العنوان بين علم النحو وعلوم الشريعة .. علاقة النحو بعلوم القرآن
الكاتب د. رمضان فوزي
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 54
السبت 22-سبتمبر-2012
تناولنا في مقال سابق الحديث عن علم النحو من حيث تعريفه وأهميته، وعرفنا أن هناك علاقة وثيقة بين علم النحو ومختلف والعلوم والفنون، وعلى رأسها علوم الشريعة، وفي المقدمة منها علوم القرآن بما تحويه من علم التفسير، وعلم القراءات؛ إذ يعد الإعراب مدخلًا مهمًا لفهم مضامين النصوص الدينية؛ حيث يترتب على اختلاف حركات الإعراب توالد معان ودلالات متنوعة للنص.
وبناء على ذلك، هب العلماء المهتمون بتراث أمتنا وعلى رأسه علوم القرآن، فصنفوا الكتب المتخصصة في الإعراب في كل فن من هذه الفنون؛ فتجد الكتب المتخصصة في إعراب القرآن للفراء، والنحاس والزجاج، وابن سیده، و ابن خالويه، والقيسي... فضلًا عن كتب التفسير التي لا يخلو أحدها من تأثر باللغة، واستشهاد بقواعدها في تفسير مراد الله تعالى في كلامه.
ولا تخلو مقدمات كتب إعراب القرآن من الإشارة لأهمية أن يكون المفسر على دراية كافية بعلوم اللغة، تمكنه من الفهم الصحيح لمراد الله تعالى في كتابه، منها في هذا السياق ما ذكره مكي بن أبي طالب: «ورأيت من أعظم ما يجب على الطالب لعلوم القرآن، الراغب في تجويد ألفاظه وفهم معانيه، ومعرفة قراءاته ولغاته، وأفضل ما القارئ إليه محتاج.. معرفة إعرابه، والوقوف على تصرف حركاته وسواكنه؛ ليكون بذلك سالمًا من اللحن فيه، مستعينًا على أحكام اللفظ به، مطلعًا على المعاني التي قد تختلف باختلاف الحركات، متفهمًا لما أراد الله به من عباده؛ إذ بمعرفة حقائق الإعراب تعرف أكثر المعاني، وينجلي الإشكال فتظهر الفوائد، ويفهم الخطاب، وتصح معرفة حقيقة المراد» (مشكل إعراب القرآن: ١/٦٣)
النحاة والاحتجاج بالقرآن الكريم
تعددت مصادر الاحتجاج عند النحاة؛ فقد كانوا يعتمدون في تقعيد قواعدهم على ما جمعوه من نصوص منثورة أو منظومة بضوابط معينة، ويأتي القرآن الكريم على رأس هذه النصوص المنثورة: فلم يوجد من خالف في الاحتجاج بألفاظ القرآن جميعًا، وفي جواز الاحتجاج بقراءاته المتواترة جميعها؛ حتى إن بعض متأخري النحاة أجازوا الاحتجاج بالقراءات الشاذة، يقول السيوطي: «أما القرآن الكريم فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترًا، أم أحادًا، أم شاذًا».
وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسًا معروفًا؛ بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجز القياس عليه، كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الموارد بعينه ولا يقاس عليه: نحو:« استحوذ» و«يأبي»....»
الاقتراح للسيوطي: ٥١).
والسبب في كون القرآن الكريم هو المصدر الأول للاحتجاج اللغوي راجع إلى:
- أن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل خالق اللغات جميعًا، الخبير بدقائق اللغة وأسرارها قبل أن توجد أو يتفتق عنها السان، وقد أخبر تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2)، فكون هذا القرآن عربيًا، والذي أنزله هو العالم بأسرار العربية، فإن هذا يقتضي مطلق التسليم والاطمئنان لفصاحته وسلامته.
- ضمان عدم دخول أي تحريف أو تغيير أو تبديل عليه، فالله عز وجل الذي أنزله قرآنًا عربيًا تكفل بحفظه ورعايته بنفسه، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)
- ما اكتسبه هذا النص المعجز من قدسية وإجلال لدى هؤلاء العلماء؛ فحبهم لهذا الكتاب وتقديسهم له مع استحضار ما ذكرناه سابقًا من أن هذا الكتاب أنزله الله عربيًا، وأنه تعالى تكفل بحفظه... كل هذا جعله مقدمًا على غيره من النصوص والمصادر الأخرى.
يقول د. عبد العال سالم مكرم:
«اتفق علماء اللغة على أن القرآن الكريم هو الأصل الأول من أصول الاستشهاد في وضع القواعد النحوية؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولم نسمع أحدًا حاول أن يتلاعب بكلماته، أو يغير في أساليبه، أو يدخل فيه ما ليس منه، فهو أصدق في الدلالة اللغوية، وأقوى في الاستشهادات النحوية من كل النصوص اللغوية الأخرى، مهما كانت درجة هذه النصوص من الرواية والإتقان والحفظ والضبط».
بناء على ما سبق فإن علاقة النحو بعلوم القرآن تعد علاقة متبادلة؛ حيث يعد القرآن الكريم وقراءاته مؤثرة في تقعيد النحو العربي، باعتباره المصدر الأول من مصادر الاحتجاج اللغوي، وفي الوقت نفسه يعد النحو بقواعده مؤثرًا في استنباط المعاني والدلالات المختلفة للنص القرآني المعجز.
وفي المقال القادم بمشية الله تعالى، سأفرد حديثًا خاصًا عن القراءات وعلاقتها بالنحو.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل