العنوان بين الخلافة والملك
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 96
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
قال النبي «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» (رواها أهل السنن) وهكذا انتقلت الخلافة إلى الملك بتنازل الحسن ابن علي - رضي الله عنهما - وإصلاحه بين فئتين من المؤمنين اقتتلوا وسمى عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية - رضي الله عنه ... وهو أول الملوك الذي وصف ملكه بملك رحمة، ثم أعقبه "ملك وجبرية"، ثم انتهى إلى ملك عضوض، وقد نبه النبي r عن الاختلاف الذي سيقع بعده و«أنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»([1])، وإن الأمور في الأمة مصيرها إلى الاختلاف إنما هو بسبب نقص الراعي والرعية، فإنه كما تكونوا يولى عليكم، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعضا بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ ﴾ (الأنعام: 144) وقد استاء النبي كله للملك بعد خلافة النبوة لما يتضمنه ذلك من ترك بعض الواجب في دين الله تعالى من القيام بمصالح الإمارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود وأمن السبل وجهاد العدو، وقسمة المال كما. هو واقع في الكثير من الملوك من الاستئثار ببعض المال والرئاسة على الناس، والمحاباة في القسم، والتهور في الجهاد أو قمع المخالفين. وبسببه واقعت الفتن بين الأمة. وطبعا لا غنى للأمة عن الولاية فإن تعذرت الخلافة، وتحول الحال إلى ملك، فهل هو جائز في شريعتنا ولكن خلافة النبوة مستحبة وأفضل منه؟ أم أن خلافة النبوة واجبة وإنما جاز تركها إلى الملك لوجود العذر - أي تعذر حصولها - كسائر الواجبات؟وقد تكلم العلماء عن هذه المسألة بالتفصيل تعرض ذلك ملخصاً: إن الملك جائز في شرع من قبلنا، فقد أخبر الله تعالى عن ثلاثة من الأنبياء أتاهم الله الملك، قال تعالى عن داوود - عليه السلام: ﴿ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۡالمُلكَ وَٱلحِكمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآء ﴾ (البقرة: 251) وقال عن سليمان - عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغفِر لِي وَهَب لِي مُلكا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٖ مِّن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ ٱلوَهَّابُ﴾ (ص: 35) ، وقال عن يوسف عليه السلام: ﴿ رَبِّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ ٱلمُلكِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ (يوسف: 101)، فمن الملوك صالحون ومنهم دون ذلك، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ ٱللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكا قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلملكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِٱلمُلكِ مِنهُ ﴾ (البقرة: 247)
وقال: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَومِهِۦ يَٰقَومِ ٱذكُرُواْ نِعمَةَ ٱللَّهِ عليكُم إذ جَعَلَ فِيكُم أنبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَم يُؤتِ أَحَدا مِّنَ ٱلعَٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20)،
وقال عن جنس من الملوك: ﴿ قَالَت إِنَّ ٱلمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قريَةً أَفسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهلِهَآ أَذِلَّة وَكَذَٰلِكَ يَفعَلُونَ ﴾ (النمل: 34) وقال - جل وعلا -: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِك يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبا﴾ (الكهف: 79) والنصوص الموجبة لنصب الأئمة كثيرة جدًّا والواجب منها خلافة النبوة وهي التي أمرنا أن نتمسك بها ونعض عليها بالنواجذ، وحذرنا من المحدثات المخالفة لها، وأمرنا بالاقتداء باللذين بعد الرسول أبو بكر وعمر، ولكن للخلاف الذي وقع في الأمة كان لابد من العدول عن ذلك الفاضل إلى المفضول ضرورة لأن الخلافة واجبة وإنما جاز الخروج عنها وقبول الملك بما ييسر فعل المقصود من الولاية ولا يعسره، إذ لابد للأمة من ولاية فهناك انقسم الناس إلى طرفي نقيض:أحدهما: من يوجب الخلافة في كل حال وزمان وعلى كل أحد ويذم من خرج عن ذلك مطلقا أو لحاجة كما هو حال أهل البدع كالخوارج والمعتزلة وطوائف من المتسننة والمتزهدة.وثانيهما: من يبيح الملك مطلقا، من غير تقيد بسنة الخلفاء كما هو فعل الظلمة والإباحية وأفراد المرجئة، وتحقيق الأمر، أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما يكون:
1- لعجز العباد عن خلافة النبوة.
۲- لاجتهاد سائغ.
3- أو كان مع القدرة على ذلك علما وعملا.
فإن كان مع العجز علما وعملاً فذو الملك معذور في ذلك لأن سائر الواجبات تسقط بذلك كما كان عمر بن عبد العزيز والنجاشي حين أسلم، وحال النبي يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه.وإن كان مع القدرة علماً وعملاً، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة، وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في شرع من قبلنا، فهذا التقدير إذا فرض انه حق - باعتباره اجتهادا سائغا لدى بعض الفقهاء. فلا إثم على الملك العادل أيضا.
وهذا القول اختاره أبو يعلى وهو أن الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وأن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل بشرط أن يكون الملك عادلاً.أما إذا كانت خلافة النبوة واجبة وهي مقدورة وقد تركت فترك الواجب سبب للذم والعقاب، ثم هل تركها كبيرة أو صغيرة لكن يقال هنا: إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ويترك السيئات المنهي عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله من محظور فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته فكل واحد توزن أعماله ويترجح ما غلب منها.ثم لنا أن نتساءل إذا تعسر فعل الواجب في الولاية إلا بنوع من الملك، فهل يكون الملك مباحاً، كما يباح عند التعذر؟
ذكرنا فيه القولين فإن أقيم التعسر مقام التعذر لم يكن ذلك إثما، وإن لم يقم كان إثما وأما ما لا تعذر فيه ولا تعسر، فإن الخروج فيه عن سنة الخلفاء اتباع للهوى.والخلاصة أن واقعنا المعاصر امتداد للملك الجبري وهو أمر واقع لا محالة ولابد من التعامل معه مع تعذر أو تعسر البديل والواجب في هذه الحال: طاعة الأمراء والملوك المسلمين في غير معصية الله، ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم، وإن جاروا، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم.
وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله من باب التعاون على الإثم والعدوان.وما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم ولغيرهم على الوجه المشروع وما يدخل في ذلك. من تبليغ رسالات الله إليهم؛ بحيث لا يترك ذلك جبنًا ولا بخلا ولا خشية لهم ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله ولا يفعل ذلك أيضا للرئاسة عليهم ولا على العامة ولا للحسد ولا للكبر ولا للرياء لهم ولا للعامة، ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه بحيث يخرج عليهم بالسلاح وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة كما دلت عليه النصوص النبوية.
([1]) ملخصاً من الفتاوى لابن تيمية 35/ ١٨ - ٣٠ بتصرف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل