; الأسرة (216) | مجلة المجتمع

العنوان الأسرة (216)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

مشاهدات 78

نشر في العدد 216

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

فاظفر بذات الدين تربت يداك إعداد الأخت: فاطمة زكريا وعاد الشاب إلى أمه ليصف لها من وقع نظره عليها أثناء عبوره الشارع، حاول عبثًا أن يبعد نظره عنها لكن عبثًا. وتصارع إيمانه مع هوى الشيطان.. أعوذ بالله، ما لي أرى نفسي وقد انساقت عيناي إلى هذه الفتاة أتابعها بالخطوات والنظرات؟! أين ديني؟ أين إيماني؟ والنظرة الأولى لي، والثانية علي؟! ماذا أفعل يا إلهي؟ أأنظر إليها بصفة الخطوبة؟! ووجد منفذًا له، شعر طويل يتماوج مع الهواء وجمال فاتن. ويتابع الشاب حديثه مع أمه: لقد تبعتها وعرفت بيتها، وما عليك يا أمي إلا الذهاب لبيت أهلها وطلب يدها، وأرجوك ألا تمانعي في أي طلب. إنها نادرة الصفات، أرجوك يا أمي، أنا شاب هداني الله إلى الدين، لكني فتنت بهذه الفتاة لما تملك من الحسن والجمال، لقد وقعت في قلبي، وإنني أريد الإحصان. وهنا جاء دور الوالدة بالكلام: عهدي بك يا ولدي أكثر اتزانًا، كيف تصلح مثل هذه الفتاة أن تعيش معك كزوجة؟ كنت أحسبك تريد إنسانة متدينة، محتشمة، تسير معك في درب الحياة، تسترك وترعاك، وذلك حسب ما تمليه عليها الشريعة الإسلامية! ماذا سيقول عنك زملاؤك لما يعرفون عنك أنك رضيت لنفسك أن تتزوج من هؤلاء الفتيات متسكعات الشوارع، همهن إبراز ما عندهن من مفاتن لاصطياد قلوب الشباب الطيبين أمثالك؟! تعوذ بالله يا ولدي من الشيطان، واترك الأمر لي، وسأختار لك -إن شاء الله- شريكة حياة تسرك مدى حياتك. يا ولدي، كتاب الله تعالى يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (النور: 26)، فأنت طيب إن شاء الله، والله تعالى يجمعك بالطيبة. لكن الشاب تأثر من والدته وحسب أنه وقع في قلبها شيء نتيجة إعجابه بمن وصف، وقال في نفسه: هذه أمي تبعدني عن هذه الفتاة لأنها تريدني أن أبقى لها شأن كل حماة تغار «كنتها»، ليتني لم أذكر لها شيئًا، حسبتها عاقلة، لكن الغيرة عند النساء طبع. وصمت الشاب، وحسبت أمه أنها أقنعته، ورضيت عليه ودعت له الله بدعوات ملؤها الرضا والسعادة لولدها. لكن ما أطيب قلب الأمهات، لقد ذهب الشاب إلى زميل له متزوج وعنده أولاد، متدين ويبحث دومًا عن الحق. إنه صديق حميم لهذا الشاب، لقد تحابا في الله- وهنا أفرغ الشاب كل ما في صدره، وبين له أنه مصمم على الزواج ممن شاهد خوف الفتنة على نفسه، ورجاه أن يأخذ الأمر جدًّا ويذهبا معًا لطلب هذه الفتاة، وأقنعه أنه لما يجتمعان في بيت واحد سوف يؤثر عليها بما عنده من دين، ونتيجة الحب الذي سينشأ بينهما سوف تكون الهداية بإذن الله. ولما رأى الصديق أن لا محالة من الزواج تحمس للأمر وذهب مع صديقه وطرقا الباب! لكن باب من؟! إنه باب الفتاة الحسناء، وكان الحظ مواتيًا فقد فتحت الباب هي! هي صاحبة الجمال البديع. نظر الشاب إلى صديقه الذي فتح فاه وتسمر نظره: ما شاء الله، ما هذه بشر! سبحان الله، الحق معك يا أخي.. وما هي إلا هنيهات حتى دخلت فتاة أخرى تكبر الأولى قليلًا، لكن لا تقل عنها جمالًا ورشاقة.. واحتفلتا بالقادمين كأنهما تعرفانهما منذ زمن. وهنا استدرك الصديق أنه في موقف حرج، فالشرع لا يبيح له الجلوس مع النساء، وخاصة دون حشمة وستر. كان العرق يتصبب منه ومن زميله الشاب حياءً مما هما في حضرتهما، يتعلثمان في الكلام، فأين هما من الطلاقة والضحكات بالنسبة للفرقيق الآخر؟ تجرأ الصديق وسأل الكبرى: أليس في الدار رجل والد أو أخ؟ وببساطة الجواب: نعم، والدي في الداخل، أتريد مقابلته؟ ويدخل رجل في الستين من عمره ليس لديه شيء عن أمر بناته، ويرحب بالرجلين على صديقا ابنتيه. ولكن لحظات ويعرف أن هدف الزيارة هو (خطوبة)، ويصرح الوالد أن الرأي رأي بناته حيث هما ستعيشان في العش الجديد، وأنه لا يتدخل في أمر زواجهما لا بالموافقة على كل من ترغبان. ولم يعرف الصديقان كيف دار الكلام كانت النتيجة الموافقة من الطرفين مع شروط قاسية قيدت الشاب؛ لكن الجمال أسكته، وتهدت الفتاة السير على الدين، كيف لا وهي مسلمة؟! وخرج الاثنان بوداع حار ومودة ولطف، ودقائق وكأنها صحبة أعوام!! وهبطا السلم والصديق يبارك لصديقه بالجوهرة التي حظي بها. وعاد الشاب وشعر أنه أخطأ مع أمه ليطلب منها المسامحة على... تصرف. لكن الأم الطيبة لم يكن لها إلا الإيجاب الذي لا بد منه، وشاركت ابنها فرحته، وابتدأت تستعد ليوم الزفاف الذي حدد موعده القريب. لنعد إلى الصديق الوفي الذي ظل طوال طريقه يشتم الحظ الذي جمع بأم أولاده، كيف كان مقيدًا وقد اختار له أهله من تزوج؟ كيف حرم كل هذا الجمال وعاشر طوال هذه المدة مع زوجته البعيد عنها مثل هذا الجمال؟! أين هو من الرشاقة التي لم يعرفها إلا اليوم، وأين هو من النظرات والابتسامات والنعومة، حقًّا إنه الجمال اللطيف الذي احترمه. وأخيرًا وصل إلى بيته في بحر من الضياع.. الشبح أو الكابوس التي هي زوجته استقبلته بما طهت ونظفت ورتبت. ولكن أين هي من الرشاقة والجمال فيمن رأى؟ إنه محروم!! إنه مظلوم!! وبدأ يحسد الشاب الذي كان يستشيره في كل قطعة يشتريها، والذي يحكي له كل كلمة يسمعها. وزاد ضياع الرجل لكنه توصل إلى الحل. لماذا أنا أقلب حياتي إلى جحيم؟ ولماذا أضيع نفسي وأضيع عمري تحت تصرف أم أولادي فقط؟ ألم يقل الله تعالى في كتابه العزيز:﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ ﴾ (النساء: 3)؟ ما هذه الأنانية التي عندها؟ لكنها تحبني وترضى لي كل ما أريد. إن شريعتنا سمحاء، والتعدد من ضمن الشريعة. إنها الأخت الكبرى، ستقبل بي حتمًا لأنها يتيمة، ومتى تزوجت أختها الصغرى ستبقى لوحدها. وساعات وكان هو مع زميله الشاب أيضًا يشتريان لوازم الزفاف. ونزلت الطامة على رأس الزوجة المسكينة والأولاد! ماذا دهى والدهم؟ أین عقله وتفكيره؟ أبهذه السرعة ينساهم ووالدتهم ليبحث هو عن نفسه، وليس للزوجة إلا القبول في الواقع من أجل الأولاد. وحانت ساعة الزفاف، وكانت للأختين وللصديقين في يوم واحد وفي بيت واحد، عروستان، بل زهرتان أرجوانیتان. وصعد الشاب إلى جانب عروسه، وعيون أمه ترمقه، وقلبها يبكي على الشبكة التي وقع بها ولدها. وصعد الصديق أيضًا إلى جانب عروسه وعيون زوجته وأولاده ترمقه، وقلوبهم جميعًا تبكي بصمت. وانفرد كل منهما بعروسه ليقضي الليلة. ويا للهول: أرادت هذه الزهرة العروس أن تستريح، وعريسها الشاب يريد لها الراحة إشفاقًا عليها من إرهاق السهر. فمدت يدها على رأسها لتنزع الشعر المتموج الذي كانت تتمايل به ثم تضعه بجانبها، وتمسك برموشها الساحرة وتضعها أيضًا بجانبها، وتتسلل يدها أيضًا إلى الصـــدر لتنزع البروز وتضعه إلى جانبها، وإلى غير ذلك.. وذلك. أخيرًا تأخذ المنديل لتزيل المساحيق الزهرية التي كانت على وجهها، وتبدأها بالحاجبين اللتين رسمتا بالقلم، إلى أحمر الشفاه، إلى الظلال.. إلى... ويقف الشاب مشدوها محدقًا «بالكومة» إلى جانب عروسه التي دفع ثمنها كل غالٍ ورخيص!! ويضع يديه على رأسه خوف الضياع لما يرى من الدمامة، حيث لم يستطع التحديق بها! ويسألها مشدوهًا ما هذا الذي تنزعينه؟ وتجيب العروس الدميمة: إن الماكياج أثقل كاهلي ولا أستطيع إبقاءه ساعة النوم. فأجاب: هذا تسمونه ماكياج؟! أليست هي طبيعتك؟! وبالبراءة الثعلبية تجيبه: إنك رجعي حقًا حيث لا تعرف ما هو (الماكياج). وتخلع آخر شيء حذاءها الهرمي ليبرز قصرها، فأين القامة الممشوقة؟ ويخرج الشاب العريس إلى أمــــــه ليخبئ وجهه في حجرها الذي يستقبل دموع الندم والحسرة، وأيضًا ليس للأم إلا الصمت. ويأتي الفجر ليلتقي أيضًا بزميله الصديق الذي أصبح زوج اثنتين. ليس من العريسين إلا نظرة رافقت كل منهما دمعة ذات معنى. لكن ما حصل بعد ذلك كان أدهى وأمر. فيا ليت الأمر انتهى عند الدمامة فحسب. رفضت الصغيرة العيش مع أم زوجها، ثم شوهت حياة الشاب بما تفرض عليه من مطالب تنافي الحياة الدينية، فلا ستر منها ولا هم يحزنون.. لم تقبل الامتناع عن السهرات والحفلات والزيارات المختلطة وأصبح لحياتهما معًا أول ليس له آخر، وخاصة بعد إنجاب أول طفلة، وهذا هو الأسى بعينه. أما الثاني فكانت حياته أصعب، لقد بالغت الزوجة الجديدة بإيذاء الأولاد وأمهم الطيبين الذين لا يعرفون إلا السير الديني في الكلام والمعاملة مع الصدق والصراحة، وتفننت الثانية في إيغال قلب الزوج على زوجته وأولاده؛ مما دعا الزوجة الأولى إلى ترك البيت مع أولادها لتعيش بعيدة عن كابوس الانحلال الذي أحضره الزوج إلى البيت، ليبقى هذا الزوج تحت رحمة زوجته الجديدة يعاني منها ما يعاني، وليس له إلا الرضوخ؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه. هذه هي الثعالب البشرية، أو هذه بنات حواء اللواتي يتسكعن في الشوارع، ويستخدمن شتى الأسباب والمغريات لأخذ الشاب من أمه، والزوج من زوجته، وصدق صلى الله عليه وسلم لما قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، رواه الشيخان والترمذي. هذه هي اللصوص البشرية حيث نحن في عصر اختطاف. فكم سمعنا من حوادث خطف للنساء ذكرتها الصحف واستغربناها، وكل يوم يحدث كثير من الخطف المتعاكس الذي هو من النساء للرجال، ولا نبالي لها اهتمامًا، حيث الوالد يشجع ابنته على ذلك، والأخ يساعد أخته بذلك، والعائلة كلها مؤيدة. عودوا إلى دينكم أيها الرجال، فالإسلام حرم عليكم النظر إلى الحرام رحمة بكم؛ قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: 30)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النظرة: «الأولى لك، والثانية عليك»، فما رأيكم بالثالثة والرابعة والخامسة؟! صدق قول الشاعر الذي يقول: نظرة، فابتسامة، فسلام فكلام، فموعد، فلقاء ونضيف نحن فنقول: «فزواج، فخراب». الإسلام شرع لكم الزواج وأباح لكم الاختيار، وأجاز لكم النظر إلى من تريدون خطبتها، ستشاهدونها على طبيعتها كما خلقها الله ضمن حجاب الستر والحشمة، بحضور الولي. ستشاهدون اللؤلؤة ضمن صدفتها، لتنعموا ببريقها الذي سيتجلى لكم بعد الزواج منها. لكم الأجمل من ذلك معاملتها وحسن عشرتها، لكم ولأمهاتكم وللأولاد من بعد، لذلك صدق رسولنا الكريم صلوات الله عليه لما قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (رواه الخمسة). و(للنسائي ومسلم): «إن الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أم عصام
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

144

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

491

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال