العنوان بين المسؤولية والفوضوية.. بون شاسع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011
مشاهدات 86
نشر في العدد 1952
نشر في الصفحة 39
السبت 14-مايو-2011
الفوضوية في المصطلح الشعبي من الفوضى وهي الأمر الذي لا يتقيد بشيء، والفعل المتسيب الذي لا يضبطه شيء، والحقيقة أن المجتمع العربي انجر وراء تحريضات خبيثة لتلويث مصطلح الفوضوية. ومؤسس فكرة الفوضوية هو المفكر الإنجليزي جود وين، والفيلسوف الفرنسي برودون، والفوضوية في نظرهم تعني أن السلطة الوحيدة الشرعية والأخلاقية هي التي يمنحها الناس لأنفسهم، وترى أن رضا المحكومين هو الأساس الصالح للسلطة السياسية... فمفهوم المصطلح يختلف تماما عن المفهوم الشرقي، حيث أراد الغربيون في زمن إطلاق المصطلح الانعتاق من سلطات الدكتاتورية وجعل رأي الإنسان هو الأساس للسلطة ويبدو أن هذا المعنى لم يرق الحكم الشرقي فعد ذلك فوضى وعده نوعا من التسيب ومازالت الفوضى تعني عندنا التسيب وعدم المبالاة وفقدان النظام وذلك يعني ببساطة كراهية الفوضى ، ولكن رغم ذلك سارت أمورنا على نحو آخر، وهو العشق للفوضى بالمعنى الشرقي، فلا نظام ولا قانون ولا مبالاة ولا حقوق لأحد، ولا حرمات لإنسان، وزاد الطين بلة تبني هذا النهج من قبل بعض السلطات التي كان يفترض أنها قدوة لشعبها ومثلا لأمتها وحافظة للعدالة والقوانين والدساتير فكان لا يكاد يمر يوم إلا وتسمع عن السرقات والاختلاسات وتجارة المحرمات وانتهاك الحريات، وترى بعينيك الغش وفقدان الضمير، وتشاهد القهر وذبح الفضائل وصنوف الاستعباد يقوم بها بعض قادة الأمة، وأولي الأمر فيها، وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد، وانحسر عند هذه الدواهي، ولكن هذه القيادات قد انبرت تبحث عن الأشراف في الأمة لتبيدهم، وتنقب عن المخلصين في الشعب لتلقيهم في اليم، وتهيل عليهم التراب وتلطخهم بالأوحال، ثم أخذت تتنصت على أي صوت ناصح لتبتر لسانه وتقطع حلقومه وتمحو منطقه، وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد، وانحسر عند هذه الجرائم، ولكنه قد تعداه إلى صداقة أعداء الأمة والاستعانة بهم على جرمهم، وتحريضهم على المخلصين في شعوبهم واتهامهم بأبشع التهم وأعظم الجرائم والدعوة إلى مطاردتهم وإبادتهم. وليت الأمر قد وقف عند هذا وهو شيء تنوء به الجبال وتئن منه الرواسي الثقال ولكنه تعداه إلى عقائد الأمة ورسالتها ومقدساتها، فأسست فرق لاستئصال الإيمان والثقافة الإسلامية من قلوب الشباب وتنقية المقررات الدراسية مما خالطها من تاريخ ناهض للأمة، ومن عقائد دافعة للشباب، ومن هوية رائدة للفتيان، ولم يخجلوا أن يسموا هذا بتجفيف الينابيع، أي ينابيع العقيدة والرسالة الإسلامية، والهوية الإيمانية؛ ليفتحوا ينابيع أخرى للشهوات والمناهج الجنسية والثقافات الدخيلة التي تبنى على الإباحية وحرية الشذوذ والتدني والضياع في مؤتمرات السكان التي تفسح المجال لذهاب القيم وضياع الأخلاق وتعد البلاد والعباد لتكون مراتع للصهيونية والاستعمار الثقافي البغيض. ولقد ظن سدنة هذه التعاويذ وكهنة هذه القمامات أن القطاف قد دان بعد هذه الفوضى التي أثاروها، واللوثة التي تبنوها في الأمة وظنوا أن العملاق الإسلامي قد مات وتقطعت أوصاله وتبددت أعضاؤه، وأن القطاف للثمرة الخبيثة قد دان، وأن الرياح قد جاءت بما تشتهي السفن، ولكن شاء الله أن تنقلب الأحوال ويطلع الإصباح ؛ فتنقطع منهم نياط القلوب، ويروا أن أديم الأرض قد انشق، وانتفض العملاق فاغراً فاه ليلتقم الأصنام، ويبتلع سدنة الضلال وكهنة الأوثان.. فينقلب السحر على الساحر ويقتلع العملاق الأرض بالدجالين ويجعل عاليها سافلها ويمطر عليها حجارة من سجيل ولكن ذلك - والحق يقال - يشير إلى أن المسؤولية في الحركات الإصلاحية كبيرة وعظيمة وتحتاج إلى مؤهلات عدة، وتتطلب مواصفات كثيرة لما تتحمله من أعباء ثقال، وما ينتظرها من جهاد طويل ومرير يتطلب مواصفات معينة، منها:
1- إيمان لا جدل فيه ولا شك معه، وعقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر إيمان قوي ملتهب مشتعل يقظ يزيل السدود ويفجر الطاقات.
2- ثقة بالفكرة الإصلاحية والمنهج؛ لأن نجاح الفكرة يتأكد إذا قوي الإيمان بها، وتوافر الإخلاص في سبيلها، والثقة بالنجاح الذي يغمر القلب، ويملأ النفس روعة فلا تخشى الناس جميعا، ولا ترهب العالم كله إن وقف أمامك يحاول أن ينال من عقيدتك أو ينتقص من مبدئك، وصدق الله الذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله ونعم الوكيل (۱۷۳) ) (آل عمران).
3- استعداد فكري وعقلي وثقافي لحمل الرسالة والدعوى لها بأعظم الوسائل وأنجع الطرق، يقول الإمام البنا - يرحمه الله - في معرض ذلك: والدعاة اليوم غيرهم بالأمس فهم مثقفون مجهزون مدبرون اختصاصيون ولاسيما في البلاد الغربية - حيث تختص بكل فكرة كتيبة مدربة توضح غامضها وتكشف عن محاسنها، وتبتكر لها وسائل النشر وطرق الدعاية، وتتلمس في نفوس الناس أيسر السبل وأهونها وأقربها إلى الإقناع والاتباع ووسائل الدعاية الآن غيرها بالأمس كذلك، فقد كانت دعاية الأمس كلمة تلقى في خطبة أو اجتماع، أو كلمة تكتب في رسالة أو خطاب أما الآن فنشرات ومجلات وجرائد ورسالات وإذاعات وتلفازات وأقمار صناعية، وقنوات فضائية وإنترنت وفديوهات ومسارح وخيالات وروايات.. وقد ذلل ذلك كله سبيل الوصول إلى قلوب الناس جميعا، نساء ورجالا في بيوتهم ومتاجرهم ومصانعهم ومزارعهم، فلذا كان من الواجب على أهل الدعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعاً حتى يأتي عملهم بالثمرة المطلوبة.
4- قدرة على التعامل مع القوانين والسنن وفقه السنن يحتاج إلى علم وفير، وبصيرة نافذة يقول الإمام البنا يرحمه الله: «لا تصادموا نواميس الكون، فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها ، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد».
5- قدرة على اكتشاف الواقع ومعرفة مواطن العلة، حيث إن المسؤول طبيب ماهر ونطاسي بارع يعلم مواطن العلة، ويحسن تشخيصها، ويتعرف موضع الداء ويخلص في علاجه، خاصة وداء الأمم الشرقية متشعب المناحي كثير الأعراض.
وبعد ، هل عرفت أيها الحبيب أن المسؤولية حمل ثقيل، لا يتحمله إلا الأقوياء الأبطال، الذين يستطيعون أن يزيلوا هذا الركام الهابط وهذا الظلام الدامس، فهنيئا لهم، وأنعم بهم من نفوس وقلوب رشحها الله لحمل رسالته وحباها لانتشال الأمة وقيادتها. كَتبَ الله لأغلبن أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (المجادلة)، وليَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل