; بين ابن حزم وابن النغريلة اليهود في الأندلس | مجلة المجتمع

العنوان بين ابن حزم وابن النغريلة اليهود في الأندلس

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999

مشاهدات 69

نشر في العدد 1336

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 02-فبراير-1999

  • «ابن حزم.. حياة سياسية - حافلة.. وحياة علمية ناضجة.. ورأي خاص في المرأة يخالف جميع الفقهاء».

  • «تقلب في مناصرة الأمراء... ثم تفرغ للعلم فأنجز ٤٠٠ مؤلف في ٨٠ ألف صفحة».

  • «ابن النغريلة.. يهودي ماكر تمكن من السيطرة على الدولة حتى استطال اليهود على المسلمين.. وزعم أنه سينظم القرآن شعرًا!»

استطاع ابن النغريلة أن يسيطر على دولة ابن باديس بالخديعة والمكر... وبعدها استطال اليهود على المسلمين وجمعوا منهم الجباية، ثم تطاول اللعين على القرآن الكريم، وألف كتابًا زعم أنه جمع فيه تناقضات القرآن.

وقد رد عليه ابن حزم في رسالة انتشرت في الأمة وكانت سببًا في ثورة الناس فقتلوا ابن النغريلة وتخلصوا من سيطرة اليهود.

ختم ابن حزم رسالته بالدعاء على من مكن لليهود في ديار المسلمين، وجعلهم يتسلطون على رقابهم ويتواقحون على نبيهم وكتاب ربهم.

ترجمة ابن حزم: نبدأ بنبذة مختصرة موجزة عن الرجلين فأما ابن حزم، فهو الإمام الفرد العلم. أحد أئمة الإسلام، وزعيم المذهب الظاهري القرطبي الأندلسي الذي ملأت كتبه الدنيا علمًا واديًا وخصامًا ومحاجة. وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، ينتهي نسبه إلى مولى فارسي كان اعتقه يزيد بن أبي سفيان أحد قادة فتح الشام في زمن أبي بكر t ، ويقال إن جد ابن حزم في الاندلس كان نصرانياً فاسلم، وظلت علاقة أسرة ابن حزم بالبيت الأموي وطيدة جداً حتى أن والده وزر للحاجب المنصور محمد بن أبي عامر وابنه المظفر اللذين استبدا بالأمر في آخر العهد الأموي بالأندلس.

وقد ولد ابن حزم عام ٣٨٤ هـ -٩٩٤م في بيت متصل بالبلاط الملكي أقوى اتصال، وكان في - رفاهية وعز، وعرف من أسرار النساء والقصور ما ظهر بعد ذلك في كتابه طوق الحمامة، ومع ذلك فقد تثقف ثقافة عالية وتتلمذ على أكابر علماء  عصره، وحفظ القرآن الكريم ودرس الحديث النبوي دراسة وافية على مشايخ عصره.

وكان ولاء ابن حزم شديدًا للبيت الأموي في الأندلس، فقد ناصر هشام الثاني في الوصول إلى العرش عام 400هـ  وأدى ذلك إلى معاناة ابن حزم، وأبيه وفر من قرطبة عام ٤٠٤ هـ بعد أن هدم البربر قصر أسرته البديع، إلى ألمرية حيث أكرمه حاكمها، ولكنه ما أن سمع أن عبد الرحمن الرابع والملقب بالمرتضى تولى على بلنسية حتى ترك مضيفه والتحق بعبد الرحمن الأموي يناصره – واشترك معه في حرب غرناطة، ولما انهزم عبد الرحمن أسر ابن حزم وظل في الأسر فترة ثم أطلق سراحه، وللمرة الثالثة قام ابن حزم بدور كبير في مناصرة عبد الرحمن الخامس الذي استولى على قرطبة عام ١٤هـ ومسار ابن حزم وزيره المقرب، ولكن الأمر لم يطل بعبد الرحمن الخامس؛ حيث قتل بعد سبعة أسابيع فقط من استيلائه على سدة الحكم ووضع ابن حزم من جديد في القيد ثم أطلق سراحه بعد ذلك، فانتقل إلى شاطبة، وتفرع تفرغًا تامًا للعلم والتأليف.

وكما كانت حياته السياسية صاخبة كانت حياته العلمية كذلك شديدة الصخب وكانت الأندلس والمغرب الأقصى في عهده قد وقعا في أسر التقليد، وكان المذهب المالكي مسيطرًا سيطرة تامة على الدولة والعلماء، وكل من حاول أن يخرج على هذا المذهب ووجه بحرب شعواء فضاق ابن حزم بذلك واتخذ المذهب الشافعي فترة ثم انتقل عنه إلى المذهب الظاهري، ونعى على أهل زمنه التقليد أن سبقهم، وبعدهم عن الأخذ من الكتاب والسنة، وكان شديد الوطأة على من خالفه حتى قيل «إن قلم ابن حزم في مضاء سيف الحجاج»، وقال عنه ابن حيان «يصك معارضه صك الجندل»، ولكنه رغم حدته التي اعترف بها. وأنها كانت نتيجة مرض يعتريه، إلا أنه كان ينصف خصومه ولم يكن يختلق التهم على أي منهم.

وقد بلغت مصنفات ابن حزم الأربعمائة وعدد صفحاتها ثمانون ألفًا كما قال عنه ابنه أبو رافع، ويمكن إرجاع كتبه إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: متعلقة بالفقه وأصول الفقه وأهمها كتابه الموسوعي في الفقه المحلى وله رسالة «مسائل أصول الفقه»، و«إبطال القياس والرأي والاستحسان» و« النبذة الكافية في أصول الأحكام»، وغيرها.

المجموعة الثانية: في التاريخ ومنها «نقط العروس في تواريخ الخلفاء» و«أنساب العرب» و«فضل الأندلس».

المجموعة الثالثة: في مقارنة الأديان والملل والنحل وأهمها دون ريب كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، وكتاب «إظهار تبديل اليهود والنصارى التوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم منها مما لا يحتمل التأويل» و«رسالة في الرد على اليهودي لابن النغريلة» التي سنتحدث عنها بعد قليل.

وله كتاب «طوق الحمامة» وهو من أوائل تصنيفه، ويظهر فيه تأثير البلاط الذي عاش فيه ودور النساء في تربيته والحياة الاجتماعية، وفي هذا الكتاب الذي ولع به المستشرقون ولعًا شديدًا تظهر قدرات ابن حزم الأدبية وشعره الرقيق وتحدث باقتدار عن التأثيرات النفسية للعشق ويقول إن الحب الأكثر رفعة هو الذي تنعقد عر من خلال الله كما يقول إن الإخلاص بعد موت الحبيب أكثر نبلًا وجمالًا مما لو كان المحبوب على قيد الحياة، وثمة أمل في اللقاء.

ويذكر أن الأنبياء أنفسهم يميلون بشكل طبيعي نحو تذوق جمال الأشكال والصورة، ولكن ذلك يرتقي إلى عنان السماء في محبتهم لله.

ولابن حزم موقف خاص من المرأة يخالف في جمهور الفقهاء وبخاصة المالكية في زمنه، وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يفرق بين الناس رجالًا ونساء إلا بالعمل الصالح، قال تعالى: (وَمَن يَعمَل مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤمِن فَأُوْلَٰئِكَ يَدخُلُونَ ٱلجَنَّةَ وَلَا يُظلَمُونَ نَقِيرا) (النساء:124)

والفروق بين الذكر والأنثى هي في الوظائف المناطة بكل منهما، ويرى أن المرأة يمكن أن تتقلد الوظائف العامة، ويستدل على ذلك بفعل عمر t، عندما ولى الشفاء الحسبة والإشراف على الأسواق ومراقبتها، ويرى ابن حزم أن المرأة يمكن أن تكون نبية يوحى إليها، ويدلل على ذلك بالقرآن الكريم في قصة مريم عندما ظهر لها الملك مرارًا وأخبرها أنه مأمور بأن يهب لها غلامًا زكيًا، وناداها بعد أن وضعت غلامها، قال تعالى: (فَنَادَىٰهَا مِن تَحتِهَا أَلَّا تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّا) (مريم:24).. كما يدلل عليه بقصة أم موسى عندما أوحي الله إليها (وَأَوحَينَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَن أَرضِعِيهِ فَإِذَا خِفتِ عَلَيهِ فَأَلقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلمُرسَلِينَ) (القصص:7)

ابن النغريلة: أما ابن النغريلة فهو لقب أطلق على يهودي من إسبانيا في العهد الإسلامي، ثم أطلق علي ابنه ولعل اسم النغريلة تحريف لكلمة ناغيد العبرية التي وردت في أسفار العهد القديم. بمعنى القائم على المعبد، أو رئيس القصر، أو قائد فصيلة من الجيش، أو بمعنى المدير كما يقول ابن البسام.

ويقول الدكتور إحسان عباس في مقدمة تحقيقه لرسائل ابن حزم ومنها رسالة الرد على ابن النغريلة أن هذا اللقب أطلق على شموئيل «ومعناه سمع الله لي» «إسماعيل» بن يوسف المكنى بأبي إبراهيم، وابنه يوسف بن إسماعيل المكنى بأبي إسماعيل بقرطبة، واضطرته فتنة الحسين، وقد نشأ البرير عام ٣٩٩هـ أن يغادرها، كما فعل معاصره ابن حزم.

بزوغ نجم

وذهب إسماعيل «شموئيل»، إلى «مالقه»، وافتتح دكانا هناك، وكان قد درس التلمود بقرطبة على يد الرابي حلوك كما درس الأدب العربي وصناعة الكتابة، واستطاع بذكائه وقدرته على صناعة الكتابة أن يصبح كاتبًا لأبي العباس وزير الأمير حبوس حاكم مالقه فلما توفي أبو العباس أصبحت شؤون الديوان في يد إسماعيل، وتقرب إسماعيل إلى ولي العهد في هذه الإمارة وهو باريس بن حبوس حتى نال ثقته، وبخاصة بعد أن كشف مؤامرة دبرها بعض من في القصر لإزاحة باديس عن الإمارة. والغريب حقًا أن هذا اليهودي المكار المخادع كان ضمن أفراد المؤامرة، فلما عرف تفاصيلها كشفها كلها للأمير باديس لينال ثقته وضحى بزملائه وأشلائهم ليصل إلى الوزارة والنفوذ.

وكان باديس يطمئن إليه وإلى ذكائه وعقله. وإخلاصه له، وكان من أسباب الطمأنينة إليه أنه يهودي ذمي لا تشره نفسه إلى الولاية وكانت «الأندلس تموج بالمؤامرات في عهد ملوك الطوائف وكلما قوي وزير دبر المكائد ليتولى هو الحكم بدلًا من أميره».

وكانت قدرة إسماعيل على جباية الأموال من اليهود وغيرهم لا تبارى كما كان شديد المكر والختل والدهاء حتى قال فيه ابن حيان في كتابه الإحاطة «وكان هذا اللعين في ذاته على ما روى الله عنه من هدايته، من أكمل الرجال علمًا وحلمًا وفهمًا وذكاء ودماثة وركانة، وبهاء ومكرًا، وملكة لنفسه وبسطًا من خلقه ومعرفة بزمانه ومداراة لعدوه».

وقد تمكن إسماعيل بهذا المكر والدهاء أن يسيطر على الدولة، وبالخبث والدهاء جعل مناصب الدولة المهمة في يد اليهود حتى اكتسبوا الجاه واستطالوا على المسلمين كما يقول ابن حيان في الإحاطة.

وقد حرص إسماعيل على أن يثقف ابنه يوسف ثقافة واسعة، وأن يتقن صناعة الكتابة، ثم ألحقه بخدمة بلكين بن باديس، فلما مات إسماعيل استطاع يوسف أن يتقرب إلى الأمير باديس عن طريق رشوة الوزيرين على وعبد الله ابني القروي اللذين نصحا الأمير باديس بأن يعتمد عليه ويجعله كاتبه ومستشاره، واستطاع هذا اليهودي المخادع أن يكسب ثقة الأمير باديس كما فعل أبوه من قبل، وجمع له الأموال بل استطاع أن ينتزع ما كان بيد . لبني القروي من أملاك ويعطيها للأمير، وهكذا كان لـ جزاء هذين الوزيرين فقدان أموالهما وسلطانهما بسبب دعمهما لهذا اليهودي، وهذا أمر يتكرر في التاريخ كثيرًا، فكل من قدم مساعدة ليهودي، فإن اليهودي سرعان ما يقلب ظهر المجن، ويخدعه ويرديه إذا ما كان في ذلك مصلحة له.

واستطاع رجال الحاشية أن يصلوا إلى الأميربلكين بن باديس، وأن يغروه بقتل يوسف بن النغريلة، ولكن بلكين كان سكيرًا، فأفشي سره واستطاع اليهودي الداهية أن يدعو بلكين لمجلس  شراب، وهناك سقاه السم وتخلص منه، ثم سيطر على الدولة سيطرة تامة بعد أن تخلص من بلكين والوزيرين ابن القروي واستخدم نفوذه لدى باديس الذي انغمس في الشراب بعد أن كبرت. سنه  لتوطيد سلطانه، كما استخدم النساء في القصر، وتوصل إليهن بالهدايا، وشتت أعداءه بمؤامراته، وازداد نفوذ اليهود في عهده زيادة كبيرة، حتى أنهم جمعوا الجبايات باسم الدولة من المسلمين وأظهروا استطالتهم وتجبرهم على المسلمين الذين أحسنوا إليهم، وليس هذا بغريب على اليهود.

ورأى يوسف بن النغريلة أنه لكي يصفو له الجو، فإن عليه أن يقصي أكابر قبيلة صنهاجة التي يعتمد عليها الأمير باديس، ويبعدهم عن غرناطة، ولكن مؤامرته انكشفت وهبت قبيلة صنهاجة لتدافع عن كيانها وسلطانها.

ولم يكتف يوسف بهذا كله، بل زادت وقاحته لدرجة أنه بدأ في التطاول على الدين الإسلامي نفسه وزعم لأصحابه من اليهود والنصارى والمنافقين أنه سينظم القرآن شعرًا وموشحات ووصلت به الوقحة أن وضع كتابًا زعم أنه يجمع تناقضات القرآن، فازدادت بذلك نقمة الأمة على هذا اليهودي الفاجر الذي لم يرع الذمة التي أعطيت له، وأنه وأضرابه اليهود ما كانوا ليصلوا إلى هذه المكانة لولا تسامح المسلمين إلى درجة الغباء.. وهو أمر يتكرر في التاريخ الإسلامي منذ العهد الأموي الأول، حيث تولى منصب طبيب الخليفة ووزير الصحة ووزير المالية يهودي أو نصراني، واستمر الأمر على ذلك المنوال في العهدين العباسي والأيوبي، وانتهاء بالدولة العثمانية، حتى أن صلاح الدين كان له اثنا عشر طبيبًا من أهل الذمة، وتولى بعضهم الوزارة وهي تعادل الوزارة الكبرى، وذلك في كل من مصر والشام والعراق والأندلس.

سماجة أم سماحة

إن ما حدث بعد سماجة وليست سماحة، وقد تنبه عمر بن الخطاب t إلى هذه المسالة، ورفض أن يعين غلامًا نصرانيًا كاتبًا حاسبًا ليتولى الديوان في العراق، عندما طلب منه أبو موسى الأشعري t - ذلك، ولما کرر عليه الطلب قال عمر: مات الغلام أي هب أن الغلام مات فابحث لك عن غيره.

ولم نر أي دولة نصرانية إلى اليوم تسمح لأي مسلم فيها أن يصل إلى منصب الوزارة، وهاهم المسلمون اليوم بالملايين في أوروبا وأمريكا، ولم تسمع عن أحد منهم تولى منصبًا مهمًا في الدولة لديهم، بل على العكس تصك أسماعنا أنباء المذابح في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا، بل وترى التعصب المقيت حيث تطرد فتيات من مدارسهن لمجرد لبسهن منديلًا يغطي رؤوسهن، وكم من مسلمة طردت من عملها في أوروبا والولايات المتحدة لمجرد لبسها الحجاب.

وقد أخرج يوسف بن إسماعيل بن النغريلة اليهودي كتابه في الفترة التي بلغ فيها ذروة سطوته وقوته وهي ما بين عامي 456هـ - 459هـ، وأدى ذلك إلى نقمة العلماء والأمة على هؤلاء اليهود المجرمين المتطاولين على الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم-  وكتابه القرآن المجيد، ومن ذلك قصيدة للشيخ أبي إسحاق الألبيري التي يحرض فيها صنهاجة على التخلص من اليهود والوزير اليهودي الوقح ويقول فيها:

وإني احتللت بغرناطة *** فكنت أراهم بها عابثين

وقد قسموها وأعمالها *** فمنهم بكل مكان لعين

وهم يقبضون جباياتها *** وهم يخصمون وهم يقسمون

وهم يلبسون رفيع الكسا *** وأنتم لأوضاعها لابسون

وهم أمناكم على سركم *** وكيف يكون أمينًا خنون

ثم قام أحد العلماء بالرد على هذه الرسالة الوقحة التي وضعها ابن النغريلة، واطلع ابن حزم على الرد فلم يرقه فوضع رسالته للرد على ابن النغريلة وانتشرت رسالة ابن حزم انتشارًا واسعًا وكانت أحد الأسباب التي هيجت الأمة على هؤلاء اليهود حتى ثار الشعب وقتل ابن النغريلة، وقتل يومذاك أربعة ألاف يهودي.

رسالة ابن حزم

بدأ ابن حزم رسالته ينقد أولي الأمر من المسلمين الذين وسدوا أمور الدولة إلى أعدائها من اليهود والنصارى ومكنوا لهم من رقاب الناس فقال: «اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، ويجمع أموال ربما كانت إلى انقراض أعمارهم، وعونًا لأعدائهم عليهم. عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في أجلتهم، حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة، وانطلقت السنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتموا بذلك ضعف همنا، لأنهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء والحمية للملة الغراء ثم هم بعد مترددون بما يؤول إليه إهمال هذه الحال من فساد سياستهم، والقدح في رياستهم». 

وقد استخدم ابن حزم التحذير والإنذار والآيات القرآنية والأحاديث النبوية لكي لا يركنوا إلى الذين ظلموا.

ويقول ابن حزم في رسالته العجيبة التي كأنها تصف أوضاع المسلمين اليوم منبها ومحذرًا من يهود ومكر يهود «ولا سيما إن كان العدو من عصابة لا تحسن إلا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المفتر إلى الضعف البادي، وتحت ذلك الختل والختر والكيد والمكر كاليهود الذين لا يحسنون شيئاً من الحيل» يقصد أعمال «الهندسة وغيرها من الأعمال»، ولا أتاهم الله شيئًا من أسباب القوة، وإنما شأنهم الغش والتخابث والسرقة على التطاول والخضوع مع شدة العداوة لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ثم يقول: وبعد «فإن بعض من تقلى قلبه العداوة للإسلام وأهله وذوبت كبده ببغض الرسول -صلى الله عليه وسلم- من متدهرة الزنادقة المسترين بأقل الملل وأرذل النحل من اليهود التي استمرت لعنة الله على الموسومين بها، واستقر غضبه عز وجل على المنتمين إليها. أطلق الأشر لسانه، وأرخى البطر عنانه واستشمخت لكثرة الأموال لديه نفسه المهينة وأطغي توافر الذهب والفضة عنده همته الحقيرة، فألف كتابًا قصد فيه، بزعمه إلى إبانة تناقض كلام الله U في القرآن اغترارًا بالله تعالى، أولًا، ثم بملك ضعفة ثانيًا، واستخفافًا بأهل الدين بدءًا. ثم بأهل الرئاسة في مجانه عودًا، فلما اتصل بي أمر هذا اللعين لم أزل باحثًا عن ذلك الكتاب الخسيس لأقوم فيه بما أقدرني الله U من نصر دينه بلساني وفهمي، والذب عن ملته ببياني وعلمي».

وعلى الرغم من أن ابن حزم لم يحصل على نص رسالة ابن النغريلة، وإنما وجد ردًا عليها لم يشف غليله، فقام هو بما أتاه الله من سعة العلم ومن دراسته التوراة المحرفة فرد عليه أفحم الرد وأقواه، ولم يترك له قولًا إلا نقضه ولا رأيًا إلا وأوضح خطله وبين جهل ابن النغريلة بأساليب العرب ولغتهم، ثم أوضح له ما في التوراة المحرفة من أباطيل وتناقضات.

وبعد أن صال وجال أنهى ابن حزم رسالته بالدعاء على من مكن لهؤلاء اليهود في ديار المسلمين وجعلهم يتسلطون على رقابهم ويتواقحون على نبيهم وكتاب ربهم فقال «إن أملي القوي، وإنرجاني مستحكم في أن يكون الله تعالى يسلط على من قرب اليهود وأدناهم، وجعهم بطانة وخاصة، ما سلط على اليهود وهو يسمع كلام الله تعالى:

( يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱليَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ أَولِيَاءَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُۥ مِنهُم إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ) (المائدة:51)

وللأسف فإن ما ذكره ابن حزم قد تحقق في زمنه، وبعد زمنه ولا يزال ماثلاً أمام أعيننا إلى اليوم ونحن لم نتعظ ولم نعتبر بما كان وبما هو كائن.

وقد تميز ابن حزم، ثم الغزالي: ثم ابن تيمية وابن القيم في نقدهم للتوراة والإنجيل بدراستهم العميقة لهذه الكتب المحرفة، وقد درس ابن حزم كتبهم وبخاصة الأسفار الخمسة وحرص على اقتناء نسخ منها فوجدها متناقضة ومختلفة، وما ذكره عنه يوضح مدى التغيير الذي أصابها منذ عهده إلى يومنا هذا، ثم قام ابن تيمية - رحمه الله - بدراسة هذه الكتب دراسة واسعة وبخاصة في كتابه الموسوعي «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» وهو في أربعة أجزاء، وقد ذكر في الجزء الأول (ص59) أن بعض علماء الحنابلة الذين درسوا هذه الكتب نفوا عنها أي قيمة دينية، وأنها محرفة من أولها لآخرها، بل بالغ بعضهم لدرجة جواز الاستنجاء بها، ولا شك في أن هذه الكتب قد حرفت تحريفًا شديدًا، وأضيف إليها من الغثاء والسخف والكفر ما لا مزيد عليه، حيث صوروا الأنبياء عليهم السلام بأنهم زناة ولصوص وديوثون، فإبراهيم عليه السلام بزعمهم الكاذب يعرض زوجته سارة على ملك مصر حتى يأخذ من الأموال، وكذلك فعل إسحاق حسب زعمهم، ولوط يزني حسب زعمهم بابنتيه بعد أن شرب الخمر ونوح يتعرى بعد أن شرب الخمر، والله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا – يحب اللحم المشوي جدًا حتى أنه مستعد أن يعطي نصف مملكته لمن يقدم له اللحم المشوي اللذيذ.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن هناك آيات من التوراة الحقة والإنجيل الحق تلمع مثل الجواهر والألماس الملقاة في مزيلة من الركام والقاذورات ووصل ابن القيم في كتابه «هداية الحياري في أجوبة اليهود والنصارى» إلى هذه النتيجة التي وصل إليها من قبل ابن حزم والغزالي وابن تيمية.

والخلاصة أن دراسة هذه الأسفار وكتب التلمود مهمة لمعرفة ما هم عليه من باطل ولاستنقاذهم من هذا الزيغ والضلال ودعوتهم إلى أنوار القرآن والسنة، لمعرفة سياسة إسرائيل التي يتحكم فيها إلى حد كبير الأحبار، وبالتالي التوراة المحرفة والمشنا والجمارة «التلمود».

وفي سلفنا من أمثال ابن حزم والغزالي وابر تيمية وابن القيم الذين تصدوا لترهات اليهود والنصارى ودراسة كتبهم قدوة، وأتمنى أن تدخل دراسة مقارنة الأديان إلى جامعاتنا بصورة أعمق مما هي عليه الآن، إذ يحتاج إلى ذلك العلماء والدعاة بل والساسة.

الرابط المختصر :