العنوان فقه الموازنات تطبيقات دعوية (2 من 3).. بين المظهر والجوهر
الكاتب عصام عبدالمحسن الحميدان
تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002
مشاهدات 74
نشر في العدد 1516
نشر في الصفحة 66
السبت 31-أغسطس-2002
هذه مقالات الهدف منها، توجيه المسلم إلى المنهج السني الوسط بين الغلو والتفلت، فإن الدين الحق وسط «بين الغالي فيه والجافي عنه»، كما قال شيخ الإسلام أبن تيمية- رحمه الله- وهو يستند في هذا التقرير إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).
بعد الحديث عن مدرستي الكم والكيف، نتحدث عن مدرستي المظهر والجوهر:
فالناظر في عموم المسلمين وخواصهم يلاحظ أنهم ينطلقون في إلتزامهم بالسنة النبوية من خلال مدرستين: مدرسة المظهر، ومدرسة الجوهر، فلنلق نظرة على خصائص المدرستين:
مدرسة المظهر
- أبرز خصائص مدرسة المظهر الشكليات، فهي ترى أن الالتزام بالسنة لا يكون إلا بالشكل الخارجي للمسلم، بحيث يكون ثوبه قصيرًا، ولحيته طويلة، أو عريضة، وملبسه غير مرتب، وربما مرقعًا، ولسانه لاهجًا بالذكر، وهو غاض الطرف، بطيء المشية.
وتعتمد في هذا على أن النبي ﷺ كان عريض اللحية، وكان يأمر بتوفير اللحى وإعفائها، وكان ثوبه قصيرًا، وكان يأمر برفع الثياب فوق الكعبين، وكانت ثيابه خشنة غليظة، وكذلك كان أصحابه- رضوان الله عليهم أجمعين- ونحو ذلك من الأحاديث النبوية والآثار.
- ومن خصائصها: الحكم على المسلمين بحسب ظواهرهم، وهذه الخاصية مبنية على ما قبلها، فمتى كان المسلم ملتزمًا بالسنن الظاهرة، فهو المسلم حقًا، ومن لم يكن كذلك فهو مقصر أشد التقصير، فهي تجعل السنن الظاهرة من أوجب الواجبات وأهم المفروضات.
وتعتمد في هذا على أن النبي ﷺ توعد على ترك هذه السنن الظاهرة، والوعيد لا يكون إلا على كبيرة مثل قوله: «ما أسفل من الكعبين في الإزار فهو في النار». وقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني».
- ومن خصائصها: أنها ترى تمام العمل بظاهره، فالصلاة مثلًا المؤداة بكامل سننها الظاهرة أقرب إلى القبول من غيرها، وهي الصلاة المطلوبة شرعًا، وقل مثل ذلك في الحج والأذكار والإعتكاف ونحو ذلك من العبادات.
وتعتمد في هذا على قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فأمر بالصلاة حسبما نراه منه في صلاته، وإنما نرى نحن الأشياء الظاهرة، وأحاديث الأذكار التي فيها: «من قال في يوم مائة مرة كذا وكذا، فله كذا وكذا» فجعل الأجر الكامل مرتبًا على الذكر الظاهر.
مدرسة الجوهر:
- من خصائصها: أنها ترى مدى التزام المسلم بالسنة يوضحه مواقفه في الحق، وجهاده، وآثار التقوى عليه من حب الله ورسوله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثبات على الحق في الشدائد، ونحو ذلك، ولو كان في سلوكه الخارجي ليس كامل الإلتزام بالسنن الظاهرة.
وتعتمد في هذا على أن النبي ﷺ شهد لرجل أنه من أهل الجنة مع أنه لم يكن يقيم الليل، لمجرد أنه كان سليم القلب على إخوانه المسلمين لا يحمل عليهم حقدًا ولا حسدًا (رواه أحمد بإسناد صحيح).
وعكس هذا أن النبي ﷺ أمر بقتال الخوارج، وهم من أكثر الناس إلتزامًا بالسنن الظاهرة، إلا أن قلوبهم من الإيمان خاوية وسيوفهم على المسلمين مصلتة، وعن الكفار جبانة، فقال ﷺ في حقهم: «يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية»، ومن التاريخ والواقع ما يصدق ذلك، فتجد المواقف العظيمة لبعض قادة المسلمين من الدعاة والسياسة والعسكريين ممن أبلوا في الإسلام بلاءً حسنًا، وحفظوا للمسلمين بيضتهم، مع أن كثيرًا منهم ليس في سمته الظاهر كامل الإلتزام بالسنن، نذكر منهم السلطان عبد الحميد، وسيد قطب رحمهما الله.
وعكس هذا أنك تجد بعضًا من المتمسكين بالسنن الظاهرة من أكثر الناس حبًا للدنيا، ونسيانًا للآخرة، وجبنًا عن الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- ومن خصائصها: أنها ترى الحكم على الأشخاص لا يكون بالظاهر، بل بالمواقف وآثار التقوى من التضحية والبذل.
وتعتمد في هذا على أن الله تعالى لم يجعل سيما المنافقين الظاهرة دليلًا عليهم، لئلا ينخدع المسلمون بهم، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (سورة محمد: 30)، وعلى أن النبي ﷺ حكم على قزمان المنافق بأنه من أهل النار مع أنه من أشد الناس بلاءً في القتال يوم أحد، فشدة قتاله الظاهرة لیست دليلًا على حبه لله ورسوله.
ولما جاء رجل إلى عمر- رضي الله عنه- فزكى رجلًا آخر، قال له عمر: لعلك رأيته يركع في المسجد؟ هل تعاملت معه بالدينار والدرهم؟ هل سافرت معه؟ هل عاشرته في السراء والضراء؟ فلما قال: لا، قال: اذهب فإنك لا تعرفه، فلم يجعل الحكم على الظاهر.
- ومن خصائصها: أنها ترى تمام العبادة بما في القلب من خشوع وإنابة لله، فالصلاة إنما يكتب للإنسان ما عقل منها، وإن كانت سننها الظاهرة كاملة، والصيام إذا لم ينه صاحبه عن الفحشاء والمنكر فلا فائدة فيه، وإن أمسك عن الطعام والشراب... وهكذا.
تقييم وموازنة
بالنظر في العرض المتقدم نجد أن مدرسة الجوهر أقرب إلى روح الشريعة ومقاصدها من مدرسة المظهر، للأدلة الكثيرة من الشرع والعقل والواقع، ومنها قوله سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 14).
فلم يجعل الله سبحانه إسلامهم الظاهر دليلًا على إيمانهم حتى يدخل في قلوبهم، وقوله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ (التوبة: 19)، فلم يجعل الله سبحانه العبادات الظاهرة كإطعام المحتاجين وعمارة المساجد كالإيمان الباطني بالله.
وبهذا ننجو من ادعاء الإيمان من المصلحين، ولا نغتر بظواهرهم، وما ذكرته مدرسة المظهر يحمل على حال الكمال، فالأكمل هو توافق الباطن والظاهر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل