العنوان بوابة التعذيب السوداء!! الاختفاء القصري وقوانين الطوارئ.. نافذة إلى العالم الآخر
الكاتب د. أكرم المشهداني
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008
مشاهدات 55
نشر في العدد 1785
نشر في الصفحة 14
السبت 19-يناير-2008
تزدحم السجون وتكتظ المعتقلات في شتى أنحاء وطننا العربي بأعداد غفيرة من المعتقلين والمحتجزين والمحكومين، وفي مقدمتهم معتقلو الرأي بتهم مختلفة، وفي أحيان كثيرة بدون تهم، إذ يكفي قانون الطوارئ للزج بالآلاف تحت عنوان الاشتباه والخطر المحتمل على الأمن العام!
العفو الدولية: تعذيب السجناء يجري في 150 دولة.. والموت تحت التعذيب يجري في 80 بلدًا
وليس سراً أن تضع معتقلاتنا العربية اليوم بأساليب متنوعة من التعذيب تقتل أعداداً كبيرة من المعتقلين وتطوي سجلاتهم، بل إن قوانين الطوارئ تمنح ومكافحة الإرهاب رجال الأمن حصانات وسلطات واسعة لضمان عدم ملاحقتهم قضائياً ...
ولا تقتصر ظاهرة التعذيب على عالمنا العربي، بل تنتشر في بلدان أخرى تدعي الحضارة والمدنية والتقدم، تمارس فيها أبشع أنواع التعذيب والاضطهاد.
١٥٠ دولة تمارس التعذيب
وفي هذا الإطار، تؤكد تقارير منظمة العفو الدولية ودراساتها الإحصائية للفترة من عام ٢٠٠٠م - ٢٠٠٥م، وقوع حالات تعذيب للسجناء في أكثر من ١٥٠ دولة من بينها ۷۰ دولة كان بين ضحايا التعذيب فيها سجناء سياسيون، وأن هناك ٨٠ بلداً وردت منها تقارير عن وفاة معتقلين بسبب التعذيب، وكانت منظمة العفو الدولية قد أطلقت في أكتوبر 2000م حملة عالمية لمناهضة التعذيب هي الثالثة في تاريخها!.
ليس هناك تاريخ محدد لبدء التعذيب لكنه مورس منذ القدم، وما زال ولا يوجد في الأفق ثمة تاريخ لنهايته.
وتعد محاكم التفتيش أحد أبرز نماذج التعذيب الطائفي والتنكيل بسبب العقيدة، والتي طالت المسلمين في الغرب بعد انهيار الحكم العربي في الأندلس، وللأسف لم يقف المؤرخون عندها طويلاً إلا نادراً، لأنها تبرز وحشية الغرب الذي يدعي التحضر..
حتى الكنيسة ذاتها لم تعد قادرة على تجاهل مسؤوليتها المباشرة عن الفظائع التي ارتكبت بحق المسلمين العرب، حيث تقدمت مجموعة من ٣٠ مؤرخاً من مختلف العالم الغربي عام ۲۰۰۲م بمشروع قرار إلى البابا الراحل يتضمن اعتذار الكنيسة عن ممارسات محاكم التفتيش وجرائم تعذيبها للمسلمين، إلا أنها لم تسفر عن شيء...
الاتفاقية الدولية حبر على ورق
وقد توصل المجتمع الدولي إلى إعلان دولي لحماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب، واعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٩٧٥/١٢/٩م، وأثمرت الجهود الدولية عن توقيع اتفاقية الأمم المتحدة المناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهيئة بموجب قرار الجمعية العامة رقم ٤٦/٣٩ في ١٩٨٤/١٢/١٠م، وأصبحت نافذة في ١٩٨٧/٦/٢٦م، وانضمت إليها بلدان عديدة بينها دول عربية.
السجل الأسود للسجون العربية
وبالرغم من أن معظم الدول العربية قد وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، إلا أن سجل الانتهاكات ما زال واسعاً.
وقد أصدرت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة - ومقرها جنيف - بياناً. أكدت فيه أن لديها أدلة على أن المحتجزين على ذمة التحقيق في عدد من الدول العربية يتعرضون لعمليات تعذيب منتظمة في مقار السلطات الأمنية.
وأعربت عن قلقها بشأن الأدلة التي تشير إلى تعرض المحتجزين لسوء معاملة في المقار التابعة لمباحث أمن الدولة التي تتعامل مع قضايا الإرهاب.
كما انتقدت أحكام الإدانة التي تصدرها محاكم عسكرية بحق المدنيين وطالبت الحكومات بالسماح لمحاكم أعلى بإعادة النظر في أحكام الإدانة الصادرة عن محاكم عسكرية. ودعت إلى إخضاع مراكز الاعتقال لعمليات تفتيش منتظمة والسماح للمحامين باتصال أفضل بالسجناء وبإجراء تحقيقات مستقلة في شكاوى التعذيب.
كما دعت اللجنة الدولية إلى وجوب أن تعيد دول عربية النظر في استمرار الحكم بقوانين الطوارئ السارية، مطالبة إياها بتسهيل عمل المقرر الدولي الخاص بالتعذيب، حتى يتمكن من إعداد تقريره للاجتماع السنوي له الجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة.
ومن المعلوم أن المادة «۹» من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على حق كل فرد في الحرية والأمان الشخصي، وعدم جواز توقيفه أو اعتقاله تعسفاً.
كما تنص الدساتير العربية على أن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد، أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقاً لأحكام القانون.
ومع ذلك فإن هذا الحق يعد من أكثر الحقوق انتهاكاً في العديد من الأقطار العربية، في ظل قوانين الطوارئ وصورتها المحدثة المسماة قوانين مكافحة الإرهاب.
عام ٢٠٠٦م .. انتهاكات عدة
وقد شهد عام ٢٠٠٦م انتهاكات عدة للحريات الشخصية على مستوى العالم العربي. ولم يقتصر التضييق أو الانتهاكات على ذوي الانتماءات السياسية، حيث اكتوى في ظاهرة الاعتقال الجنائي، وتعتقد المنظمة أن السبب وراء ذلك يتمثل في ميل الأجهزة الأمنية للاعتماد المتزايد على بنارها أفراد ليست لهم أية انتماءات سياسية، حيث توسعت السلطات الأمنية صلاحيات قانون الطوارئ دون وجود مبررات حقيقية لاستخدامها، حتى أصبحت معه هذه الصلاحيات بمثابة آليات ووسائل عمل تلك الأجهزة، ويرتبط بذلك اتساع ظاهرة القبض التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، بما في ذلك سياسة احتجاز الرهائن، وقد يصل الأمر إلى انتهاك الحق في الحياة بسبب التعذيب الشديد.
تعذيب بالوكالة
وفي سياق متصل من الانتهاكات غير الإنسانية، فتحت بعض الدول العربية سجونها ومعتقلاتها للمعتقلين الذين تقوم بإرسالهم وكالة الاستخبارات الأمريكية بذريعة محاربة الإرهاب، دون التقيد بأية إجراءات قانونية لاستجوابهم واستنطاقهم لحساب الاستخبارات الأمريكية...
وفي هذا الصدد أطلقت منظمة العفو الدولية حملة دولية لوقف التعذيب وسوء المعاملة في الحرب على الإرهاب داخل السجون والمراكز التي توفرها دول عربية، وأعطت نماذج من أسماء تلك الدول، كما أعطت أسماء مراكز اعتقال عربية يتم نقل معتقلين عرب بتهمة الإرهاب إليها لتقوم الولايات المتحدة باستجوابهم.
ونقلت المنظمة على لسان ضابط سابق في الشرق الأوسط تابع لوكالة الاستخبارات الأمريكية، يدعى روبيرت باير قوله: «إننا نقبض على أحد المشتبه بهم، أو نرتب لإحدى الدول الشريكة لنا كي تقوم بذلك، ثم يوضع المشتبه به في وسيلة مواصلات مدنية وينقل إلى بلد ثالث، حيث بلا لف ولا دوران يستخدمون التعذيب..
وتقول منظمة العفو: إنها وثقت أربع حالات عن أشخاص متهمين بالتورط في قضايا إرهاب احتجزوا لفترات طويلة في زنازين عربية تحت الأرض، وتعرضوا جميعهم للتعذيب...
ذكرت منهم ماهر عرار، سوري يحمل الجنسية الكندية، وعبد الله المالكي ومحمد حيدر زمار سوري يحمل الجنسية الألمانية وكلهم احتجزوا وتعرضوا للتعذيب بمشاركة عناصر أمريكية.
تعذيب حتى الموت
وتتزايد أخطار التعذيب أثناء فترات الاعتقال، خاصة قبل التحقيقات.
وفي هذا الإطار، وثقت العفو الدولية نحو ٤٠ طريقة مختلفة للتعذيب وإساءة المعاملة استخدمت ضد المعتقلين، مشيرة إلى أن الاعترافات التي تنتزع بالإكراه وتحت الضغوط تستخدم بصورة منهجية كأدلة في المحاكم، بينما لا تكاد ادعاءات المتهمين بالتعرض للتعذيب وسوء المعاملة تخضع للتحقيق أبداً..
ووفقًا لمصادر منظمة العفو، فإن أطفالاً تعرضوا للتعذيب عن طريق الضرب بـ«الكابلات الكهربائية»، كما تعرضوا للصعق بالصدمات الكهربائية على أيديهم وأقدامهم، وأجزاء حساسة من أجسامهم ونزعت أظافر أصابع أقدامهم، وضربوا بأعقاب البنادق.
الاختفاء القسري ويضاف إلى تلك المرارات، ظاهرة الاختفاء القسري التي تفاقمت في ظل القوانين الاستثنائية، في نحو ٦٠ دولة على مستوى العالم.
وتتزايد الظاهرة يوماً بعد يوم.... والعراق من بين أكثر الدول تسجيلاً الحوادث الاختفاء القسري في العالم اليوم، حيث ما زالت سجلات الصليب الأحمر تتحدث عن اختفاء مئات الآلاف من العراقيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
ودعت تقارير المنظمات الحقوقية الدولية إلى تطبيق المواثيق والاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان لأن هذه الظاهرة تعتبر من الناحية الفعلية مدخلاً لانتهاك العديد من الحقوق والحريات الأساسية للمحتجزين.. تطبيقاً لما نص علية قرار الجمعية العامة ١٣٣/٤٧ المعتمد في ديسمبر ١٩٩٢م، في الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، حيث دعت المادة «۲ » إلى أن تتخذ الدول التدابير التشريعية والإدارية والقضائية وغيرها من التدابير الفعالة، لمنع أعمال الاختفاء القسري..
العدد القادم
شهادة سجين تونسي للتاريخ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل