العنوان بين عدل الحكم الإسلامي وظلم المجتمع الدولي
الكاتب د. زكريا المصري
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 120
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-مايو-1993
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).
ينادي الله تعالى المؤمنين به الذين ارتضوا أن
يكون الله تعالى هو الآمر والناهي لهم بإيمانهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه
وسلم، ليوجههم بهذا النداء إلى قضية ذات أثر بالغ في تحقيق السلامة لهم في هذه
الحياة من الأخطار المحدقة بهم من أعدائهم، وذلك عن طريق تحقيق العدل في البشر
جميعا بلا تفريق بين المؤمنين والكافرين، وذلك لأن العدل، وهو إعطاء كل ذي حق حقه
بلا وكس ولا شطط، تستريح النفس له، ويزول ما فيها من حقد واحتقان ضد من ظلمها، فلا
يتمكن أعداء الإسلام من كبراء وزعماء من تجييش المشاعر ضد المسلمين، لأن قلوب الخصوم
عندئذ تكون هادئة بسبب العدالة التي يمارسها فيهم المسلمون.
ولهذا يأمر الله تعالى بالعدل، ويعلل الغاية
منه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (النساء: ١٣٥)، أي للنجاة من
ويلات الحقد الذي يورثه الظلم في القلوب، والذي يتحول إلى قنبلة موقوتة لا تلبث أن
تنفجر في يوم من الأيام فتدمر وتخرب الحجر وتقتل وتشرد البشر، فالعدل ينجي من
ويلات نار الحقد في الدنيا ومن ويلات نار جهنم في الآخرة.
ومن هنا استحقت هذه الأمة حق القوامة على
الأمم الأخرى والشهادة عليها: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
(البقرة: ١٤٣)، ومن هنا أيضا استحقت هذه الأمة وصف الخيرية على الناس: ﴿كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
فلا يمكن أن يتحقق العدل إذا كان الحكم بين
غير المسلمين الملتزمين من شيوعيين أو رأسماليين أو علمانيين، لأنهم يكونون خاضعين
لأهوائهم وشهواتهم وشياطينهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨).
من صور العدالة المشرقة
وفي التاريخ صور مشرقة من العدل في الأمة،
مورست فيما بينها بعضها مع بعض، وفيما بينها وبين غيرها من الأمم، من ذلك:
أولا: سرقت امرأة مخزومية من قريش حليا لأناس،
وهي الشريفة بنت الشرفاء في العرب، فرفع أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر
بقطع يدها تحقيقا لأمر الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨). دون مراعاة لعز عزيز من
البشر أو ذل ذليل منهم، فلما علم قومها بالحكم سارعوا للعمل على الحيلولة دون
تنفيذ هذا الحكم فيها مراعاة لمنصبها وجاهها، فعمدوا إلى رجل محبب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم لعله يتشفع لهم عنده، فكلموا أسامة في ذلك، فكلم فيها أسامة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال له: «يا أسامة، أتشفع في
حد من حدود الله»؟!
وقام في الناس خطيبا ليعلمهم أسس العدالة التي
بها تحافظ الأمم على سلامة ملكها وبقاء كيانها، فقال: «يا أيها الناس، إنما أهلك
من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا
عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
فهو صلى الله عليه وسلم يتحدث في هذا الموقف
باعتباره الرسالي والقيادي والوجاهي في الأمة، فأحرى وأولى أن يكون ذلك فيمن عداه
من بعده.
ثانيا: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو
أمير المؤمنين، إذا أراد أن يصدر للرعية أمرا ووضع لمن يخالفه العقوبة المناسبة
لضبط شؤون الدولة والأمة، جمع أهله وذويه والمقربين منه، وقال لهم محذرا من
استغلال قربهم منه في استباحة المخالفة له طمعا فيما لهم عنده من جاه: «إني سآمر
الناس بكذا وكذا، فمن خالفه منكم ضاعفت له العقوبة».
ولهذا، فإنه حين شرب ولده عبيدالله بن عمر
النبيذ جلده الحد الشرعي، ثم جلده جلدات نكال وتعزير حتى أشفق عليه بعض الحاضرين
أن يهلك.
ثالثا: تسابق ولد لعمرو بن العاص في مصر، يوم
أن كان أبوه عمرو والي مصر من قبل عمر بن الخطاب، مع قبطي، فسبقه القبطي، فأهانه
ولد عمرو بن العاص وضربه، وقال له: تسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ فرفع الأمر إلى عمر
بن الخطاب، فاقتص للقبطي من ولد عمرو، وقال لعمرو: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحرارا؟
رابعا: سقطت درع لعلي بن أبي طالب يوما،
فالتقطها يهودي، فرفع الأمر إلى القاضي شريح، فطلب من علي بن أبي طالب البينة على
أن الدرع له، فقال له: لا بينة عندي على ذلك، أي لا شهود، فطلب القاضي من اليهودي
أن يقسم على أنها له، فأقسم، فقضى بها لليهودي عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «البينة
على المدعي واليمين على من أنكر».
فلما رأى اليهودي أن القاضي لم يجنح إلى علي
بن أبي طالب في الحكم له، رغم أنه على ملته ودينه، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨)، دون تفريق
بين ما إذا كان الطرفان المتخاصمان مسلما ومسلما، أو مسلما وكافرا، أو كافرا
وكافرا، أقر عندها بالدرع لعلي بن أبي طالب.
ولذلك فقد كان الناس يعيشون في حالة من الأمن
والسلام والطمأنينة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، في
المجتمع الإسلامي حين كان الالتزام قائما في الأمة، حاكمين ومحكومين، مما أدى إلى
تثبيت أركان الحكم في الدولة الإسلامية عبر التاريخ، وقد قيل في المثل: (العدل
أساس الملك).
من صور الظلم المظلمة
وحين سقطت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية،
وتولى قيادة العالم ما يسمى بهيئة الأمم المتحدة ذات الدول الخمس دائمة العضوية،
والتي لها حق الفيتو، وانبثق مجلس الأمن الدولي عنها، كما انبثقت عنه محكمة العدل
الدولية، لم يجد الناس للعدل أثرا في هذه الحياة، لا على الصعيد المحلي ولا على
الصعيد الدولي.
وذلك أن الدولة الأقوى تعمد إلى فرض إرادتها
على غيرها من الدول المحيطة بها، تحت عين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي،
وتتحاشى الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن مواجهتها عندما تكون المواجهة محققة
لمصالحها في حالة من الحالات، مما يؤدي إلى سحق الضعيف وهضم حقوقه والاعتداء على
حرياته، فتحتقن القلوب وتنتشر الأحقاد، متربصة الفرص المناسبة لتنفيس ذلك الاحتقان
وتفريغ تلك الأحقاد في أولئك الذين اعتدوا وظلموا، سواء باشروا ذلك بأنفسهم أو
تسببوا في إنزال الظلم بغيرهم عبر توفير الغطاء الأمني والشرعي للظالمين.
وسوف يؤدي هذا الحال في النهاية إلى انهيار
المؤسسة الدولية المسماة بهيئة الأمم المتحدة على المستوى الدولي، كما سيؤدي إلى
انهيار الدول الظالمة على المستوى المحلي، لأن هذه هي سنة الله تعالى في الخلق،
كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».
ولهذا فإن ممارسات مجلس الأمن الدولي الظالمة،
التي لم تراع وجه العدالة في اتخاذ القرارات الدولية، تهدد بانهيار المؤسسة
الدولية، ودخول الأمم والشعوب والدول في دوامة من الحروب، تنتهي بحرب عالمية ثالثة
تسحق البشر وتدمر الحجر.
أولا: ففي الوقت الذي يتخذ مجلس الأمن الدولي
قرارا بعودة المبعدين الأربعمائة من ديارهم في فلسطين ظلما وعدوانا، وترفض إسرائيل
إعادتهم إلى أهلهم وأرضهم، لا يحرك مجلس الأمن ساكنا ضد إسرائيل.
ثانيا: وفي الوقت الذي يتخذ فيه مجلس الأمن
قرارا بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وترفض إسرائيل ذلك، لا يحرك مجلس الأمن
ساكنا ضدها.
ثالثا: وفي الوقت الذي يتخذ مجلس الأمن قرارا
بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام سبعة وستين، وترفض إسرائيل ذلك،
لا يحرك مجلس الأمن ساكنا ضدها.
رابعا: وفي الوقت الذي يتخذ فيه مجلس الأمن
قرارا بوقف عمليات الهجوم العسكرية الصربية على البوسنة والهرسك، وترفض عصابات
الصرب ذلك، لا يحرك مجلس الأمن ساكنا ضدها.
خامسا: وفي الوقت الذي تنتهك فيه حرمات
الإنسان وحقوقه في البوسنة والهرسك، فتزهق أرواح عشرات الألوف، وينتهك عرض أكثر من
خمسين ألف امرأة مسلمة، ويشرد مئات الآلاف من مسلمي البوسنة والهرسك، وتدك مدن
وقرى المسلمين بالمدفعية والصواريخ الثقيلة، وتحرق وتدمر الممتلكات هناك على أيدي
الصرب المدللين، رغم قرار مجلس الأمن، لا يحرك مجلس الأمن ساكنا ضدهم.
إن هذا الظلم من مجلس الأمن الدولي وهيئة
الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية تجاه المسلمين، سوف يؤدي إلى احتقان قلوب أكثر
من ألف مليون مسلم على وجه الأرض، لتنفجر هذه المشاعر في وجه حكومات جارت وظلمت،
وفي وجه المؤسسات الدولية، على هيئة ثورة إسلامية ماردة، تغير المعادلات الدولية،
وتبدل المعالم الجغرافية، وتحول الأوضاع الاجتماعية، وتقلب النظم الاقتصادية،
وتجدد الأنظمة السياسية، وتعيد العدالة الحضارية للأسرة البشرية، لأن هذه هي سنة
الله تعالى في خلقه، وقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣)، وقال تعالى:
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٧).
نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمع
كلمتنا، وأن يرص صفوفنا، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وصلى الله على سيدنا محمد،
وعلى آله وصحبه وسلم.
اقرأ أيضًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل