; بوتفليقة يفرج عن مشروع السلم والمصالحة الوطنية | مجلة المجتمع

العنوان بوتفليقة يفرج عن مشروع السلم والمصالحة الوطنية

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005

مشاهدات 50

نشر في العدد 1666

نشر في الصفحة 28

السبت 27-أغسطس-2005

هل ينهي المشروع مسلسل العنف؟
رغم التوازنات الوطنية الضاغطة:
الأحزاب الإسلامية والوطنية تؤيد المشروع بينما يعارضه العلمانيون ومنظمتا عائلات المفقودين والعفو الدولية

بعد انتظار دام عشرة أشهر كاملة تخللته مزايدات ومساومات ورهانات سياسية انقسمت فيها الطبقة السياسية في الجزائر بين رافض لمجرد ذكر مفردة المصالحة الوطنية وراح يتحدث ويضغط على أن يستثنى منها الأطراف الحقيقية بل ويقترح أن يشمل العفو الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة عودة الأقدام السوداء والحركي من الذين خانوا الوطن أثناء ثورة التحرير وبلغ الأمر إلى اقتراح استقدام يهود الجزائر التاريخيين والسماح لهم بالاستفادة من المواطنة في الجزائر.
يمثل هذا الخيار التيار اللائكي العلماني الذي أورد البلاد المهالك والمآسي ما تزال إلى اليوم ماثلة للعيان، من خلال مخلفاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، فيما يعمل التيار الإسلامي والوطني على ترسيخ أقدام المصالحة الوطنية والعفو والسلم في الوطن من خلال أغلب أطيافه بما فيها الجماعات المسلحة التي دخلت منذ مدة في الوئام المدني وأبرز قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة.
بعد كل هذا التلاسن والصراع والتأجيل أفرج بوتفليقة عن الوثيقة الرسمية لمشروع «الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية» ليقطع الشك باليقين وتوضيح آليات وكيفيات وطرق تحقيق السلم والمصالحة الوطنية، فقد حددت الوثيقة الإطار الزمني لمن سوف يشملهم العفو أو السلم بين ١٣ يناير ٢٠٠٠م تاريخ نهاية سريان قانون الوئام المدني إلى ٢٩ سبتمبر ٢٠٠٥م تاريخ الاستفتاء حول الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية.
أبرز ما ميز وثيقة السلم والمصالحة الوطنية هو الجرأة الكبيرة التي ميزت سلوك الرئيس بوتفليقة في إصدار وتحديد مفردات الأزمة الأمنية والحل في آن واحد، وكذا تحمله المسؤولية التاريخية في إصدار مثل هذا العفو «الميثاق»، معترفًا أمام الملأ بأن الضغوط عليه كانت كبيرة من خلال استعماله لجملة اعتراضية مهمة في خطابه يوم ١٤ أغسطس ٢٠٠٥م بقصر الأمم، حيث قال «إن هذا الحل هو المخرج الأمثل إن لم يكن الوحيد الذي تتيحه حاليًا التوازنات الوطنية، ووقف الجميع كثيرًا عند هذه الكلمة «التوازنات الوطنية» حيث ذهبت بعض المصادر إلى أن مشروع الرئيس طبخ في الكواليس لمدة سنة كاملة وتعرض لضغوط كبيرة من التيار العلماني الرافض للمصالحة الوطنية وكذا من قبل عائلات المفقودين والضحايا وكذا «منظمة العفو الدولية» التي تركز حملتها هذه الأيام على عدم قبول اللا عقاب والدعوة إلى ما تسميه كشف الحقيقة.
فيما ذهبت بعض المصادر الأخرى إلى أن كل هذه الضغوط هي التي جعلت الرئيس يغير تسمية المشروع من «مشروع العفو الشامل» الذي ورد في خطابه ۱۰ نوفمبر ٢٠٠٤م إلى الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية كما أن بعض المراقبين يرى أن ديباجة المشروع تحمل بعض بصمات التيار العلماني الذي حمل مسؤولية الأحداث للجبهة الإسلامية للإنقاذ في إدانة صريحة لتيار الإسلام السياسي، الأمر الذي قرأه البعض أنه استمالة من بوتفليقة لبعض رموز التيار العلماني النافذ في السلطة، هذه الديباجة التي خضعت لضغوط التوازنات الوطنية، ورغم أن الرئيس بوتفليقة كان قد باشر عمليات تغيير في بعض رموز الأزمة الجزائرية حتى يتسنى له مباشرة عملية المصالحة الوطنية بهدوء وبدون ضغط من خلال سلسلة التعيينات الجديدة في السلك الدبلوماسي والمؤسسة العسكرية.
الوثيقة التاريخية للسلم والمصالحة الوطنية تعتبر خطوة عملاقة في اتجاه جزائر آمنة ومستقرة بدون سجناء رأي أو مهاجرين في الخارج وطالبين للجوء خوفًا من النظام أو آهات العائلات المكلومة في أبنائها الذين افتقدتهم طيلة سنوات الفوضى والجنون أو هؤلاء المفصولين من وظائفهم بسبب انتماءاتهم السياسية أو هؤلاء المحكوم عليهم غيابيًا أو بشبهة، أو تلك الأسر التي تعيش تحت عتبة الفقر من جراء ما أصابها من تخريب أو حرق لممتلكاتها أو تلك التي أحيطت بالريبة واتهمت بالإرهاب من جراء إقدام عضو منها على الصعود إلى الجبال.
ونظرًا لأهمية هذه الوثيقة نتعرض لها بملخص مفيد، فقد احتوت على خمسة إجراءات كبرى لمعالجة الأزمة بعد ديباجة مطولة تظهر الخلفية والفلسفة التي انطلق منها المشروع، وقد جاء في الوثيقة:
المحور الأول: العرفان بصناع النجدة للجمهورية من جيش وأجهزة الأمن وكافة الوطنيين والمواطنين وعدم تشويه صورتهم داخليًا وخارجيًا.
المحور الثاني: الإجراءات الرامية إلى استتباب السلم:
-    وقف المتابعات القضائية في حق الأفراد الذين سلموا أنفسهم للسلطات اعتبارًا من ١٣ يناير ٢٠٠٠م.
-    إنهاء المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد الذين يكفون عن نشاطهم المسلح ويسلمون ما بيدهم من سلاح.
-    إلغاء المتابعات القضائية في حق الأفراد المطلوبين داخل الوطن وخارجه الذين يمثلون طوعًا أمام الهيئات الجزائرية المختصة.
-    وقف المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد المنضوين في شبكات دعم الإرهاب والذين يصرحون بنشاطهم لدى السلطات.
-    العفو عن الأفراد المحكوم عليهم والموجودين رهن الحبس عقابًا على احترافهم نشاطات داعمة للإرهاب.
-    إبدال العقوبات أو الإعفاء من جزء منها لصالح جميع الأفراد الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية أو المطلوبين الذين لا تشملهم إجراءات وقف المتابعات أو إجراءات العفو.
مع استثناء: الأفراد الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الأماكن العمومية.
المحور الثالث: الإجراءات الرامية لتعزيز المصالحة الوطنية.
1-    الرفع النهائي للمضايقات التي لا زال يعاني منها الأشخاص الذين جنحوا إلى اعتناق سياسة الوئام المدني.
2-    تسوية الوضعية الاجتماعية لمن فقدوا مناصب عملهم بسبب إجراءات إدارية اتخذتها الدولة في إطار ما لها من صلاحيات.
3-    حق الشعب الجزائري في الاحتياط من تكرار الوقوع في مثل هذه الأحداث.
المحور الرابع: إجراءات دعم سياسة التكفل بملف المفقودين:
مع رفض كل زعم يقصد به رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في ظاهرة الافتقاد، مع الإقرار بمحاكمات حدثت لمن اقترف ذلك من أعوان الدولة.
فإن الوثيقة تقترح:
1-    تتحمل الدولة على ذمتها مصير كل الأشخاص المفقودين في سياق المأساة الوطنية وستتخذ الإجراءات الضرورية بعد الإحاطة بالوقائع.
2-    اتخاذ كل الإجراءات المناسبة لتمكين ذوي المفقودين من تجاوز هذه المحنة القاسية في كنف الكرامة.
3-    يعتبر الأشخاص المفقودون ضحايا للمأساة الوطنية.. ولذويهم الحق في التعويض.
المحور الخامس: الإجراءات الرامية إلى تعزيز التماسك الوطني.
1-    مراعاة المأساة الوطنية وما أنتجته من مخلفات.
2-    التكفل بالأسر التي كان لأعضاء منها ضلع في ممارسة الإرهاب.
3-    اتخاذ تدابير التضامن الوطني لصالح الأسر المحتاجة.
أما عن ردود الفعل تجاه الوثيقة فبعضها مؤيد والآخر رافض
حيث أكدت حركة مجتمع السلم -على لسان رئيسها الشيخ أبو جرة سلطاني رئيس التحالف الرئاسي حاليًا أن الوثيقة خطوة جيدة في مسار المصالحة الوطنية ومن شأنها أن تعالج آثار ١٥ عامًا من المآسي السياسية والأمنية كلفت الشعب الجزائري فاتورة ثقيلة دفعها الجميع من حياتهم وراحتهم ودمائهم داعيًا إلى احتضان هذا المشروع وتتويجه بإلغاء حالة الطوارئ التي قال عنها إنها تحصيل حاصل منبهًا إلى أن نسيان الجبهة الاجتماعية والوضعية المزرية للمواطن اقتصاديًا من شأنها أن ترهن مشروع المصالحة الوطنية الذي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أحزاب التحالف الرئاسي من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي كلها دعت إلى المباركة والدعم المطلق لمشروع الرئيس بوتفليقة، فيما صرح الشيخ عبد الله جاب رئيس حركة الإصلاح الوطني أنه يؤيد المشروع الذي تطابق مع مقترحات الحركة بنسبة ٨٠٪.
كما عبرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على لسان رئيسها الشيخ عبد الرحمن شيبان عن دعمها للمشروع وأكدت أنه «مشروع إسلامي وطني» وهو نفس الرأي الذي عبرت عنه حركة النهضة وحزب العمال والعديد من المثقفين العلماء والدعاة والسياسيين أمثال عبد الحميد مهري وأحمد بن بلا الرئيس الأسبق للجزائر، فيما صرح رئيس الهيئة الاستشارية الوطنية لترقية حقوق الإنسان السيد فاروق قسنطيني أن أرضية السلم والمصالحة الوطنية قد تكون مقدمة للعفو الشامل.
وفيما تستعد الأحزاب الإسلامية والوطنية لحملة التأييد للمشروع عبر كافة محافظات القطر، تقف جمعيات عائلات المفقودين ومنظمة العفو الدولية وكذا كل أطياف التيار العلماني وعلى رأسهم جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها آيت أحمد وكذا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وبعض رموز هذا التيار ضد مشروع الرئيس معتمدين خطاب نحن ضد سياسة اللا عقاب ونريد كشف الحقيقة.
رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة سيباشر حملته للدعاية للمشروع من محافظة سكيكدة، هذه المنطقة التي عاشت حرارة أيام الفتنة كما أعلن منها ومن محافظة مجاورة لها «جيجل» عن الهدنة حيث إنها مسقط رأس أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ المنحل «مدني مزراق» الذي دخل في حملة مسبقة لمشروع الرئيس.
كما أعلنت قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة على لسان قياداتها في الداخل والخارج، رابح كبير وأنور هدام وجعفر الهواري وكذا عبد القادر بوخمخم، عن دعمها لمسعى الرئيس، بالرغم من أن المشروع حظر عليهم العمل السياسي تحت أي غطاء كان.
وفي أسبوع واحد استقطب مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية كل الفاعلين السياسيين في الجزائر بالرغم من العطلة الصيفية.
ويتوقع المراقبون أن يحوز المشروع قبول المواطنين بنسبة أكبر من نسبة الانتخابات الرئاسية ٢٠٠٤م لأن من المنافسين لبوتفليقة في انتخابات الرئاسة الماضية من هم مع المصالحة الوطنية وسيقودون الحملة الاستفتائية، وبحساب نسبة الأصوات التي حصلوا عليها في هذه الانتخابات نجد أن ٩٧% سيصوتون لصالح المشروع، وهي نسبة ستحرر بوتفليقة من ضغط التوازنات الوطنية وستتيح صياغة مبادرات سياسية بما ينهي مخلفات الأزمة الجزائرية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل