لغير جريرة ســــوى حبهم وولائهم لباکستان. 6 - إن أسر المقبوض على عائليهم من الرجال قد أصبحت في حالة مــــن العسر المعاشي مذلة. 7 - إن الأيتام والأرامل الذين تركهم الشهداء من ورائهم قد أهملوا تمامًا وأصبحوا بلا عائل وبلا قوت أو رعاية. 8 - أصبح المشردون من ديارهم بلا مأوى ولا قوت، واضطر الطـــلاب من بين هؤلاء أن يتركوا دراستهم وكذلك ربما كانت حالتهم هذه ليست بأقل حظًّا من عناصر المأساة واليأس القاتل من حالة اللاجئين والمشردين من أجل فلسطين. 9 – البحاريون، وهؤلاء جنس من مسلمي الهند ومن غير أهل البنغال هاجروا من الهند إلى باكستان حين قيامها دولة.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في 101

105

الثلاثاء 23-مايو-1972

مسلمون حول العالم (101)

نشر في العدد 181

115

الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

العالم الإسلامي (181)