; بيان في إزالة الشبهات | مجلة المجتمع

العنوان بيان في إزالة الشبهات

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مشاهدات 119

نشر في العدد 1024

نشر في الصفحة 63

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

لقد أطلعني المختص بمجلة المجتمع على تعقيب الدكتور عبدالعزيز الجاسم والمتضمن بعض الملاحظات حول مقال لي بعنوان الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية.

وحيث إنه قد طَلب منِّي بيانا موجزا وفوريًّا على هذا التعقيب فإنه استجابة لهذا الطلب وفي حدود المساحة المتاحة أوضح الآتي:

أولا: إنه قد نشرت المجتمع في أربع مقالات عن خصائص التشريع الإسلامي وانفرداه بمزايا لم يصل إليها التشريع الوضعي شرقا وغربا، وآخر ذلك المقال موضع رد الأخ الناقد، الذي ترك هذه القضية وهو مزايا التشريع الإسلامي وإعجازه واختار بعض الأدلة ليضعفها على النحو الوارد في تعقيبه.

ولا يخفَى عليه وغيره أنه إن صح جدلا ضعف بعض الأدلة، فهذا لا يهدم القاعدة التي ورد الدليل ليثبتها وذلك لوجود أدلة أخرى لا جدال في صحتها.

فعلى سبيل المثال فقد أورد في البند (ثالثا) أنني استندت إلى حديث «ادرأوا الحدود بالشبهات» وهو غير صحيح وإنما صح من قول بعض الصحابة، وأذكر القارئ أن هذه القاعدة النبوية أوردتُها ضمن أدلة أخرى قدمت إليها في المقال بقولي: «القرآن الكريم قد كفل صيانة أعراض الناس من الاتهام بالباطل، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع القاعدة في عدم الأخذ بالشبهات».

ثم بعد ذلك بعدة بنود أوردت هذا الحديث، مع علمي بوجود خلاف في صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث ورد مرفوعا إليه وورد موقوفا على بعض الصحابة وقال الترمذي الموقوف أصح من المرفوع (ج۲ ص ۳۱۸) فإن معنى هذه القاعدة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانید صحيحة، حتى إن الفقهاء قد ذهبوا إلى أنه يوجد إجماع على إقامة الحد عند انعدام الشبهة (الفروق للقرافي ج 1 ص ١٧٤).

وقد أورد الشيخ عبدالله العلي الركيان في بحثه المقدم لأسبوع الفقه الإسلامي الخامس بالرياض من ٦٢٥ أنه قد وردت أحاديث وآثار غاية في الصحة تؤيد الأخذ بمبدأ درء الحدود بالشبهات واستشهد بحديث توبة الجاني ورجوعه عن إقراره، وحسبنا في ذلك الحديث النبوي المتفق عليه «لو كنت راجما أحدا بغير بینة لرجمتها».

ثانيا: عقَّب على قولي إن القوانين الوضعية توجب دفع كفالة مالية للإفراج عن المتهم، وهذه الكفالة يستطيع الغني دفعها والإفراج عنه بينما لا يملك ذلك الفقير.
فقال الناقد: إن الإسلام قد جاء بهذه القاعدة أيضا وموضوع الكفالة أمر معلوم.

وأودُّ أن أذكِّر القراء أن الكفالة التي أفردت لها كتب الفقه بابا خاصا، ليست هي الكفالة التي سيق الكلام بشأنها لبيان عدم إخلال الإسلام بمبدأ المساواة بينما تخل به القوانين الوضعية، فالكفالة هنا مبلغ من المال يلزم المتهم بدفعه حتى يفرج عنه انتظارا لمحاكمته، وهذه الكفالة قد تصل إلى خمسة آلاف دينار، وهذه لا وجه لمقارنتها بالكفالة الواردة في كتب الفقه الإسلامي حتى يقال إنها من نوعها، ذلك أن الكفالة في الفقه الإسلامي هي أن يضمن الكفيل المدين والمكفول به هو النفس أو الدين أو العمل وكل ذلك بخلاف الكفالة محل المقارنة فهي ليست كفالة شخصية يصبح الكفيل معها ضامنا للمدين، بل هي ضمان مالي يدفع فورا حتى تسمح السلطات المختصة الإفراج عن المتهم انتظارا لمحاكمته.

ثالثا: عقَّب على البند التاسع في مقالي بشأن مساواة التشريع الإسلامي في العقوبات بين المسلم وغير المسلم، وأورد عدة اعتراضات أسهب فيها مبتعدا عن القاعدة الأصلية وهي المساواة في عقوبة القتل بين المسلم وغير المسلم.

1- فتساءل عن الإبهام في الكلام، وهل المساواة في العقوبة التي يكون فيها اعتداء من المسلم على الذمي وقال إنها دعوَى ليس لها دليل من كتاب أو سنة.

والناقد يعلم أن المساواة في جناية القتل وعقوبتها هو الوارد في المقال فذكرت أنه يقتل المسلم بالكافر المسالم والدليل في القرآن الكريم (النفس بالنفس) وفي السنة ما رواه أحمد والبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم ير رائحة الجنة» وأيضا الحديث محل نقد الناقد.

2- واستنكر قولي إن من أسباب الأسَى والأسف أن يظن بعض العلماء أن السنة النبوية لا تساوي بين المسلم والكتابي في عقوبة القتل، ولو اطلع على المقالات السابقة لعلم سبب الأسى والأسف.

والجواب على ذلك أن الباحثين يعلمون ما صدر حديثا من كتب عن السنة والفقه، وفيها أن الحديث النبوي سالف الذكر يخالف القرآن الكريم في المساواة في العقوبة بين المسلم وغير المسلم ومن ثم استبعدوا الحديث النبوي بحجة معارضته للقرآن والحديث ليس فيه أي تعارض، فنصُّه: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» فدلَّ أن الكافر هنا هو الحربي- أي المحارب- وأكرر أنه قد غفل عن ذلك من قال بالتعارض بين القرآن والسنة.

3- إن وجه الاستدلال كان للحديث النبوي وليس أقوال الفقهاء، فالحديث قد صرح بأن المسلم لا يُقتل إذا قتل الكافر المحارب، وأن الكافر المعاهد لا يقتل إذا قتل الكافر المعاهد، أما قول الشوكاني فهو فيه دليل علي أن المسلم لا يقاد بالكافر، أما الكافر الحربي فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر، وأما الذمِّي فذهب إليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه، وذهب الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل المسلم بالذمي. (نيل الأوطار- ج٨- ص۱۰). 

وأخيرا أكرر ما ذكرته من أن المقال محل النقد لا يهتم بترجيح أقوال بعض الفقهاء أو الجمهور، بل يهتم بإظهار مزايا التشريع الإسلامي في مواجهة التشريع الوضعي من خلال النصوص.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل