; بين أمننا وأمن إسرائيل!! | مجلة المجتمع

العنوان بين أمننا وأمن إسرائيل!!

الكاتب سعد البراك

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشاهدات 38

نشر في العدد 592

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

تعتبر قضية الأمن الداخلي من أهم الركائز التي يقوم عليها بناء المجتمع القوي المتماسك. ولقد لفت نظري في إحدى الندوات العامة التي أقیمت مؤخرًا انتشار الكثير من رجال مباحث أمن الدولة بين صفوف الحاضرين لدرجة أن البعض من جمهور الندوة لم يجرؤوا على الإدلاء بآرائهم ووجهات نظرهم حول العديد من القضايا المهمة وذلك بسبب وطأة الأوضاع التي خلفتها الاستعدادات المبالغ فيها من قبل أجهزة أمن الدولة وتحركات رجال الأمن بصورة توهم المشاهد أن أمرًا بالغ الخطورة قد حدث أو إنه وشيك الحدوث ولقد تألمت أشد الألم من هذه الظاهرة السلبية والتي لم نكن نتوقع أن نراها في يوم من الأيام في كويتنا الحبيب، ولكنها اليوم أصبحت واقعًا أليمًا ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وهذه الظاهرة لم تمر على مشاعري مرور الكرام، بل أحدثت في ذهني غليانًا فكريًا محوره التساؤل التالي: «أهكذا يكون بناء الجبهة الداخلية وتحقيق الأمن الداخلي؟!»

وفي اعتقادي أن للأمن الداخلي ركائز ثابتة من أهمها تحقيق العدل الاجتماعي وتأمين الحريات السياسية والفكرية واحترام الإرادة الشعبية، وبناء هذه الركائز هو عماد بناء الجبهة الداخلية القوية المتماسكة والتي تسود فيها علاقة الاحترام والثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم. أما محاولة حفظ الأمن الداخلي عن طريق سياسة العصا الغليظة، وبناء الأجهزة القمعية كالمخابرات السياسية وغيرها، فما هي إلا سياسة منحرفة لأنها تناقض شريعة الإسلام بل وتناقض كل القيم والمبادئ الإنسانية والتي تسعى إلى إكرام الإنسان بمنحه المزيد من الحريات كما إنها سياسة متخلفة لأنها لا تراعي التطور السياسي والاجتماعي للإنسان في عالم اليوم، بالإضافة إلى ذلك سياسة فاشلة بحكم التجربة الواقعية فهي لم تنقذ شاه إيران المقبور وهو الذي استنفذ معظم ثروات شعب إيران في بناء الأجهزة القمعية والإنفاق على سماسرة خنق الحريات وامتهان كرامة الإنسان. 

ومن المؤسف حقًا أن أرذل خلق الله- اليهود- قد أجادوا بناء جبهتهم الداخلية وأمنهم الداخلي في دولتهم اللقيطة وذلك بفعل العوامل الآتية:

أولًا: التوجيه العقائدي الذي يربط المواطن بشعبه وأرضه وقضاياه ويزرع في المواطن اليهودي أقوى صيغ الانتماء والولاء ألا وهي صيغة الانتماء والولاء العقائدي.

ثانيًا: بناء وحماية المؤسسات الديمقراطية التي تؤمن انبثاق قيادات سياسية مرتبطة بالأمة ارتباطًا كاملًا وترى فيها الأمة تجسد لأمالها وتطلعاتها.

ثالثًا: تأمين الحريات السياسية والفكرية والتي يشعر في ظلها المواطن بالكرامة والأمن كما يشعر بالفخر والاعتزاز بانتمائه للدولة التي تكرمه بتأمين أهم حاجاته- الحريات العامة- مما يؤدي إلى تفجير كل الطاقات الكامنة في المواطن ليعطي من ذاته عطاءً سخيًا في خدمة وطنه وينطلق إلى بناء وحماية مؤسسات الدولة وتنمو فيه روح والاستعدادات للتضحية في سبيل الذود عن أرضه وشعبه.

رابعًا: رفع الكفاءة والقدرات القتالية للمواطن اليهودي بالإضافة إلى الاستفادة من طاقاته وقدراته الأخرى في شتى مجالات البناء- وذلك عن طريق برامج التجنيد العلمية الفعالة والمراقبة والمتابعة الجدية في تنفيذ هذه البرامج ولذلك فلا غرابة أن تجد مزارعًا إسرائيليًا يعمل في حقله ويكون مستعدًا في خلال عشر دقائق فقط بكامل عدته العسكرية ليأخذ موقعه المناسب في الدفاع عن أرضه أو في الهجوم على أعدائه.

هذه هي أهم العوامل في بناء الجبهة الداخلية في دولة العدو الصهيوني.. أما جهاز المخابرات «الموساد» فإن أنشطته موجهة ضد أعداء إسرائيل لا ضد شعب إسرائيل.. ودوره هو محاربة الأعداء لا ملاحقة المخلصين من أبناء الشعب.

وإذا أردنا أن نستعرض واقعنا على الساحة الكويتية وإنجازاتنا في طريق بناء الجبهة الداخلية وتحصين الأمن الداخلي فسوف نجد في المقابل أنه:

أولًا: غياب التوجيه العقائدي على المستوى الرسمي، واستبداله ببعض الشعارات البراقة الفارغة المحتوى كشعار «الأسرة الواحدة»!! يضاف إلى ذلك إغراق مادي للمواطن عن طريق الزج به في متاهات المادة، وآخرها متاهة «المناخ» وهذا بالتالي سوف يؤدي إلى خلق نوع من الانتماء الهش في المواطن الكويتي وهو الانتماء المادي المصلحي الذي ينتفي بانتفاء المصالح.

ثانيًا: برامج للتجنيد الإلزامي غير مبنية على فلسفة واضحة ولا تستند على أرضية عقائدية وتفتقر إلى العلمية والعملية كما ينقصها الجدية في المتابعة والتنفيذ.

ثالثًا: ديمقراطية معوقة تضخم فيها صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب سلطة التشريع التي تمثل الإرادة الشعبية، وهذا بالطبع سيؤدي إلى مزيد من التناقض بين توجهات وتطلعات وأهداف السلطتين بدلًا من أن يكون هناك تكاملًا بينهما.

رابعًا: توجه نحو مزيد من الإجراءات البوليسية والتضييق على الحريات العامة وتحجيم الإدارة الشعبية عن طريق إصدار القوانين الجائرة كقانون التجمعات وقانون المطبوعات الجديد ومشروع «تكسيح» الدستور- لا تنقيح الدستور- وتأتي المعاهدة الأمنية المقترحة بين دول مجلس التعاون الخليجي لتدلل بوضوح على هذا الاتجاه القمعي اللا ديمقراطي وهو منزلق خطير تقدم عليه أنظمة الحكم الخليجية ونختم حديثنا هذا بالتحذير من أن هذه التوجهات القمعية ما هي إلا معاول لهدم الجبهة الداخلية والأمن الداخلي رغم الوهم السائد عند البعض أنها أعمدة لبناء الأمن الداخلي.

إن هذه التوجهات لن ينتج عنها سوى توسيع الهوة بين السلطة والشعب وفصل المجتمع إلى طبقتين متناقضتين في المصالح والأهداف.. طبقة متسلطة وطبقة محكومة مسلوبة الإرادة.

الرابط المختصر :