; بيت الداعية | مجلة المجتمع

العنوان بيت الداعية

الكاتب محمد عبد العزيز الشيخ حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

مشاهدات 83

نشر في العدد 1027

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

نعجب كثيرًا عندما نسمع عن بيت من بيوت المسلمين قد خلا من داعية لله.. بيت قد غطته ظلمة المعاصي وانتشرت في أرجائه الرذيلة وعمت أهله الغفلة وطغى فيه الهوى وباض وفرخ فيه الشيطان فلا مذكر ينصح أو مرب يوجه أو قلب متيقظ أو لسان رطب بذكر الله.. إن المسلم الصادق ليشعر بالحسرة والألم على واقع هذه البيوت ويتفطر قلبه كمدا ولوعة على أصحابها، ولكن الأعجب من ذلك أن تجد من ينتسب للدعوة وينتمي للملتزمين.. وواقع أسرته وبيته لا يقل شأنا عن تلك البيوت المهجورة من التذكير والموسومة بالغفلة بحجة أنه مشغول بالدعوة الخارجية، فالبيت لدى هذا الداعية لا يعدو كونه مهجعًا للنوم ومرتعًا للأكل والشرب، والأهل والأولاد ما هم إلا متعة وزينة، وينسى أو يتناسى الواجب الأساسي والوظيفة الكبرى التي يحثه عليها الشرع الكريم والخلق القويم وهي دعوة الأهل والأقربين.

إن بعض الدعاة من الشباب الذين لم تكن لهم ولاية الأمر في البيت بسبب وجود الأب أو الأخ الأكبر يغض الطرف- أحيانًا- عن المحرمات التي تنتهك داخل البيت فالتلفاز بأفلامه الخليعة ومسلسلاته الهابطة وأغانيه الماجنة يصدح ويردح فيه ولا يحرك ساكنًا، والكلمات البذيئة على لسان أهله فلا ينهى عن منكر، والمجلات والصحف السافلة تتداول فيه فلا يمنعها ولا يستقبحها، وقرناء السوء يجوبون بيته فلا يتخذ منهم موقفا.. وعندما تغلي الدماء في عروقك من هذه الصور المحزنة وتواجه الداعية بهذا الواقع المر لأسرته وبيته وتسأله عن دوره في الإصلاح يصيح فيك قائلا: إن الدعوة إلى الله وواقع المسلمين اليوم لم يترك للمرء فرصة يفكر في نفسه فضلا عن أسرته وبيته!

انظر أخي المسلم إلى هذا التفكير المعوج والتصور السقيم لمفهوم الدعوة إلى الله في ذهن هذا الداعية- إن صح التعبير- إنه يذكرنا بقول أحد الشعراء:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا            فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

إن قضية الحرص على العمل الدعوي الخاص أو العام خارج نطاق الأسرة لا يبرئ ساحة المسلم أيًّا كان وضعه من واجبه نحو أهله وذويه، ولقد وجه القرآن الأنظار إلى هذه القضية الخطيرة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6) ونبه إلى عظم الأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». والحديث والنصوص في ذلك كثيرة مستفيضة.. فأين يقف الأخ المعتذر عن دعوة أهله من هذه النصوص القاطعة وبماذا سيواجه المولى يوم القيامة.

إن مثل هذا الداعية كمثل من يرتب الأشياء من حوله وينظمها ويترك قلبه في فوضى وبعثرة.. إننا لا نقلل من شأن العمل الإسلامي ودعوة الآخرين إلى هذا الدين والالتزام به فهذه أمانة في عنق كل مسلم سيسأل عنها ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نراعي الأولويات ونوازن بين المصالح فالأقربون أولى بالمعروف، وخيركم خيركم لأهله، ثم إننا مطالبون بالإعذار أمام الله ثم أمام الناس بأداء الواجب، وأننا قد بذلنا الوسع في نصح الأقربين والأهلين وتذكيرهم وبذلك وحده نستحق ولو جزئيا ما يطلق عليه الآخرون صفة «القدوة».

ومما ينبغي أن تعلمه -أخي الداعية- أن نجاحك في دعوة الناس والتفوق الباهر الذي تحققه للعمل الإسلامي مرهون غالبًا بمدى نجاحك داخل محيطك الأسري وبيئتك، فالبيئة السليمة التي تحيط بك هي عون لك على دعوتك ومصدر ثراء يمدك بالحيوية والنشاط والحركة لانطلاقة أكبر لمجالات أرحب في العمل الإسلامي، فالزوجة إذا أحسن تربيتها كانت مبعث الأمل للاستمرار في طريق الدعوة والساعد الأيمن إذا خارت القوى والمذكر الناصح إذا تواردت الغفلة، وهكذا باقي أفراد العائلة إن استقاموا وصلح شأنهم، ومن ثم فالبيت إن كان خاليًا من رسائل الشيطان ووساوسه كان باعثا على الراحة والطمأنينة التي لا غنى عنها لكل داعية.

أخي الفاضل: إن التألم لواقع الأمة الإسلامية ومآسيها والتحرك لإنقاذ ما يستطاع إنقاذه منها عمل جليل وأجر مدخر ولكن ألا ترى معي أن واقع من يهمل ذويه ويدع بيته مرتعا لشياطين الإنس والجن لا يقل مأساة عن واقع الأمة، بل هو جزء مصغر من تلك المآسي، يحتاج من الدعاة المخلصين أن ينقذوه أيضًا؟ فلماذا نشغل الآخرين بنا ونعطل جهودا ونهدر أوقاتًا لو بذلت في ثغور أخرى من ثغور الإسلام لكان أولى وأجدر؟

أخي- وفقك الله: أظن أنه قد بان لك الطريق وانفتح لك شيء من السبل فما عليك إلا أن ترجع إلى نفسك فتحاسبها وتتعلم فقه دعوتك وتلتزمها ولا ضير مع ذلك كله من الاستفادة من تجارب الداعين وسؤال العارفين، وقبل ذلك وبعده اللجوء والتضرع لرب العالمين فهو سبحانه يتولى الصالحين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

واقرأ أيضا:

ومضة تربوية

لقمة بلقمة

ذكر في كتاب الفرج بعد الشدة لإبراهيم بن عبدالله الحازمي:

كان لامرأة ابن فغاب عنها غيبة طويلة، وأيست من رجوعه، فجلست يومًا تأكل، فوقف بالباب سائل يستطعم فامتنعت من أكل اللقمة وحملتها مع تمام الرغيف فتصدقت بها وبقيت جائعة تلك الليلة، وما هي إلا أيام يسيرة حتى قدم ابنها وأخبرها بشأنه كيف أن الله أنجاه من أن يكون فريسة لذلك الأسد الذي اعترض طريقه حتى إذا نشب مخالبه في مرقعته وبرك عليه ليفترسه، قيض له سبب، فقام الأسد عنه مهرولًا، يقول: فلحقت بالقافلة التي كنت فيها.

فنظرت المرأة (الأم) فإذا هو الوقت الذي أخرجت اللقمة من فيها، وتصدقت بها!

وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: «صدقة السر تقي مصارع السوء»[1].

الشيخ أحمد السبيعي

___________________________

[1] نص الحديث: «الصدقةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وصَنائِعُ المعروفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1545

74

السبت 05-أبريل-2003

المجتمع الأسري (1545)

نشر في العدد 1027

90

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

وقفة تربوية