; بين الرفاه «الحزب».. والرفاه «الحكومة» | مجلة المجتمع

العنوان بين الرفاه «الحزب».. والرفاه «الحكومة»

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 55

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 16-يوليو-1996

كما قدمنا وتوقعنا في أعداد ماضية عندما تكلمنا في سلسلة مقالات متتالية عن «الرفاه القادم» في أن الرفاه سيقود السياسة التركية، فها هو الرفاه قادم إلا أنني لست متفائلًا كثيرًا باستمرار الائتلاف الحكومي بين حزبي الرفاه والطريق القويم لأسباب منها: 

أولًا: اختلاف النسيج الفكري والسياسي لكلا الحزبين، وأن نقاط الخلاف أكبر من نقاط الاتفاق، وأن هذا الاتفاق شبيه بالزواج بالإكراه، بين الطرفين. 

ثانيًا: الحالة العلمانية العامة من أحزاب سياسية، أو نظم علمانية حساسة في التعامل مع الحال الإسلامية، وهو تأنف أن تقاد من حزب سياسي إسلامي، ولهذا فإن الاضطراب والقلق يسود هذه الأوساط وبشكل متفاعل هذه الأيام قد يتمخض عن توحد تلقائي ضد الائتلاف الحالي بهدف إسقاطه في مراحله الأولى قبل أن ينمو ويكبر.

ثالثًا: أن عمر التحالفات الائتلافية في الحكومات التركية منذ التعددية الحزبية منذ عام ١٩٤٦م وإلى اليوم تدل على الفشل، إذ تشكلت ثلاث وخمسون حكومة غالبيتها ائتلافية ولا تدوم عمر هذه الحكومات إلا أشهر معدودة، والحكومة الحالية «الرابعة والخمسون» في اعتقادي لن تدوم طويلًا، خصوصًا وأن حزب الرفاه في منتصف السبعينيات شارك في (۳) حكومات ( 74 – 75 – 1977م ) كلها لم تدم أكثر من تسعة أشهر، وكثيرًا ما يكون هدف إسقاط الحكومات هو هدف رئيسي للمعارضة السياسية، حيث تنشغل جميع آليات الأحزاب الأخرى لإسقاط الحكومة. 

رابعًا: الحكومة الائتلافية تواجه معادلات عالمية وإقليمية صعبة، فالولايات المتحدة لديها مصالح وللحكومة التركية التزامات تجاهها خصوصا فيما يتعلق بطبيعة تلك المصالح الخاصة بالتعامل مع إيران والعراق كدول إرهابية، وكذلك الاتفاق الإسرائيلي - التركي الأخير وما أفرزه من اختلاف في العلاقة بين تركيا ومصر وسورية وإيران وتركيا ملتزمة في المقابل بقرارات مؤتمر أسلو للسلام، ومؤتمر شرم الشيخ وهناك مشاكل المياه مع سورية والعراق، ومشاكل الحدود البحرية مع اليونان والاتفاقات الأوروبية، والتزامات تركيا في الحلف الأطلسي، واتفاقية السوق الجمركية الأوروبية، وما نتج عنها من التزامات تجاه حل المشكلة القبرصية وغيرها وقد يكون البرنامج الحكومي متفائلًا، ومحترمًا كل الاتفاقات السابقة إلا أن الرهان هو كيف ستتعامل هذه الحكومات ذات النسيج المختلف في أسلوب تنفيذ تلك الالتزامات.

استراتيجية واقعية لتفكير سياسي ناجح:

لكن السؤال: لماذا وافق حزب الرفاه وزعيمه البروفيسور «أربكان» على التحالف مع «تشيللر»، وحزبها الطريق القويم بالرغم من عشرات الألغام التي تنسف هذا الاتفاق، هذا التباين بين أفكار ونسيج كلا الحزبين؟

في اعتقادي أن المتتبع للتفكير السياسي الذي ينتهجه البروفيسور «أربكان»، منذ أن بدأ خطى العمل السياسي والتعامل مع : الحالة العلمانية في تركيا سيجد أن البروفيسور «أربكان» نجح وبفعالية في أن يصل بالحركة الإسلامية إلى رئاسة تركيا لأول مرة منذ أكثر من سبعين عامًا، وذلك بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية، واستيلاء العلمانية بقيادة أتاتورك على مقاليد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا عام ١٩٢٤ م، بواسطة حزب الشعب الجمهوري الوليد السياسي لحزب تركيا الفتاة العلماني فالخطوات المتدرجة الواقعية والتعامل مع عناصر الواقع التركي ومعادلاته دونما تطرف والصبر والثبات للوصول إلى قيادة السياسة التركية دونما اصطدام كل ذلك يؤكد تلك العقلية الواقعية، وعندما نجح «أربكان» في إيجاد ائتلاف مع «تشيللر» كان طبيعيًا أن لا يبدا بالتغيير الجذري لأنه يسير على خطى شرعية واثقة من أن: «قومك لازالوا حديثي عهد بإسلام».

استراتيجية السباحة مع التيار:

لقد استخدم «أربكان» جميع الوسائل الشرعية التي يتيحها له الدستور العلماني لإحراز تقدم إسلامي، فهو لا يريد السباحة ضد التيار الداخلي والخارجي فيفقد قواه في منتصف الطريق حتى في أوله، ولهذا فإنه نجح في إبراز نهجه السياسي فيما يلي:

  1. أن برنامجه لا يتعارض والمبادئ العلمانية الخاصة بالديمقراطية وحرية الفكر وحقوق الإنسان، فالإسلام أوسع من كل ذلك.
  2.  التفاهم لإنقاذ الدولة والاقتصاد المتردي والمشاكل الداخلية، وليس القصد إنقاذ برنامج الحزب، فالتنازل عن القدر طبيعي من الالتزامات في برنامج الرفاه من أجل مصلحة وطنية دليل كاف على الالتزام بالمسؤولية من حزب الرفاه تجاه تركيا والشعب التركي.
  3. الابتعاد عن النقاط الساخنة ذات الخلاف والاهتمام الخارجي لا الداخلي في تولية «تشيللر» وحزبها ( وزارة الخارجية والدفاع والداخلية)، وإشغال رموز حزب الوطن الأم وإغراقهم بالمشاكل الخارجية في حين انصرف حزب الرفاه للانشغال بالمشاكل الحقيقية في الداخل والاتصال بالجماهير وحل مشكلاته.
  4. تحقيق نصر معنوي للحركة الإسلامية على خصومها العلمانيين، حيث يعتبر البروفيسور نجم الدين «أربكان» أول رئيس مجلس وزراء إسلامي يحكم تركيا منذ اثنين وسبعين عامًا، وما عهدت تركيا إسلاميًا يحكمها منذ سقوط الخلافة العلمانية ويعتبر هذا نصرًا تاريخيًا سياسيًا مؤثرًا.

تدجين النفسية العلمانية:

سعى الرئيس «أربكان» وحزب الرفاه لإحداث تدجين نفسي للعلمانية والعلمانيين لقبول النموذج السياسي الإسلامي في نسيج السياسة التركية العلمانية ولقبول الحالة الإسلامية عمومًا، وبالتالي فإن وجود رئيس مجلس وزراء إسلامي وحزب ينتهج سياسات إسلامية أمر واقع وسيتم قبوله بشكل شرعي في المجتمع التركي الذي تغرب عشرات السنين، ولم يكن يتقبل النموذج الإسلامي لتعارضه مع الدستور العلماني، وعلى هذا الأساس فإن كل مفردات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا ستكون أكثر إيجابية في تقبل الحالة الإسلامية في المستقبل مع تقليل هامش الصراع المتطرف بين كلا الاتجاهين مما يتيح في المستقبل تقبل حكم تركيا بواسطة حكومة كاملة من الإسلاميين.

 وسيعمد الإسلاميون من خلال الحكومة الحالية إلى رسم صورة صحيحة عن نموذج المسلم غير ما تخيله العلمانيون من صور الإرهاب والتطرف والتعصب.

تحقيق مواقع نفوذ:

كما هدف «أربكان» وحزبه من هذا الائتلاف كسب مواقع نفوذ في جسد الدولة من خلال إدارة شؤون الدولة (۱۰) وزارات دولة و (۸) وزارات تنفيذية هي: العدالة والمالية، والتعمير والزراعة، والعمل، والطاقة. الثقافة، والبيئة، وإنه من خلال هذه الوزارات سيحقق الرفاه مواقع نفوذ سياسية واجتماعية، عدا أنه حقق تواجدًا استراتيجيًا مهما: في مجلس الشورى العسكري (والذي يرأسه «أربكان» بحكم الدستور) و(مجلس الأمن القومي)، كما أن من سلطة «أربكان» تعيين رئيس أركان الجيش، وهو القائد الفعلي للجيش التركي، كما أن الاستخبارات أصبحت تابعة لـ«أربكان»، ولهذا فإن المواقع التي سيتواجد فيها حزب الرفاه ستكون مهمة، ومن ثم يستطيع من خلالها توسعة رقعته أفقيًا في جسد إدارة الدولة، مما يهيئه لحكم تركيا مستقبلًا.

الرفاه (الحزب) و(الرفاه الحكومة والدولة):

ومن ذلك أيضًا سعى البروفيسور «أربكان» وحزبه لدمج القاعدة الإسلامية لشباب الحركة الإسلامية بانسجام والعيش بصورة شرعية وطبيعية في المجتمع التركي العلماني، هذه العلمانية التي طالما عرضتهم وصادرت حريتهم الفكرية والسياسية، حيث كانت هذه القاعدة الشعبية العريضة من الحرمان الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي طيلة سبعين عامًا مضت، وفقدت حقوقها وامتيازاتها كمواطنين لهم حق إتاحة الفرصة في الموقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الدخول في عجلة إدارة الدولة وقيادة المجتمع عن طريق الحكومة سيضع ذلك القاعدة أمام التزاماتها ومسؤولياتها بالنظر إلى واقعية المجتمع التركي وسياسة علاج مشكلاته، مما يمتص كل الشعارات والسلوكيات والانتقادات المتطرفة لإدارة الدولة ويمكن قيادات وعناصر وقواعد حزب الرفاه، والحركة الإسلامية من التعامل بواقعية، والنظر إلى الأمور بعقلانية، دونما القفز على المعادلات الداخلية والخارجية، ومن ثم يمكن للحركة الإسلامية في تركيا بقيادة حزب الرفاه أن تضع نموذجًا ومشروعًا لإدارة الدولة بصورة واقعية دونما تعسف لتحليل الواقع وبعقلانية وبتنظير حقيقي، وهذا في حد ذاته مكسب فردي واجتهادي لتطوير الرؤية حول الدولة المعاصرة، ونظرية الإسلام فيها، كما أن التحام قاعدة الرفاه الدولة سيخفف من ضغط القاعدة على القيادة للقفز بالشعارات على المشاكل التي تعاني منها تركيا خصوصًا المشكلات الاقتصادية. 

ولهذا فإن الرفاه الحزب يجب أن يختلف عن الرفاه الدولة والحكومة، وحتى يتجسد ذلك في برنامج حقيقي وواقعي وينبغي أن يخوض «أربكان» بقياداته وقاعدته تجربة إدارة الدولة ائتلافيًا على أقل تقدير لك ما كان، وعليه فإن الإجابة على الكثير من التساؤلات والتي يجب أن يجيب عنها البروفيسور «أربكان» وحزبه ستتعرض كثيرًا لقدرة قياداته وقاعدته لإقناع الشعب التركي بها من خلال الواقعية التي تمحصهم الأيام القادمة بها ومن تلك التساؤلات: 

أين موقع النظام العادل في صلب النظام الاقتصادي والاجتماعي للحكومة  الجديدة في حين أن  الاقتصاد، بيد «تشيللر» وحزبها؟

أين موقع الأخوة الإسلامية، في حل مشكلة الأكراد والمياه سورية والعراق في حين أن الجيش بيد «تشيللر» وحزبها؟

أين موقع تعديل المادة ٢٤ من الدستور الخاصة بحرية الدين الإسلامي في حين أن البرنامج الحكومي مع «تشيللر» الذي اتفق عليه فيما يخص الاهتمام بحقوق الإنسان والحريات العامة وفق المبادئ الكمالية التي أصلت تلك المادة.

أين موقع الاقتصاد غير الربوي، في حين أن برنامج الحكومة الائتلافية الذي وضعه الاقتصاديون من حزب الطريق القويم يؤكد على تنظيم البنوك التركية وفق القوانين الأوروبية، مع تطوير سوق البورصة وتشجيع رؤوس الأموال الأجنبية في الاستثمار، ويخصص الشركات العامة (سيطرة الرأسمال الأجنبي بصورة أكبر على أدوات الاقتصاد في تركيا؟

أين موقع إلغاء الاتفاق التركي الإسرائيلي، ما دامت السياسة الخارجية بيد «تشيللر»؟

 لا شك أن الإجابة ستكون أكثر واقعية عندما تتحرك عجلة إدارة الدولة التي يقودها الرفاه اليوم، لقد رآها «عبد الله جول» -وزير دولة حاليا- وهو نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الرفاه، والمساعد الأيمن لأربكان، وهو بمثابة وزير خارجية الرفاه حيث صرح معقبًا على انتقادات الساسة والعلمانيين الصحفيين الأتراك من أن برنامج حزب الرفاه يقوم بتطوير أفكاره لكي يلائم روح العصر، وأن هناك مساعًا جديدة تقتضي أن يتنازل كل طرف منهما عن برنامجه الخاص من أجل التفاهم حول برنامج عملي يمكن تطبيقه لتحقيق الإصلاحات المطلوبة.

ربما يؤكد «أربكان» والرفاه أن سياسة نطح الجدران قد ولت وبدأت مرحلة عمل جدي وواقعي ومتدرج، فهم لا يريدون أن يدخلوا لعبة عض الأصابع لأنهم لا يدرون من سيصرخ أولا.

الرابط المختصر :