العنوان معالم على الطريق.. بيدي.. لا بيد عمرو!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 49
السبت 10-مايو-2003
لم لا يكون التغيير بأيدينا نحن لا بأيدي أعدائنا؟ ولم لا تكون الديمقراطية والشوري من نبتنا وتربتنا، وليست تسولًا من هنا أو خداعًا من هناك؟! التغيير إذا جاء من غيرنا فسوف يكون قسرًا وكرها، وذلك له أمراضه وعلله الذي يقصدها من جاء به، ولأن أربابه وسدنته يعملون قطعًا لصالحهم لا لصالح شعوبنا، ويكون دائمًا إلى الأسوا، وإن حمل في ظاهره غير ذلك أو تسمى بأسماء مختلفة براقة وخادعة، وما نقوله هنا ونقرره رغم أنه خدع الكثيرين، وسبحوا بحمده، وسيهللون ويزمرون، إلا أنه هو الحقيقة التي من تاه عنها يكون -وللأسف- قد فقد البصر والبصيرة معًا.
وللتذكرة فقط نقول لهؤلاء: هل رأيتم بلدًا دخله محتل وعمل على نهضته وانتشاله من وهدته؟ وهل سمعتم عن شعوب ديست کرامتها، وتمزقت إرادتها وقتلت عزيمتها، رفعت رأسها وصلح حالها؟
إن أفضل من ينبغي أن يعلم ذلك، هو نحن لأننا ما تخلفنا عن غيرنا وفقدنا نهضتنا وشخصيتنا ودورنا وحضارتنا إلا بعد استعمارنا من دول سمت احتلالها لنا إعمارًا وتقدمًا، ومن هنا مازلنا نردد تلك الكلمة «الاستعمار» و«معناها إعمار»، وما كان إلا تركيزًا للتخلف وقتلًا للمواهب وسرقة للمقومات، وإفساحًا للخونة والمرتزقة والمفسدين ليكونوا قوامًا على الأمة، حتى يكملوا الشوط ويواصلوا المسيرة المشوهة، وللأسف لم يفهم بعض شعوبنا ذلك، ولم تع بعض سلطاتنا هذا ولم تلتفت إليه إلا عند ظهور القوارع، وحلول الكوارث، فإنه قد يفهم البعض، والبعض الآخر ما زالوا في سكرتهم يعمهون!.
ولا نجد وصفًا يخرجنا من هذا التساؤل إلا تعبير الفيلسوف الإسلامي «مالك بن نبي» الذي شخص هذا الداء بالقابلية للاستعمار: أناس وطنوا أنفسهم أن يظلوا مطايا وعاهات في الأمم، تتغذى على القاذورات، وكثرة هؤلاء في عهود الضعف جعلت الأعداء لا يكتفون من أتباعهم وصنائعهم بالاستحقاق القديم، ولا بالفواتير المخفضة، بل أرادوا أن يلتهموا كل الكعكة ويستولوا على كل المقدرات، ولهذا التفتوا إلى كل الثوابت التي أقروها فاقتلعوها، وقدموا فاغري الأفواه لينشبوا أظفارهم وأنيابهم في الضحايا الآمنة المستسلمة، ويخترعون لتلك الأسباب التي لابد أن يصدقها الجميع، دمار شامل، حقوق إنسان، ديمقراطية، تحرير الشعوب، ضرب الإرهاب!!
ومن الغريب أن «إسرائيل» أصبحت هي الأخرى تتقمص دور الأسد، ولم لا؟ ولهذا تسمع صوت «إسرائيل» اليوم قد استعلى، فيقول ضابط كبير في جيش «إسرائيل» محذرًا -سورية الهدف الثاني كما يقولون: لا أستبعد شن هجوم استباقي ضد سورية في حالة استمرارها في دعم حزب الله، ودعمها للإرهاب ولأنها تتصرف تصرفات غير لائقة بالنسبة لنا.
ويقول قائد المنطقة الشمالية الإسرائيلية «بني غينتس»: لا أستبعد أن نشن حربًا على سوريا، مضيفًا أن جميع الإمكانات مفتوحة، وقد تصرفت سورية خلال الحرب على العراق تصرفات ضارة ثم قال: يجب أن تتخلص سورية من الصواريخ ومن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ثم أكد على أن «إسرائيل» قادرة على ضرب سورية، ولا يوجد مكان أمن فيها لا تستطيع «إسرائيل» الوصول إليه، وأن كل ما جلبه الأمريكان في العراق متوافر لدينا، فلدينا بالمعنى العسكري قدرة تنفيذ كتلك التي لدى الأمريكيين، لدينا حاملات طائرات، و ٦٠٠ طائرة حربية، و6 كتائب، ونحن نستطيع أن نفعل ما فعله الأمريكيون في العراق، وأعتقد أن السوريين قاموا باستخلاص العبر مما حدث للعراق!.
ولا أدري كيف يتكلم جنرال إسرائيلي ولا حراك ولا رد من سوريا ولا من العرب، ثم ما الرد الأمريكي على هذه القوة الصهيونية؟ الترحيب طبعًا، والموت للضعفاء. وأنا لا أقول في الحقيقة كما يقول الجنرال الإسرائيلي إن سورية فهمت درس العراق أو العرب، لأنهم لو فهموا الدرس، لأطلقوا الحريات وتنازلوا عن الحكم الشمولي، وتصالحوا مع الشعب، ولأفسحوا المجال للقوى المخلصة أن تشترك في إدارة البلاد، والتيارات السياسية المختلفة أن تدلي بآرائها في مستقبل الأمة، ولاحترموا حق الشعب في اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع بحرية ونزاهة، بدل أن يقف الحاكم وحيدًا بلا شعب يؤيده، مترددًا بلا رأي يسدده أو سواعد تعضده.
لو فهموا الدرس: لما كانت نسبة الاقتراع ۱۰۰%، ولما قبلوا تدليس المنافقين وتزوير المنتفعين الذين يؤلهون الدكتاتور حتى إذا جاء الجد أو حانت ساعة النزال فروا من حوله، وتركوه يلعق أصابع الندامة والخزي والبوار، ويتسابق الناس لضرب صوره بالنعال، وتحطيم تماثيله التي أقامها من دم الشعب المسكين، لو فهموا الدرس لأحيوا نخوة الأمة ورجولتها وسندوها بتاريخها وتراثها ونهضتها، بدلًا من الضلالات التي زرعوها في الناس من بعثية واشتراكية وقومية، وأسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان.
لو فقهوا الدرس لعرفوا ما يراد بهم وبإسلامهم، رغم وضوح ذلك على كل لسان، وفي كل صحيفة، وكل خطاب قاصٍ أو دانٍ، يقول نيكسون رئيس أمريكا الأسبق: «إن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظرون إلى كل المسلمين كأعداء، ويتصور الأمريكيون أن الشعوب المسلمة شعوب غير متحضرة، ودموية، وغير منطقيين، وليس هناك صورة أسوأ من هذه الصورة حتى بالنسبة للصين الشيوعية في ذهن وضمير المواطن الأمريكي، ويجب أن يتخذ المسلمون عداءً بدلًا من الشيوعية التي انهارت».
وقد علل كثير من الباحثين هذا العداء للإسلام والمسلمين لسببين:
الأول: لأن الإسلام قادر على البعث والنهوض للأمة تحت أقسى الظروف وتاريخه الطويل شاهد على ذلك.
الأمر الثاني: استعصاء الإسلام على العلمانية وعلى الذوبان رغم سلسلة الصراعات الطويلة، ووقوفه كالطود الراسخ أمام التبعية الفكرية والثقافية للغرب.
وبعد: فهل يفهم المتنفذون فينا الدرس العراقي فعلًا؟! وهل نعي مخططات الاستعمار التي ظهرت كالشمس في رائعة النهار، ويكون التغيير بيدنا لا بيد عمرو؟! نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل