; مصر: بين الحرب على الإخوان وتوطين المشروع الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان مصر: بين الحرب على الإخوان وتوطين المشروع الصهيوني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 120

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 30

السبت 04-يوليو-2009

  • تؤكد وقائع التاريخ أن جزءًا كبيرًا مما لحق بالإخوان كان ردًّا على جهودهم لحشد الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني.
  • قضية التنظيم الدولي جاء توقيتها متزامنًا مع دعوة المرشد العام إلى جعل ذكرى النكبة يوم غضب عالميًّا لنصرة القدس.

د. محمد البلتاجي (*)

لعل البعض يستغرب حين نتحدث عن علاقة اعتقالات الإخوان المسلمين بخدمة مصالح المشروع الصهيوني وتوطينه وتجهيز الساحة العربية لتقبله، ولعل البعض يعتبرها منا مزايدة أو نوعًا من العيش في إطار نظرية المؤامرة، ولكني أطالب هؤلاء وأولئك بإعادة قراءة التاريخ وسنرى بوضوح هذه العلاقة.. ليس فقط انطلاقا من بديهية تعارض مشروع الإخوان المسلمين الذي يضع في برنامجه مهمة الدفاع عن قضايا الأمة وفي القلب منها (فلسطين وتحريرها) مع استقرار المشروع الصهيوني، وليس فقط انطلاقًا مما جاء في محاضرة إستراتيجيات الأمن القومي الصهيوني، التي ألقاها «آفي ديختر» في معهد الأمن القومي الصهيوني في نوفمبر 2008م، الذي تعرض فيها للتخوفات من تقدم مشروع الإخوان المسلمين.

وليس فقط انطلاقًا مما شهدناه على الشاشات أثناء الحرب على غزة - يناير 2009م - حين وقفت «تسيبي ليفني» في مؤتمرها الصحفي بباريس تحرض وتطالب بضرورة التصدي لخطر الإخوان المسلمين. ولكني سأستنطق سجل التاريخ لنرى بجلاء هذه العلاقة.

أولا: هل يمكن تصور الفصل بين قرار الحاكم العسكري في 8 ديسمبر 1948م بحل جمعية الإخوان المسلمين وجميع شعبها وحظر نشاطها، وبين أدوار الإخوان المسلمين في أرض فلسطين طوال الـ 1947 و1948م والتي منها:

1- مؤتمر الإخوان المسلمين في «حيفا» أكتوبر 1947م الذي أعلن فيه أن هيئة الإخوان المسلمين ستتحمل نصيبها كاملا في تكاليف النضال لتحرير فلسطين.

2- سفر كتيبة المجاهدين بقيادة الشيخ محمد فرغلي والصاغ محمود لبيب إلى فلسطين في نوفمبر 1947م، ولما حدث التضييق الشديد من جانب الحكومة المصرية.. استأذن الإخوان لعمل رحلة علمية في سيناء، ومن هناك تسلل البعض إلى فلسطين وتجمعوا في معسكر «النصيرات».

3- ضغوط الإخوان الشعبية على الحكومة المصرية مما اضطرها للسماح بالتدريب للمتطوعين في معسكر «الهايكستب» تحت راية الجامعة العربية.

4- أدوار الحشد والتعبئة للجهاد التي قام بها (عبد الرحمن الساعاتي، وكامل الشريف وسعيد رمضان، ومصطفى السباعي، وزهير الشاويش)، وأدوار الجهاد والقتال المرير للصهاينة التي قام بها الضباط الشرفاء (محمود لبيب، وعبد المنعم عبد الرؤوف، وأحمد عبد العزيز)، وأدوار الدعم والإسناد للمجاهدين التي قام بها (الشيخ محمد فرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب).

5- صفحات جهاد وبطولات الإخوان المسلمين في فلسطين في التبة 86، تبة اليمن التي عرفت بتبة الإخوان المسلمين، معارك الشرف والبطولة في «كفار ديروم»، القدس، بيت لحم، الخليل، صور، وحصار الفالوجة.

تلك البطولات التي جعلت قائد القيادة العليا للقوات البريطانية في الشرق الأوسط يتحرك في جهود حثيثة للضغط على الحكومة المصرية التي انتهت ببرقية يطمئن فيها السفارة البريطانية «لقد أخطرت القيادة رسميًّا بشأن خطوات دبلوماسية ستتخذ الإقناع السلطات المصرية بحل الإخوان المسلمين في أقرب وقت ممكن»، وقد كان أن جاء قرار الحل ثم إذا بكتائب المجاهدين تجبر على العودة، ثم تستقبل في سجون الطور ثم في معتقلات الهايكستب!!

ثانيًا: جريمة العصر: هل يتصور انتزاع سياق جريمة اغتيال الأستاذ البنا يوم 12 فبراير 1949م، تلك الجريمة التي أثبت التاريخ اشتراك الملك فاروق من خلال الأميرالاي محمد وصفي، ومعه رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، ووكيل الداخلية للأمن العام عبد الرحمن بك عمار، ومدير المباحث الجنائية محمود بك عبد الحميد في أدوارها بالتكليف والإشراف والتنفيذ لها في وضح النهار في شارع رمسيس عن سياق صفحات جهاد الإخوان - التي أشرت إليها - أو عن سياق رسالة الأستاذ البنا إلى مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في لبنان في أكتوبر 1947م: «إني على استعداد لأن أبعث دفعة أولى عشرة آلاف مجاهد من الإخوان المسلمين إلى فلسطين؟ أو عن سياق سفر الأستاذ البنا في مارس 1948م إلى ميناء بورسعيد ليودع كتيبة المجاهدين، ثم سفره إلى دمشق لشحن هممهم وهم في الطريق إلى فلسطين!!

وأهم من هذا، هل يتصور الفصل بين اغتيال الإمام البنا - من خلال هذا التدبير الأثيم - في 12 فبراير 1949م وبين توقيع مصر لاتفاق الهدنة مع الكيان الصهيوني في 24 فبراير 1949م؟ والذي تلاه مباشرة توقيع اتفاقيات الهدنة بين الكيان الصهيوني وباقي الدول العربية (لبنان في 23 مارس، وتبعتها الأردن في 3 أبريل ثم سورية في 20 يوليو 1949م)!!

ثالثًا: هل يمكن فصل إعدام الشهداء محمد فرغلي، يوسف طلعت إبراهيم الطيب على أعواد المشانق في عام 1954م عن سياق أدوارهم في الجهاد ضد الصهاينة ودعم القتال على أرض فلسطين وإسناده؟

رابعًا: هل هناك سبب للتحول الساداتي في سيناريوهات التعامل مع الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين خاصة، من سياسة الانفتاح عليهم وإتاحة فرص العمل العام والنشاط الدعوي لهم إلى سياسة المواجهة والتضييق التي انتهت باعتقالات سبتمبر 1984م (1500) من قيادات المعارضة والإخوان المسلمين؟ وهل كان لهذا التحول من سبب إلا قيادة الموقف الشعبي الرافض للسير المصري في مسيرة التسوية المنفردة (زيارة القدس كامب ديفيد) المعاهدة المصرية - الإسرائيلية وللتطبيع مع الصهاينة؟

خامسًا: هل يمكن الفصل بين قضية المهندس خيرت الشاطر وإخوانه - في ديسمبر 2006م - الذين قضت المحكمة العسكرية عليهم بالحبس لمدد بين ثلاث وعشر سنوات، وبين حالة التعبئة التي انتابت الشارع المصري دعمًا لمقاومة حزب الله في مواجهة العدوان الصهيوني على جنوب لبنان في 12 يوليو 2006م، حين وقفت الأنظمة العربية تعطي التبريرات للحرب البربرية الصهيونية من خلال الحديث عن المغامرات غير المحسوبة (عملية الوعد الصادق)، واستطاع الإخوان حشد الرأي العام (مؤتمرات، مظاهرات، مسيرات)، بل ومسيرة برلمانية لقوى المعارضة إلى قصر عابدين ترفض الموقف الرسمي المصري؟!

ألم تكن القضية العسكرية للشاطر وإخوانه بالأساس ردًّا على هذه الجهود الإخوانية ضد الكيان الصهيوني ومن يتعاون معه ويعطي له الغطاء؟ (خاصة أنها جاءت في أعقاب النجاح الكبير للإخوان المسلمين في انتخابات 2005م، ثم الفوز الكبير لحركة المقاومة الإسلامية حماس في انتخابات يناير 2006م؛ مما ضاعف من رصيد ثقافة المقاومة في المنطقة).

سادسا: اعتقالات رفض حصار غزة والعدوان عليها: 

هذا المعلم الرئيس لاعتقالات الإخوان المسلمين طوال 2008، 2009م التي طالت قرابة 3000 من الإخوان في أفواج وأمواج متتالية، ابتداء من يناير 2008م حين تحركت تظاهرات الإخوان ضد الحصار الظالم لأهل غزة، ومرورًا بقضية عرفت بخلية دعم غزة (د. عبد الحي الفرماوي، د. محمد عماد، د. محمد وهدان)، وثانية عرفت بقضية إغاثة غزة د. جمال عبد السلام، وثالثة ورابعة ضد ناشطي حملات فك الحصار عن غزة - الأولى والثانية - ثم جاء العدوان الصهيوني - والذي أراد تحطيم إرادة وصمود أهل غزة بعد فشل الحصار في تحقيق ذلك فخرجت تظاهرات دعم المقاومة يقودها الإخوان في كل محافظات مصر، جرت على أثرها سلاسل جديدة من الاعتقالات طالت المئات وراء المئات من الإخوان.

ولما انتهى العدوان المباشر على غزة وهدأت ثورة الجماهير، جاءت مرحلة تصفية الحسابات مع الذين كانوا وراء هذا الحراك الداخلي، فتمت اعتقالات طالت قيادات ومسؤولي الإخوان في مختلف محافظات مصر (د. مصطفى الغنيمي وإخوانه) الذين لا يزال العشرات منهم وراء القضبان حتى الآن (م. خالد البلتاجي وإخوانه).

سابعا: قضية الإخوان الأخيرة التي عرفت بقضية التنظيم الدولي: 

جاءت هذه القضية امتدادًا وتوسيعًا المرحلة تصفية حسابات الحراك الشعبي لنصرة غزة، ليصل للساحة الدولية لمعاقبة هؤلاء الأشخاص والمؤسسات «العاملين في الساحة الدولية لنصرة فلسطين»، وللضغط عليهم ولتعويق جهودهم مستقبلاً كي لا يتكرر الحراك الإنساني العالمي ضد الصهاينة والأنظمة المتعاونة معهم.

وهذه الرسالة التي بقدر ما تمثل من تصفية حسابات المرحلة السابقة فهي تهيئ الساحة الدولية والمناخ العام للدخول في مرحلة التسوية الجماعية المرتقبة مع الكيان الصهيوني بلا مقابل، ومن ثم جاءت قضية التنظيم الدولي وزج فيها بأسماء لشخصيات ولمؤسسات عجبنا أن تكون محلا لتحريات المباحث المصرية ولتحقيقات النيابة المصرية.

ومن حيث توقيت هذه القضية التي أقول إنها رد فعل على الحراك في الساحة الدولية لنصرة فلسطين ومواجهة العدوان الصهيوني على غزة - فقد تم اعتقال أصحابها يوم الخميس 14/5/2009م.. فهل يمكن فصلها عن سياق مؤتمر نصرة القدس الذي دعا فيه الأستاذ المرشد مهدي عاكف إلى اعتبار الجمعة 15/5/2009م - ذكرى النكبة - يوم الغضب العالمي لنصرة القدس فجاءت هذه الاعتقالات حتى لا تتحول نصرة القدس إلى تظاهرة إنسانية عالمية كتلك التي حدثت لنصرة غزة.

ثم جاءت حملة اعتقالات يوم 28 من يونيو الماضي التي تم القبض فيها على د. عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب وعدد من قيادات الجماعة في الإطار الذي نتحدث عنه!

هذا سجل التاريخ ينطق كيف كانت ولا تزال العلاقة وثيقة بين اعتقالات الإخوان المسلمين وتهيئة الأجواء لتقدم واستقرار المشروع الصهيوني وتوطينه وربط مستقبل المنطقة به، وتؤكد وقائع التاريخ أن جزءًا كبيرًا مما لحق بالإخوان المسلمين كان ردًّا على جهودهم لحشد الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني، وهي ضريبة أظنها ستستمر - ما بقي الإخوان وما بقي الاحتلال - لحين النجاح في قيام مشروع حضاري إسلامي يقود الأمة لنهضة حقيقية يعقبها زوال الاحتلال، وإن كنت أرى أن من عوامل هذه النهضة أن تعي الأنظمة!! أن الكيان الصهيوني هو العدو، وأن مشروع الإخوان المسلمين هو أحد مقومات وعناصر قوة الأمة في مواجهة التهديدات الصهيونية للمنطقة.

الرابط المختصر :