; بين علم النحو وعلوم الشريعة.. القرآن الكريم المصدر الأول للاحتجاج عند النحاة | مجلة المجتمع

العنوان بين علم النحو وعلوم الشريعة.. القرآن الكريم المصدر الأول للاحتجاج عند النحاة

الكاتب رمضان فوزي بديني

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2021

نشر في الصفحة 52

السبت 29-سبتمبر-2012

تحدثت في المقال السابق عن علاقة علم النحو بعلوم القرآن، ووصلنا إلى أن هذه العلاقة متبادلة؛ فهي علاقة تأثير وتأثر، وذكرت أيضًا من هذه العلاقة أن القرآن الكريم يعد المصدر الأول للاحتجاج عند النحاة، وحجية القرآن هنا تنسحب أيضًا على قراءاته المختلفة، وهو ما سنفرد له الحديث في هذا المقال؛ حيث سنتحدث عن علاقة علم النحو بعلم القراءات.

 ويجدر بنا في هذا السياق التعريج على تعريف القراءات؛ حيث عرفها الدمياطي بأنها:«علم يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال، وغيره من حيث السماع، أو يقال علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًا لناقله» (إتحاف فضلاء البشر، ص ٦).

 فالاختلاف بين القراءات القرآنية إنما هو اختلاف في كيفية أداء كلمات القرآن، أو اختلاف ألفاظ الوحي من حيث التخفيف والتشديد، أو الاختلاف في الحذف والإثبات والتحريك... إلخ. وهذا الاختلاف له سند لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي في ضوابط القراءات الصحيحة.

 ومن الملائم في هذا السياق الإشارة إلى الفرق بين القرآن والقراءات؛ وهو ما ذكره الزركشي بقوله:«اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان؛ فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» (البرهان في علوم القرآن. (۳۱۸/۱)

 ضوابط القراءات الصحيحة

 وضع العلماء ضوابط للقراءات، بها يحكمون على القراءة بالصحة والقبول، وإذا خالف أحد هذه الضوابط حكموا عليها بالبطلان أو الضعف أو الشذوذ، بغض النظر عن صاحب هذه القراءة، سواء كان من القراء السبعة المشهورين أم من غيرهم.

 وهذه الضوابط التي حددها العلماء ثلاثة هي:

 ۱- صحة سند هذه القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

۲- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.

٣- موافقة اللغة العربية ولو بوجه. 

علم النحو والقراءات القرآنية

 تتمثل أبرز مظاهر العلاقة بين علم النحو والقراءات القرآنية فيما يلي:

أولًا: قلنا إن من ضوابط القراءة الصحيحة موافقتها للغة العربية وقواعدها، ولو بوجه، وحول هذا الضابط يقول ابن الجزري، أحد أشهر علماء القراءات:«وقولنا في الضابط:«ولو بوجه نريد به وجهًا من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله » (النشر في القراءات العشر: ۱۱).

 ثانيًا: تعد القراءات القرآنية – خاصة المتواترة منها - من مصادر الاحتجاج عند النحاة، كما مر في المقال السابق، وقد توسع بعضهم فاحتج ببعض القراءات الشاذة، كما فعل الكوفيون الذين أكثروا من الاستدلال بالقراءات القرآنية؛ لأنها عندهم أوثق من بيت شعر لم يعرف قائله، ويُذكر في هذا السياق أن إمام مدرستهم النحوية الإمام الكسائي هو أحد القراء السبعة المشهورين.

 وبناء على ذلك بني النحاة بعض قواعدهم بناء اختلاف القراءات القرآنية في الآية الواحدة فمن ذلك مثلًا أن النحاة في باب النعت ذكروا أم المنعوت إن كان معلومًا بدون نعت نحو: «مررت بامرئ القيس الشاعر» جاز في النعت - وهو الشاعر في الجملة السابقة - ثلاثة أوجه:

 الأول: الاتباع؛ فيكون هنا تابعًا لما قبله فيكون مجرورًا (الشاعر).

 الثاني: القطع بالرفع على إضمار (هو)؛ أي: (هو الشاعر).

 الثالث: النصب على إضمار فعل (أقصد)؛ أي: (أقصد الشاعر)

 واحتجوا على ذلك بما ورد من قراءتي الرفع والنصب في قول الله تعالى في سورة المسد «حَمَّالة الحطب»؛ حيث قرأها عاصم «حمالةِ الحطب» بالنصب وقرأها الباقون «حمالةُ الحطب» بالرفع.

 فعلى القراءة الأولى تكون مفعولًا به لفعل محذوف تقديره «أذم حمالة الحطب» أو « أعني.. »، وعلى القراءة الثانية - قراء الرفع فإما أن تعرب على الاتباع لـ «امرأته»، أو تكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره «هي حمالة الحطب» أو على أنها خبر مبتدأ لـ «امرأته».

 ثالثًا: اختلاف القراءات المبني على اختلاف في الحركة الإعرابية يتولد منه معان متنوعة؛ فمثلًا في قول الله تعالى: ﴿َقالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾  (المائدة)، قرأ نافع بنصب «يوم»، وقرأ الباقون برفعها؛ فعلى قراءة نافع يكون «يوم» ظرف زمان ويكون معنى الآية: قال الله عز وجل هذه الأشياء، وهذا الذي ذكرناه.. تقع في يوم ينفع الصادقين؛ أي هذا الجزاء يقع يوم نفع الصادقين.

 وعلى القراءة الثانية -قراءة الرفع - يُعرب «يوم» خبرًا للمبتدأ (هذا)، ويكون المعنى هنا: أي هذا اليوم يوم منفعة الصادقين.

 ونكتفي بهذه الوقفات السريعة والإضاءات البارقة مع العلاقة بين علم النحو وعلوم القرآن، ونتحدث في المقال القادم - بمشيئة الله تعالى - عن العلاقة بين علم النحو وعلوم السنة.

الرابط المختصر :